كتاب: غياب الثقافة عن البرنامج الحكومي يؤكد وصفها سابقا بـ"الحمولة الزائدة"

تم نشره في الخميس 17 شباط / فبراير 2011. 10:00 صباحاً
  • كتاب: غياب الثقافة عن البرنامج الحكومي يؤكد وصفها سابقا بـ"الحمولة الزائدة"

زياد العناني

عمان - "كلما سمعت كلمة ثقافة تحسست مسدسي"، عبارة مدوية قالها وزير الدعاية النازي جوزيف غوبلز قبل أن يقدم على الانتحار مع زوجته، ولكن ليس بالمسدس الذي كان يلوح به رغم قدراته الخطابية وإنما بالسم والمنوم معا إلى أن فارق الحياة.

وبناء على آراء غوبلز وتداعياتها واحتداماتها المتصلة بالواقع الآن يتضح لنا لماذا تغيب مفردة الثقافة دائما من وعي الحكومات التي تكرس وزراء يمقتونها إلى الحد الذي يضعون فيه أياديهم على مناطق أخرى حينما يسمعون بها تاركين لمفردة مثل ربما أن تأخذ دورها، وتقول إن الثقافة تستبعد لأنها تعبر عن روح الشعوب وهمومها وتطلعاتها ثم تطلّ على بعد آخر يشمل تواطؤا مع الجهل لدوره الفاعل في ما يريدون تمريره بطريقة فردانية تملكيّة مدعومة بأجواء عبارة أخرى لغوبلز ما تزال تتبجح ثم تقول: "اكذب حتى يصدقك الناس".

ثمة حكومات كثيرة تعتقد أن البعد الثقافي لا يصلح كأداة للسياسة وتفضل الابتعاد عنه وعن مخرجاته وعن عينه الثاقبة التي تفرق بين الخطاب والممارسة مبقية على حقيبته الوزارية خاوية أو غير مستخدمة حتى إنها لا تحتاج إلى ذريعة الكفاءة ويمكن لأي شخص أن يحملها بلا كتف متهدل ويحس بخفتها.

أين البعد الثقافي؟ ولماذا يغيب في أزمة التعامل التي نعيشها على الصعيدين السياسي والاجتماعي ولماذا لا يتجلى أو يظهر مدمجا في الخطاب السياسي؟ سؤال كان وما يزال يطرح نفسه بين عموم المثقفين.

ويؤكد د.توفيق شومر أن الحكومات المتعاقبة ساهمت في إفقار الثقافة وتراجع دورها وعدم تداخلها مع الحس الاجتماعي العام، الأمر الذي نتج عنه شيوع بعض الظواهر مثل العنف بين الشباب وانتشار الجهوية. ويشير شومر إلى تراجع مفهوم التنمية الثقافية وكذلك مفهوم التنمية السياسية وأثر هذا التراجع على الناس برمتهم. وينتقد شومر الإجراءات الحكومية العامة التي ركزت على عمليات التجهيل وتغييب الوعي كي تتمكن من تمرير سياساتها المعادية لمصالح الشعب، رائيا أن الحراك الشعبي الذي يسري الآن في عروق الوطن العربي سوف يصنع ثقافة من نوع جديد، معتبرا أن الوعي في اللحظات الثورية يعادل كل سنوات البرامج الثقافية الشللية والمنظمة.

ويرى الشاعر هشام عودة أن البعد الثقافي لم يكن في برامج الحكومات المتعاقبة عنوانا مهما.

ويضيف أن خطاب المسؤولين السياسيين ظل يعتبر هذ البعد مجرد حمولة زائدة أو حالة تعبير تقترب من توصيف "رفع العتب" لا غير.

ويطالب عودة باسم الإصلاح السياسي والتنمية السياسية الحكومة بالقيام بخطوات جادة على طريق الإصلاح الثقافي التي تقود إلى تنمية ثقافية حقيقية.

ويقول عودة إنه ليس من باب التجني على أحد إن قلنا إن أكثر من ثمانين بالمائة من موظفي وزارة الثقافة هم مواطنون طيبون يصلحون لشغل أي وظيفة إدارية في أي مكان آخر من دون أن يؤثر على طبيعة عملهم.

ويلفت عودة إلى التراكم الإداري غير المنطقي الذي يحيط ويؤثر على أداء الوزارة وتنفيذ برامجها مشيرا إلى تجذر البيئة الشللية التي تسيطر على الفعل الإداري، وعلى حواشي الفعل الثقافي المتواضع الذي تقوم به وزارة الثقافة، التي يذهب أكثر من ثمانين بالمائة من حجم ميزانيتها الى بند الرواتب والأجور، ويصرف الباقي على شكل أعطيات وإكراميات لبعض المقربين والمصفقين. ويؤكد عودة أنه ومن خلال متابعة الخطاب الرسمي الثقافي للحكومة، أن الحكومة ما تزال تنظر للثقافة وللوزارة نظرة قاصرة، مبينا أن الحكومات المتعاقبة قد ساهمت في سياسة التهميش والإقصاء والإلغاء التي نراها الآن منتشرة في أجواء وزارة الثقافة في تعاملها مع المثقفين المؤدلجين، أو أولئك الذين يحملون رأيا مغايرا. ويقول عودة إن القائمين على وزارة الثقافة غير قادرين أو حتى مؤهلين بالأساس على تنفيذ غاية البعد الثقافي الذي نحتاج إليه انطلاقا من خطاب الوطن والأمة. ويبيّن عودة أنه ما يزال يتطلع إلى برامج الإصلاح السياسي التي وعدت بها الحكومة، مطالبا بإصلاحات ثقافية جذرية في مقدمتها التفريغ الإبداعي الذي تحوّل الى ما يشبه الأعطيات والتنفيعات والترضيات.

من جهته، لا يستغرب الروائي والناقد الأكاديمي د.محمد عبدالله القواسمة غياب البعد الثقافي من خطاب الحكومات المتعاقبة، مبينا أن تلك الحكومات لم تدرك بعد ضرورة البعد الثقافي في حياتنا.

ويقول القواسمة إن جلّ ما تدركه هذه الحكومات يقع حصريا في منطقة مثقف معها وعلى اتفاق معها ومنسجم مع توجهاتها وآخر يحمل وجهة نظر أخرى ولا ضرورة لمخاطبته.

ويستبعد القواسمة تفاعل الحكومات مع البعد الثقافي لأن هذا البعد يخالف الكثير من ممارساتها ويبين أن الحكومات تفضل التعامل مع المثقف المندمج مع عالمها أو عالم الفن للفن، معتبرا في هذه الحالة أن التغييب هو الأصل وأن الحضور لا أهمية له.

Zeyad.anani@alghad.jo

التعليق