"قاموس العشق في الهند" لجون كلود كاريير: الحب هناك لا يريد أن يكون أعمى

تم نشره في السبت 5 آذار / مارس 2011. 02:00 صباحاً
  • "قاموس العشق في الهند" لجون كلود كاريير: الحب هناك لا يريد أن يكون أعمى

 مدني قصري

عمان- الهند، بلادٌ تتحدّى النظر والعقل معا: شعوب كثيرة، ولغات عديدة، وعادات وتقاليد ومعتقدات لا نهاية لها، وأنشطة لا تعد ولا تحصى! كمٌّ من الماضي، وكمٌّ من الحاضر، يجعلنا نخال وكأن الهند لا وجود لها.

ومع ذلك، فالديمقراطية الهندية تسير، وكل شعوبها منصهرة في شعب واحد! لكن، أي "معجزة" تقف وراء هذه المعجزة؟

 كتابُ "قاموس العشق في الهند" -الهند حيث الحب لا يريد أن يكون أعمى- محاولةٌ للإجابة على هذا السؤال، من خلال تعرجات "هندية" مستمرة، ما بين الأماكن، والآلهة، والرجال، والصدفة.

 إنها الهند، الوهم الذي لا يجد حقيقته إلا في قصيدة شعر، القصيدة الغناية: "ماهابراهاتا"!

الكاتب الفرنسي جون كلود كاريير يعرف ذلك جيدا، يعرف أن كل عشاق الهند يحبون بلدا مختلفا، وجميعهم متمسكون بهذه الحقيقة المتميزة. جميعهم لديهم أسبابهم، وانفعالاتهم، وتجاربهم التي ما انفكت توطد أواصرهم، بصلات وحيدة، وقوية، بل وفاتنة، تبدو أحيانا كواحدة من الحظوظ التي كُرّم بها عُشاق الهند، في ما أوتوا من قدرة على التغيير. تغيير الحياة نحو الأفضل والجمال. وفي رأي كاريير، فإن "ماهابراهاتا"، القصيدة الغنائية الكبرى، هي التي لعبت دور الدليل الأول في حياة الهند. فحتى يُعد، بالتعاون مع بيتر بروك، الاقتباس المسرحي لهذه الملحمة المؤسسة للحياة في الهند، والتي تُعدّ خزان الذاكرة الجمعية الهندية، يتناول كاريير بلاد الهند وهو مزود بنوع من المفتاح السحري. "فهذه القصيدة، يقول كاريير، ستنقلنا إلى كافة مدارس المسرح والرقص.

 وهي تأخذنا من قرية إلى قرية، ومن مدينة إلى أخرى، ومن فرد إلى ثان. وهي تفتح أمامنا فضاء النقاش فورا. في أي مكان، ومع أي سائق تاكسي، أو أي أستاذ جامعي. فهي التي تتيح لنا الالتقاء بماركسيين، أو بقديسين."

عاشق الهند هذا، يغمرنا ويأسرنا، ويفتننا، شئنا ذلك أم أبينا. فهو عاشق للهند بالتأكيد، لأنه عاشق للبشر بشكل عام، أفرادا كانوا أو جماعات. عاشقٌ لجنونهم، وعاشق لحِكمتهم على السواء. وعاشق لمعتقداتهم، ولعلومهم ومعارفهم، ومتاهاتهم، ولشططهم أيضا. فلهذا المتعطش للحياة، توفر الهند غزارةً مثالية في كافة العوالم، ما ظهر منها وما بطن، حظي الكاتب بالتقرب منها، والتعرف عليها، وسبر أغوارها، ولمرات عديدة، لا سيما عندما قرر المخرج بيتر بروك أن يقتبس مسرحيا، "ماهابراهاتا"، النص الغنائي الكبير الذي يضم كل الأساطير الهندية، من "أغران" مدينة تاج محل، إلى "يوديشتيرا" (شقيق "أرجونة" الذي كان نصف رجل ونصف ملك، والذي فقد، بفعل إدمانه للقمار، مملكةً لم يكن يرغب فيها أصلا)، مرورا بغاندي، ورياضة اليوغا التأملية الروحية. لقد جمع الكاتب كل ما أحبه في هذه البلاد التي تتسع اتساع الكون الشاسع، والتي ما يزال منطقها الذي عُمره خمسة آلاف عام، يخضع لقوانين صارمة ما تزال غريبة عن الغرب.

بعد كتابه الرائع عن اليونان، يقدّم لنا جاك كاريير، "قاموس العشق في الهند". قاموس يشمل أقاليم الهند الشاسعة، التي جابها الكاتب، هذا الجوّال المستنير، الذي لا يعرف سوى الخضوع لمبدأ المتعة، من دون ادعاء أي شمولية.

والحال أن الصلة بين اليونان والهند، والتي كان يمكن أن تنبثق، مثلا، من ذكر الوجهين التوأمين في الثقافتين العريقتين، ألا وهما "شيفا" و"ديونيزوس"، صلة تنكشف لنا في خاتمة باب "المتعة" في هذا الكتاب، من خلال أسطورتين، واحدة هندية، والأخرى إغريقية، تتفقان على أن المتعة عند الأنثى متعة ذات سعة لا مثيل لها: "هذه المتعة من القوة والحدة ما جعل الآلهة في اليونان والهند تقدسانها وتحفزان عليها"

قصيدة "ماهابراهاتا" الغنائية كتاب تأمل: "هذا العالم عجلة تدور/ عبور إلى محيط الزمن العظيم/ حيث يسبح قرشان عملاقان: الشيخوخة والموت/ لا شيء يدوم، حتى جسدك لا يدوم/ هذا العالم متعة وألم. كل شيء فيه مثبت، لا أحد يبقى، ولا أحد يعود، إن ما تشتهيه تناله- وما لا تشتهيه تناله أيضا، لا أحد يفهم السر، لا أحد يضمن سعادة الإنسان، أين أنا، وإلى أين أنا ذاهب؟، ومن أنا؟ ولماذا؟، ما الذي يستحق أن أبكي عليه؟".

 لكنْ، باستعراضه لهذه التساؤلات التي تسعى لمواساة الإنسان والتخفيف من عناءاته، والتي تكشف عن جانب مهم من الفكر الهندي، لا يفوت جون كلود كاريير أن يوضح بأن "ما دامت الإنسانية مجرد وهْم، فإنه يمكننا أن نفكر بأن فقدان الوهم في الهند أسهل بكثير من فقده في أي مكان آخر! وهذا صحيح: فالموت عادي جدا، وتافه جدا. لكن هذا لا يعني أنّ فقدان شخص غال لا يثير حزنا حقيقيا. هناك، كما هو الشأن هنا، سواء بسواء!

فمن خلال هذه الملاحظات والتأملات التي تخلو من أي غرور أو عُجب من قبل الكاتب، يرسم كاريير وصفه للأشياء، المفعم بالافتتان، والانبهار، والرقة، ومن السخرية أحيانا، من بلاد تحتمل كل الاحتمالات، وكل التحولات الممكنة. وإذ يعيد قراءة حياة ألكسندر بلوتارك، يستمتع كاريير بالحوار الدائر ما بين الفلاسفة الإغريق، والحكماء الهنود، حيث يلعب كل واحد فيها لعبته بإتقان. أسئلة من هنا، وأجوبة من هناك، ماكرة ومذهلة، وصولا إلى التبادل الأكثر إثارة: "لماذا يثور الناس؟" يسأل الإغريقي. "لكي يجدوا الجمال"، يجيب الهندي. أجل، الجمال! إما في الموت، وإما في الحياة!

من خلال كتابه هذا ينقلل إلينا كاريير هذا النهم وهذا التعطش لرؤية كل شيء، ولمعرفة كل شيء، حتى نظل يقظين باستمرار، وعلى أهبة، في البلد الأقل إثارة للإشمئزاز والملل في العالم. حيث الملل واللامبالاة التي ترافقه، أمران لا أثر لهما في هذا البلد الأسطوري. فالهند تنتزعنا من ذواتنا، إما بدافع التنافر أو بقوة الجاذبية والفضول. ففي الهند تداهمنا المفاجأة عند كل رمشة عين، أو عند أي إثارة للنظر أو الفكر. فهذا القاموس إذن هو هذا: خفق الرموش عندما يهبط "أومكاريسفار" من على معبد "شيفا" الأبيض نحو النهر". هنا نستطيع أن نجلس إلى ساحة المقهى، المطلة على القوارب، وعلى حركة حجاج النهر المقدس، ونحتسي كأسا من الشاي عند غروب الشمس. هنا، لا يملك العقل الذي ليس له شيء يتأمله، إلا ان يتيه في زمن آخر، زمن يغوص في أعماق ذواتنا المجهولة. إنه الهند، ولا شيء غير الهند!

التعليق