"في البال" لغصون رحال: قدرة على نقل مشاعر الشخصيات في سرد ممتع

تم نشره في الأربعاء 13 نيسان / أبريل 2011. 03:00 صباحاً

بيروت - تصور الكاتبة غصون رحال في روايتها الأخيرة "في البال"، الآلام الفلسطينية الطويلة والمكثفة في سرد ممتع وعمل روائي متكامل، ينقل معاناة فلسطينيين تشرُّدا وضياعا في الخارج، وقتلا في الداخل.
وكأنّ تلك الآلام التي صنعتها أيدي البشر لا تكفي، إذ أنّ قصة الحب التي جمعت بين بطلي الرواية اللذين تجاوزا جيلين من التشرد والغربة والإذلال - وبعد وهم الوصول إلى شاطئ أمان وقسط من السعادة - أنهتها يد القدر من خلال مرض السرطان الذي أصاب الحبيبة.
وكأنّه مكتوب لهذا الفلسطيني التائه ألا يحط الرحال، وألا يحصل على قسط من الراحة والهناء، بل ألاّ تكون له حياة عادية كالآخرين من الناس، بل عليه أن يستمر في "سيزيفية" لا نهاية لها. وكأن التشرد من بلده لا يكفيه، فالحروب والاضطرابات تلاحقه إلى بلدان اللجوء، فما يكاد ينشئ جذورا في مكان أو يتوهم أنه أنشأ شيئا من الجذور، حتى تقتلع بمرارة وقسوة.
ورواية "في البال"، وهي العمل الروائي الرابع لغصون رحال منذ 1999، صدرت عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر في بيروت، وجاءت في 243 صفحة متوسطة القطع، وبلوحة غلاف لفنان من قطر هو سلمان المالك.
تبدأ الرواية من النهاية أو قبيل النهاية، وتعود بنا في الزمن وعبر جيلين وثلاثة أحيانا إلى أيام الجيل الأول الذي عاش تهجير العام 1948.
بعد الإهداء - وهو إلى راحل عزيز- نقرأ أبياتا حزينة للشاعر العراقي بدر شاكر السياب، وفيها يقول "تعالي فما زال لون السحاب، حزينا.. يذكرني بالرحيل، رحيل، تعالي تعالي نذيب الزمان..، ونصبح بالأرجوان شراعا وراء المدى، وننسى الغدا".
بطلا الرواية حبيبان ثم زوجان. أحدهما أي البطل، أقنع نفسه بأنّه مواطن عالمي، وبأنه حيث يستقر يصبح له وطن. أما هي فما تزال تحمل في نفسها لا الحنين، فقط بل الاحتراق لدى مشاهدة التلفزيونات، حيث تحمل إليها آلام شعبها إلى مكان حياتها الجديدة، أي إلى لندن بعد سنوات من التشرّد. إنها على فراش الموت وقلبها هناك.
غصون رحال تقص بشعرية مؤثرة. نقرأ السطور الأولى، حيث تبدأ فتقول "وراء الباب ليل يذوي بصمت. في الخارج مطر يطرق زجاج النافذة بعنف وريح هوجاء تصرّ على النفاذ عبر شقوقه الجانبية مثبتة حضورها. في الجو رائحة رطوبة لزجة ترشح من ثنايا الجدار".
في الجولة، بل الجولات على أماكن التشرّد العديدة -تشرد البطلين كليهما- تنقلنا الكاتبة إلى الكويت وعمان وتركيا وقبرص بشقيها، والقاهرة وبيروت وأماكن أخرى.
قدرة غصون رحال على نقل المشاعر والأفكار والتفاصيل وسرد الأحداث، غير عادية تتسم بالإقناع وبالتأثير في القارئ، وهي لا تترك لأي من هذه العناصر كلها أنْ يتجاوز حدّه في رسم النفس البشرية فيرهق القارئ. إنّها تعرف تماما أنه إذا أصاب القارئ إرهاق، فبعض ما يدل عليه هو أنّ الكاتب نفسه أصيب بإرهاق من نوع ما. هي هنا مثل قائد أوركسترا ناجح، وإذا أطالت المكوث في سردها في مكان ما، فالأكيد هو أنّ الوضع يقتضي ذلك.
والشخصيات عندها مقنعة تشبه الحياة بل تشبه الشخصيات المحبوبة في الحياة. بعضها أي تلك التي تأتي من الجيل القديم ترسمها لنا الكاتبة إما عاطفية سهلة أو عنيدة بعاطفة جياشة، لكنّها تبقيها داخلية فلم تتعود البوح السهل. إلا أنّها تبوح في اللحظات الضرورية الحاسمة. وهي أيضا تشبه الحياة.
أما الأحلام، فنقرأ عنها في كلام البطل عن حياتهما القادمة في لندن قبل اكتشاف الداء الذي جاءها قتالا. يقول البطل "قبل تلك اللحظة كنت على يقين من أن نهايتي.. ستكون على صدرها لأنّني كنت قد خططت بالفعل لأن أمضي معها حياة طويلة تنتهي بشيخوخة هانئة كحال غالبية الناس هنا".
هذا ما كان يخطط له، لكنّ الواقع كان غير ذلك. إنّها تموت من دون أن ينفعها الطبّ، ولا العمليات الجراحية، ولا العلاج الكيميائي. تطلب منه أن يرتب الأمور، وينظم رحلتها الأخيرة.
عاد إلى المنزل، فسألته أين كان فلم يجب. يقول لنا "هل أخبرها بأنّي كنت أنفّذ وصاياها.. أرعى موتها البهي، وأعد لها مثوى ناعما وأنيقا يليق بكبريائها وصبرها.. هل أخبرها بأنّي كنت أتدرّب على كيفية مواجهة الحياة وحيدا بعدها. هل أخبرها بأني أنهيت نشيدَها وبدأت نشيجي الذي سيمتدّ إلى ما لا نهاية.. هل أخبرها بأنّها وإنْ رحلت، فسوف تبقى في البال أغنية وشجرة ياسمين..".
وتنتهي الرواية على الصورة التالية وسط دموع جهد في إخفائها.. تمتمت قائلة له "بقيت لي رغبة صغيرة"، وضغطت على يده وقالت "ضمني إليك".
الختام الأخير كان كما يلي "احتويتها بين ذراعي.. قبلتها قبلة طويلة فوق شفتيها.. أسبلت على إثرها عينيها.. وما عدت أدري إنْ كانت ستفتحهما ثانية".

(رويترز)

التعليق