معالي السعودي: صمم لا يسمع إلا نداء العزم.. وبكم لا ينطق غير لغة الحزم

تم نشره في الأحد 29 أيار / مايو 2011. 03:00 صباحاً
  • معالي السعودي-(الغد)

فيصل القطامين

الطفيلة- تأبى الحياة أن تتوقف عند معالي السعودي، عند حدود معينة، لتحد من قدراتها، رغم الإعاقة التي تلازمها منذ ولادتها، فقد تجاوزتها إلى حدود أرحب، مفتوحة على فضاء الأمل الواسع، الذي يلغي سائر مصطلحات الاستسلام والعجز، وانتظار شفقة الآخرين، أو حتى الخضوع لنظرتهم، بكونهم مجرد فئة تحتاج إلى العطف ومد يد العون.
ترفض معالي أن تبقى حبيسة هذا الدور الذي حاولت إعاقتها المتمثلة بالصمم والبكم، أن تفرضه عليها، رغم أن كلماتها غير مسموعة، بل سرعان ما تتحول إلى إشارات تعبر فيها عما يجول في خاطرها، على نحو دقيق ومفهوم.
وبلغتها الخاصة، تؤكد السعودي أنها ما استسلمت يوما لما عانت منه، وظلت تحاول اجتياز طريق محتشد بالصعوبات، منذ بدأت فصول إعاقتها لحظة ولادتها، ليكتشف المحيطون بها أنها عاجزة عن السمع والنطق، ونمت بين قريناتها من دون أن تستطيع التفوه ولو بكلمة واحدة، غير أن ذويها أدخلوها روضة أطفال تابعة لمدرسة الأمل للتربية الخاصة، وهي المدرسة الوحيدة في الطفيلة التي ترعى الأطفال ممن يعانون من إعاقة الصمم والبكم.
واصلت السعودي دراستها في مدرسة الصم والبكم حتى الصف السادس، مشيدة بالجهود المضنية التي بذلتها معلماتها في تدريسها وزملائها، إلى أن قرر ذووها أن تلتحق بمدرسة بصيرا الثانوية للبنات للطلبة العاديين، لإدماجها بين الطلبة الأسوياء، كي تتمكن من إتمام دراستها، حتى حصلت على شهادة الثانوية العامة، لكن حلمها لم يتوقف عند هذا الحد، وفق تعبيرها، إذ قررت وبتشجيع من أهلها، أن تستكمل دراستها الجامعية، وكان لها ما أرادت، عندما التحقت بجامعة الطفيلة التقنية، لدراسة تخصص التربية الخاصة، نظرا لرغبتها العارمة في هذا المساق، وحبا في مساعدة من يعانون من هذه الإعاقة، وشعورا منها بأن على أحد أن يقدم باستمرار المساعدة لهم، ليخفف من معاناتهم، ويحمل عنهم جزءا من حملهم الثقيل.
وبعد دأب لا يعرف الكلل، تخرجت السعودي من الجامعة العام الماضي، وعملت، بداية، كاتبة في مديرية التربية والتعليم في لواء بصيرا في الطفيلة، ثم نقلت بعد ذلك إلى مدرسة الأمل للتربية الخاصة، وهي المدرسة ذاتها التي درست فيها، لتبدأ التدريس فيها، العام المقبل.
وتؤكد معالي أن الإرادة تتحدى الصعاب، ولن يقف أمام صاحب العزم والتصميم أي حائل، يمنعه من تحقيق أهدافه، وأنه بالصبر والمثابرة، يصل الإنسان إلى ما يبتغي، مهما كان الهدف صعبا.
وتنوه السعودي، كثيرا، إلى الدعم النفسي والمعنوي الذي تلقته من معلماتها وذويها، الذين أسهموا جميعا في دفعها إلى الأمام، وشحذ عزيمتها لتغدو أقوى ما تكون، في مواجهة الحياة، التي تؤكد أنها "جميلة ورائعة، وعلينا أن نعيشها بأفضل ما يمكن"، لافتة إلى أن على من يتذمرون من الحياة، وهم يتمتعون بالصحة والعافية، أن يشعروا بالنعمة التي منحها الله لهم، وأن عليهم شكره على كل شيء، سواء كان حلواً أو مراً، لأنه حتى لطعم مرارة الحياة معنى ودرس قلما يفهمهما الكثيرون.
وتلفت إلى أن هناك معلمات لها من مدرسة الأمل الخاصة؛ كالمعلمات ختام المسيعديين، وإلهام القرعان، ورويدا القرعان، اللواتي كن يتابعن دراستها في مدرسة بصيرا الثانوية للبنات، حيث كان المشوار في البداية صعبا، نتيجة عدم قدرتها على مواكبة المعلمات اللواتي يدرسن الطلبة الأسوياء.
وترى السعودي أن الأمل لا حدود له، وأن كل ما في الحياة يعني شيئا عظيما لا يدركه من ينظر إليها بسطحية، بل عليه أن يتعمق جيدا ليفهمه بكل جزئياته.
وتؤكد أنها ستعمل بكل جد ونشاط، ولن تدخر شيئا من وقتها أو جهودها في تعليم زملائها في المدرسة التي لم تنطق فيها حرفا واحدا، بل كانت تستعير كلمات وفق قاموسها، مشيرة إلى أن الإنسان قوي بالعزيمة والإصرار، وبوسعه تخطي المعوقات كلها مهما كانت.
وتتمنى السعودي أن تتم زيادة المراحل التدريسية في المدرسة التي درست فيها (مدرسة الأمل للتربية الخاصة) إلى الصف الثاني الثانوي؛ لأن المدرسة تتوقف عند حدود الصف العاشر، مبدية خشية على طلبتها من معاناة سيواجهونها العام المقبل، في حال عدم فتح صفوف لهم، ومؤكدة أهمية دمج الطلبة من المعوقين في المدارس العادية، لفتح المجال أمامهم لتحقيق طموحاتهم التي لا تعرف حدودا.
كما تدعو السعودي الجميع إلى تقديم الدعم والمؤازرة للمعوقين، باستمرار، لأنهم يمثلون شريحة اجتماعية تستحق المساعدة، خصوصا وأنهم حرموا من أساسيات تورث بعضهم إحساسا بنقص لا يمكن تعويضه إلا بالعزم والتصميم.

faisal.qatameen@alghad.jo

التعليق