مقهى "زهران" معلم شاهد على تطورات قاع المدينة ومقصد لمختلف الأطياف السياسية والاجتماعية

تم نشره في الجمعة 8 نيسان / أبريل 2011. 03:00 صباحاً
  • واجهة المقهى - (تصوير: ساهر قدارة)

معتصم الرقاد

عمان- سبعة وخمسون عاما مرت على تأسيس مقهى زهران الذي يعد معلما بارزا من معالم عمان القديمة، وشاهدا على تاريخ ينبض بأحداث وتطوات مختلفة شهدها رواده الذين تنوعوا بين رجالات الدولة والسياسة والاقتصاد، وبين الفنانين والمحامين والتجار والكتاب والرياضيين والمواطنين العاديين.
حجز مقهى زهران والمعروف بـ "عليوة" منذ 1954 عام تأسيسه في منطقة رأس العين مكانته بين مرتاديه، ليندمج المواطنون بالحجاج الذين يمرون بالأردن متجهين لبيت الله لأداء مناسك الحج، ومنهم الأتراك واليوغسلافيون والبوسنيون؛ إذ كانوا يقومون بنصب خيامهم في الساحة الترابية القريبة من واجهة المقهى ويقصدونه لشرب الشاي والقهوة والماء البارد، لتربط المسلمين غير العرب بالأردنيين علاقات إنسانية ودينية وثيقة، ولا يقف الأمر عند الحجاج بل كان المقهى مقصد أهل البادية القادمين بأغنامهم إلى سوق الحلال الواقع أمامه، ما يؤهلهم ذلك من بيع حلالهم والاستراحة في المقهى.     
ابنا مؤسس مقهى زهران، الراحل محمود عبدالقادر المعروف بـ "عليوة"، عبدالقادر ومعتز يوضحان لـ "الغد" أن أباهما عمل في العام 1948 موظفا بسيطا في المقهى الشهير الذي أغلق مؤخرا "الجامعة العربية" الواقع أمام المسجد الحسيني، ليتخذ بعد ذلك وفي منطقة رأس العين قرب نبع رأس العين مقابل شركة الكهرباء من كشك صغير له لعمل المشروبات الساخنة، ليفكر لاحقا بافتتاح مقهى كبير في الجهة المقابلة لهذا الشارع، وفق معتز وعليوة اللذين يشيران إلى أن والدهما أطلق عليه في البداية اسم "مقهى الفردوس" ولكنه بعد سنوات وتيمنا بقصر زهران أعاد تسميته ليحمل اسم "زهران"، رافعا شعارا وبالخط العريض على لافتة المقهى جاء فيها "مقهى زهران: ملتقى للأحبة والأصدقاء وأهل الثقافة الكرام".
وفي المقهى صورة كبيرة لسمو الأمير الحسن بن طلال الذي زار المقهى، وعن تلك الزيارة يقول معتز "في أحد الأيام ومن دون ترتيب مسبق تفاجأنا بارتياد سمو الأمير حسن للمقهى وجلس مسترخيا وطلب نفسا من الأرجيلة (التمباك) وكان يشاهد باستمتاع بعض رواد المقهى وهم يمارسون لعبة طاولة الزهر".
ولعب المقهى ولم يزل دورا في الحياة الاجتماعية والثقافية القديمة أو المعاصرة، وكان، كما يروي محمود، ملتقى الأصدقاء، إذ كان يضم رواده من مختلف الأطياف، يجمعهم التلفاز الذي لا ينفك عن بث أغاني الطرب الأصيل لعمالقة الفن الأصيل أمثال؛ محمد عبدالوهاب، وأم كلثوم وفريد الأطرش وغيرهم.
ويقول معتز إلى الآن ما تزال جلسات الأصدقاء والزبائن تضفي الحيوية على المقهى؛ حيث تختلط في بعض الأحيان صيحات الرواد ممن خسر أو فاز في لعبة الهند او الزهر او ان احدهم ينادي الجرسون- مجدي ابو محمد الذي يقدم للزبائن منذ عمله قبل 22 عاما في المقهى زهران الخدمة المتميزة- لطلب فحمة مشتعلة لنار الأرجيلة التي كادت تنطفئ، إلى جانب التواصل الروحي بين بعض رواد المقهى الذين يجلسون معا من دون لعب الشدة او الطاولة بل يتبادلون الحديث في مختلف شؤون الحياة، وبعضهم يسرد الذكريات القديمة وآخرون يتحاورون عمن صوته الأجمل من عمالقة الغناء الاصيل، وبعضهم مهجوسون بالحديث السياسي.. وكل ذلك وسط طلبات لا تهدأ لاحتساء الشاي والقهوة وغيرهما.
ويشدد ابنا مؤسس "زهران"، أنهما ما يزالان حريصين على التواصل الروحي والاجتماعي مع العديد من زبائن المقهى القدامى الذين يشاركونهم الأفراح والأتراح، وذلك بسبب العشرة والمحبة والألفة التي جمعتهم، وفق قولهما.
ولمقهى زهران قديما ريادة وميزة انفرد بها قديما ولسنوات طويلة فترة الخمسينيات والستينيات والسبعينيات، كما يقول معتز عليوة، ألا وهي تأجير الكراسي بالآلاف مع الصيوانات والطاولات وكهارب الزينة؛ حيث لم يكن احد غيرهم يقوم بهذه الخدمة، بحسب معتز الذي يلفت إلى أنهم كانوا يؤمنون توصيل هذه الخدمات لأي مدينة في الأردن لا في عمان فحسب، غير أن تلك الخدمة ألغيت من المقهى مؤخرا بعد أن ازدادت وانتشرت محلات تأجير وإقامة الصيوانات في كل مكان في المملكة.

motasem.alraqqad@alghad.jo

التعليق