"عنف النساء"للكاتب كريستوف ريجينا: كتاب يبحث في "تابو" ما يزال يقلق الرجال

تم نشره في السبت 12 شباط / فبراير 2011. 09:00 صباحاً
  • "عنف النساء"للكاتب كريستوف ريجينا: كتاب يبحث في "تابو" ما يزال يقلق الرجال

مدني قصري

عمان- لا شك أن عنف المرأة - ضد الرجل بالطبع - ما يزال من التابوهات الاجتماعية التي يسعى الرجل إلى إخفائها، ربما حتى يثبت أنه هو الأقدر والأجدر بذلك.

لقد باتت مكانة النساء في مجتمعاتنا تثير أكثر من جدل، وأكثر من أي وقت مضى. في روايته "عنف النساء" لا يخفي كريستوف ريجينا انتماءه للحركة النسوية، وهو الانتماء الذي لا يقل حماسة عن انتماء "إليزابيت بادنتر" لهذه الحركة التي ترى أن كل تطلع إلى المساواة ينبغي أن يكون تطلعا كاملا.

في هذا الاتجاه كتب المؤلف دراسته حول عنف النساء. عنف النساء وليس العنف ضد النساء. ففيما وراء هذا الموضوع الحساس، يقدم لنا كريستوف ريجينا تأملا عميقا حول هذا اللون من العنف. فهو يحدد ويعرف مفهوم العنف، على نحو ما يقبل به، ويفترضه في مجموع تحاليله، وهو أن العنف نفاد صبر ضمن العلاقة مع الآخر، وزمنٌ جدلي من الصعوبة الاجتماعية. فباستناده إلى شهادات عديدة من رجال تعرضوا لعنف النساء، يوردها في هذا الكتاب، يلح على وصف عنف النساء من حيث هو ممارسة عملية ومن حيث هو تصورات ذهنية ودوافع نفسية لا شك فيها. وفي هذا الصدد يقول المؤلف إن حقيقة عنف النساء، ما فتئت على مدى ملايين السنين، تتعرض للتحريف والطمس والتعتيم، مؤكدا ان هذه الأكاذيب تظل اليوم هي المهيمنة.

لذلك نرى الكاتب يعود بلا كلل إلى قصص الرجال الذين تعرضوا للضرب والإذلال من قبل النساء، ويبين أن عدد الرجال الذين كانوا ضحايا لعنف النساء، يصل إلى نحو 13.000 حالة في فرنسا كل عام. وفي هذا الصدد يضيف المؤلف ان من غريب الأمور أن ما من مركز واحد يستقبل هذه الحالات في فرنسا. وأكثر من ذلك، لا توجد حملة إعلامية واحدة تتناول هذه الحالات، أو تكشف أمرها للناس، وما من معهد واحد يوثق لها ويحللها.

لكن المؤلف في الوقت نفسه يسائل الحملات التي تتناول عنف الرجال على النساء، فيكشف أن منظمة العفو الدولية، على سبيل المثال، لم تفكر في أي لحظة في ألوان العنف التي تمارسها النساء، بل تساهم في ترويج فكرة ما أسماه بـ"عولمة المرأة الضحية"، قائلا إن الأمر إذا تعلق بوأد الأمهات لأطفالهن، فإن المنظمات، والرأي العام، ووسائل الإعلام، سرعان ما تنفعل وتتفاعل وتصرخ.

أما إذا كان القاتل هو الأب فلا من يشفق عليه، او يتعاطف معه، ولا من يرحمه أو يلتمس له عذرا من الأعذار. فالكاتب، على غرار سيمون دي بوفوار، يُذكّر بأن الأمومة ليست لا واجبا ولا إلزاما، بل إمكانية محتملة. وهنا يبين كريستوف ريجينا أن القوالب الجاهزة حول هذا الموضوع هي الوحيدة التي تلقى الاهتمام والقبول. الشائع في العالم أن الجرائم التي ترتكبها النساء مرتبطة على الخصوص بقضايا عاطفية، وليس للمال فيها أي دافع. والحال أن 74% من جرائم القتل التي تقترفها النساء مرتبطة بالمال أصلا.

ويتساءل المؤلف، كما يتساءل كثيرون اليوم، هل التطرق إلى موضوع عنف النساء ضد الرجال، وهو الموضوع الذي ظل لأمد طويل من التابوهات التي تخشاها جهات كثيرة، يمكن أن يكون وسيلة لتجديد تاريخ النساء؟ فالمؤرخون، وعلماء الأنتروبولوجيا والاجتماع، والفلاسفة، والأدباء، يشاطرون فكرة تجديد هذا التاريخ. فالفظاعة، سواء تمثلت في الخطف، أو الاغتصاب، أو فظاعة النساء "الأمازونيات الأسطوريات" (أي النساء المحاربات)، أو "النساء الحائكات" (من يمارسن فن الحياكة) في الثورة الفرنسية، تكشف في مجتمع يعيش في العادة تحت تأثير ذكوري، عن بعض الغرابة الأنثوية. فهي التي ترفض في آن، منطق الحرب، ومن ثم منطق الدولة، ثم هناك المرأة التي تزاود حول عنف الرجال حتى تظهر للعالم، إقصاءها من قبل هذا الرجل. نعرف من الأدبيات العلمية أن من الثابت أن النساء قد يمارسن بالفعل، قليلا أو كثيرا من العنف ضد أزواجهن. لكن، بالرغم من أن المؤلفين يجمعون على القول بأن هذا النمط من العنف موجود بالفعل، فإن الظاهرة تظل غير معروفة جيدا، ولم يتناولها الباحثون بالدراسة والتوثيق. لكنّ ما هو معروف جدا، أنه على الرغم من أن عنف النساء إزاء أزواجهن، موجود بالفعل، فهو لا يخضع للمقارنة، لا من حيث من الأهمية، ولا من حيث الخطورة، مع عنف الرجال تجاه زوجاتهم. ولعل السبب في ذلك هو أن العنف ضد الزوجات أكثر انتشارا من عنف النساء ضد الأزواج.

فالنساء اللواتي يفرضن تصرفا ضد أزواجهن يفعلن ذلك من أجل الرد والدفاع عن النفس، فيما الجزء الأكبر من العنف الذكوري ليس من هدفه سوى مراقبة المرأة والتحكم فيها. وتجدر الإشارة إلى أن للعنف، سواء جاء من الرجال أو النساء، انعكاسات بدنية ونفسية تكون أخطر على النساء منها على الرجال. في هذا الشأن تؤكد العديد من المنظمات الدولية وتعترف بأن عنف الرجال ضد النساء يظل أهم بكثير من عنف النساء على الرجال. وهذا رأي منظمة الأمم المتحدة، مثلا، والمنظمة العالمية للصحة، ومنظمة العفو الدولية.

لا يمكن لأي شخص أن ينكر العنف البدني والسيكولوجي الذي يمكن أن يتعرض له بعض الرجال. لذلك نرى من الأهمية بمكان، أن نفكر في آفاق إحصائية، حتى نفهم بحقٍ واقع العنف الزوجي.

النساء كما ذكرنا يفرضن تصرفات العنف كرد فعل على العنف البدني والسيكولوجي. هذا فيما يستعمل الرجال العنف من أجل الهيمنة على المرأة أو مراقبتها. والحال أن رغبة المراقبة هذه هي نتاج تقاليد أبوية قديمة، أرادت عبر العصور، أن تجعل الرجل هو صاحب الحق في السيطرة على زوجته، مما يعني أن هذه المراقبة ليست مرادفا لقوة شخصية الرجل بالضرورة. فالرجال، مثلا، يلجأون إلى العنف ضد زوجاتهم حتى "يؤدبوهن"، ويرغموهن على العودة إلى السلوكات التي يرغبون هم فيها. فالرجال إذن يرفضون خيارات النساء، فإن عنفهم إزاءهن، يمثل بالتأكيد، سبيلا من سبل التحكم على الآخر، وليس فقدانا للتحكم في الذات، مثلما يدعي البعض. فالرجال الغاضبون قد يتمادون في عنفهم إلى حد قتل زوجاتهم، "حتى لا تفلت هؤلاء النساء منهم". لذلك لا غرو أن تخشى 48% من النساء في كندا، على سبيل المثال، من ضحايا عنف الزواج من زوج سابق، على حياتهن، مقابل 13 % من الرجال. في هذا السياق تفيد الدراسات أن المرأة أكثر تعرضا للقتل عندما تفارق زوجا عنيفا، أو عندما تهدد بفعل ذلك. ويجمع الأخصائيون في هذه المسألة، على القول بأن أغلبية النساء اللواتي قتلن أزواجهن لم يفعلن ذلك إلا في سياق حماية النفس والدفاع المشروع عنها، أمام ألوان العنف الذي يكنّ قد تعرضن له هن أنفسهن، وربما منذ سنوات عديدة. ولعل أطرف ما في تاريخ "الأمازونيات الأسطوريات" اللواتي ارتبط العنف الأول بهن، أن أصولهن تعود إلى عصور الحضارة اليونانيّة القديمة. ولم تحدد كتب الأساطير والتاريخ القديم، أصولهن ولا أين وجدن، أو حَكمن. غير أن الكثير من الروايات يرجح أن هؤلاء النساء المحاربات وُجدن في العصر البرونزي، وربما أقمن مملكتهن في ليبيا، أو في مناطق في شبه جزيرة الأناضول بتركيا، أو في منطقة البحر الأسود.

هل صار عنف النساء ظاهرة جديدة في عالمنا؟ وهل ما حققته المرأة من حقوق سياسية واجتماعية وثقافية، من خلال نضالاتها الطويلة، يتيح لها في المستقبل، بأن تكسب من القوة ومن الثقة ومن الأدوات، ما يجعلها أكثر عنفا تجاه الرجل؟ وهل سيعيد التاريخ نفسه، ويشهد العالم عودة أسطورة "الأمازونيات"؟

madani.guesseri@alghad.jo

 

التعليق