أبو نضال: منهجية هلسا رؤية الخاص والجزئي في سياق موضوعي وتاريخي

تم نشره في الأحد 15 أيار / مايو 2011. 03:00 صباحاً
  • نزيه أبو نضال بمنتدى الرواد أمس- (تصوير: محمد مغايضة)

جمال القيسي

عمان- اعتبر الناقد نزيه أبو نضال أنَّ منهجيَّةَ غالب هلسا الفكرية تنهض على قاعدة مركبة وبسيطة في آن، موضِّحا أنَّها "رؤية ما هو خاص وجزئي وآني في سياق معرفي ثقافي عبرَ منهج عام يعتمد الجدل الماركسي في محاكمة الظاهرات الفردية".
وتابَعَ في ورقته "غالب هلسا راوي الحياة وناقدها"، التي ألقاها في منتدى الرواد أمس، أنَّه عبرَ تلك الجدلية الصاعدة والهابطة صاغ هلسا منظومته الفكرية وحدد مواقفه، مع إخضاع ما يتوصل إليه من أفكار للمحاكمة من جديد، بقياسه الصارم على المعطيات اليومية والجزئية، موضِّحا أنَّ ليس هناك مسلمات في القاموس الفكري لصاحب "ثلاثة وجوه لبغداد".
وأشار أبو نضال إلى الروح النقدية لدى غالب هلسا التي ظهرت في وقت مبكر يعودُ إلى بداية الخمسينيات، حين نشر في مجلة "الآداب اللبنانية"، سلسلة مقالات نقدية للتجربة الستالينية، وحين كانت تلك التجربة موضع تقديس وتسليم الغالبية الساحقة من شيوعيي العالم، لافتا إلى أنَّه بسبب تلك الروح النقدية، قال غالب ذات مرة إنَّه طوال انتمائه للتنظيمات السياسية كان يشعر دائماً بأنه "خارج هذه التنظيمات وداخلها معاً".
وتساءل عن المصدر الذي يستمدُّ الكاتب الكبير عظمته الروائية منه، مرجِّحاً الظن بإمكانية تلخيصها بكلمة واحدة هي "الصدق الروائي" الذي يعني امتلاك الجرأة على كشف وتعرية الزوايا الخفية والمعتمة في النفس الإنسانية، والإعلان عما يختلج فيها من نوازع وأفكار، والاعتراف السهل بالأسرار الدفينة لهواجس الروح والجسد.
واعتبر ابو نضال أنَّ غالب هلسا امتلكَ "الجرأة على الاعتراف العلني"، وأسهَمَ ربما أكثر من أيِّ روائي عربي آخر في كسر الطابع المحافظ للرواية العربية، واختراق "المحرمات"، السائدة، سواء في مجال الجنس أو السياسة.
وأردف أنَّ هلسا تقدَّمَ خطوة إلى الأمام، معترفاً بما يُريد وعلى لسانه هو، ذلك أنَّ أبطال غالب هم غالب هلسا نفسه، حتى تكاد تلك الروايات تبدو مذكِّرات شخصية صيغت بقالب روائي، وتتجلى هذه الحقيقة منذ روايته الأولى "الضحك" إلى آخر رواياته.
وتابَعَ "إذا كانت الرواية العربية محافظة فإنَّ الكاتب الأردني أشد محافظة بسبب التركيب العشائري للمجتمع، وسيادة الثقافة المحافظة فيه، ما يضع كوابح جدية على حرية الروائي في التعبير عن نفسه وأحاسيسه وسلوكياته الطبيعية التي يمارسها الجميع، لكن في الخفاء".
وراح إلى أنَّ "الكاتب هنا يخجل من الاقتراب من مناطق المُحرَّمات أو ما توافقت الثقافة السائدة على اعتبارها محرمات، فهناك الأخت والابنة والمحيط الاجتماعي والإطار السياسي الذي سيحاسب الكاتب، فيضطر للهرب إلى مسافة أمان كافية تحميه من الروادع الاجتماعية".
وتوصَّلَ أبو نضال إلى أنَّ هلسا في منفاه البعيد والطويل ظلَّ خارج تلك الكوابح والروادع وقوانين الرقابة الرسمية والاجتماعية، ذاهبا إلى أنَّ ذلك مكَّنَه من اختراق العديد من التابوات السائدة. ورأى أنَّ ذلك مكَّنَه من أنْ يكونَ صادقا، مضيفا أنَّ هذه تعدُّ نقطة البداية في أيِّ عمل روائي عظيم، ثمَّ تأتي بعد ذلك بقية الشروط الفنية التي لا بد من توفرها في أية رواية ناجحة.
وبيَّنَ أنَّ حياة هلسا الحافلة انعكست على إنتاجه الفكري، خصوصا الروائي، معتقدا أنَّ من الصعب فهم أدب غالب من دون فهم تلك الحياة ومعرفتها، ذلك أنَّ العديد من رواياته يُمكنُ اعتبارها اعترافات، أو مذكِّراتٍ شخصيَّة صيغت بقالب روائي.
وكذلك رواية "البكاء على الأطلال"، يضيفُ أبونضال، حيث البطل اسمه خالد، لاحظوا الايقاع خالد/ غالب وهو شاب اردني من قرية "ماعين" المطلة على الاغوار، والمطلة على اضواء القدس، وفيها يتذكر (آمنة) عشقه الابدي، ورقصتها البدوية.
واعتبر ابو نضال أنَّ حياة غالب هلسا وذكرياته وتجاربه الحقيقية في القرية الأردنية يعودُ إليها كثيرا في رواياته كلها إلى جانب وقائع حياته في مصر، وفيها يقدم ببساطة تجربة روائية هي مزيج من الواقع والمتخيَّل ليحقق من خلالهما معا إنشاء البناء المعماري لرواياته.
وخلص إلى أنَّ صدق الوقائع والمذكرات الشخصية الحقيقية لا تصنَعُ عملاً روائياً ناجحاً، لكن "امتلاك القدرة على توظيف كل تلك الوقائع والمكاشفات الحميمية في بنية فنية متماسكة هو الذي جعل غالب هلسا واحدا من أبرز الروائيين العرب".

jamal.qaisi@alghad.jo

التعليق