هادي دانيال: الشعر يجذرالفن في التجربة البشرية الأصيلة

تم نشره في الأربعاء 2 شباط / فبراير 2011. 09:00 صباحاً
  • هادي دانيال: الشعر يجذرالفن في التجربة البشرية الأصيلة

شاعر سوري مقيم في تونس يتحدث عن تعدد الأمكنة في تجربته الأدبية

سليم النجار

عمان - يرى الشاعر السوري المقيم في تونس هادي دانيال أنَّ القول بأنَّ الشعر جوهر "لسان القلب"، عبارةٌ محفوفةٌ بالغموض لرأيه أنَّ "القلبَ يُحيلُ إلى النفس وقد يحيل إلى العاطفة وقد يحيل إلى الوجدان".

ويُضيفُ في حواره مع " الغد" أنَّ "الشعر يجذر الفن في التجربة البشرية الأصلية، ويؤكد التجربة البشرية الأصيلة الدافعة إلى النوسان الدائب بين الحالات النفسية المتضاربة لا لنحكي تناقض المواقف أو تشتيت الأفكار أو تمزق الشخصية، بل لتصوغ كل ذلك في قطبين متقابلين".

وغادر الشاعر هادي دانيال، المكان الأول في مقتبل العمر، وانغمرَ في حياة مختلفة. ويقول "كان تأثير ذلك عليّ تجربة الشعرية، ويحيلني إلى سؤال طالما ترددت في الإجابة عليه، كيف أثر المكان على تجربة الشعرية"، متابعا: "سؤال كهذا يعيدني إلى الوراء قرابة الأربعين عاماً، فمنذ الخامسة عشرة من عمري بدأت الأمكنة تضيق بي، والآخرون بمن فيهم العائلة الصغيرة كانوا منغلقين أمام أسئلتي الوجودية".

ويزيد "حتى الكتب لم تسعفني بأجوبة شافية، لكن بعض الكتب دفعتني إلى أقصى المغامرة، وبخاصة كتابا (رامبو، شارع متشرد) للراحل المتفرد في كل ما كتبه صدقي إسماعيل، و(الشعر والتجربة) للما كليش".

واتجَهَ بعدَها إلى بيروت، حيثُ وجَدَ نفسه منخرطاً في الثورة الفلسطينية التي صاغت، وفق تعبيره، كيانه لـ"أكون ما أنا عليه الآن".

ويقول عن تلك المرحلة "أنضجت الثورة عندي هاجس الحرية كشرط أساسي للإبداع، وأوقفتني المعاناة العميقة أمام إحساس مبكر بالمسؤولية، وجعلتني الحرب الأهلية أحدق في عيني الموت، فأدركت نعمة أنْ أبقى حياً، وكان الشعرُ مصباحي وبوصلتي على دروب الحياة المتشعبة"، مستدركا أنه رغم تفاصيل الحياة اليومية المرهقة تمكنَ أخيراً من تلمُّس الكوني في الحياة والتوفيق بين ذلك وبين فلسطين كهوية نضالية ووجودية في الآن نفسه.

وحول تنقله بين المدن والبلدان، أوضَحَ أنَّ مكوثه عشرة أعوام ونيِّفا في مكان جغرافي واحد وهو بيروت الغربية، دفعه إلى التحرر من قبضة ذلك المكان الرمزي الذي اعتصر روحه، وفق تعبيره، ومكنه من "مهام نضالية"، والتحوّل إلى عدة مدن عربية (صنعاء، عدن، تونس، بغداد، الجزائر، الرباط) وأجنبية (نيقوسيا، صوفيا، وبلغراد).

ويتابع "غمَرَت ظلال تلك الأمكنة الشعر بإيحاءات ورموز وروائح وأنغام وألوان وأنوار وعتمات مختلفة"، متسائلاً "لا أعرف بدقة كيف تحوّل ضيقي بالمكانين الأول والثاني إلى احتفاء بالأمكنة الأخرى وبخاصة المكان التونسي الذي منحني طريقة حياة أطمئن إليها نسبياً، فصارت تونس المكان الذي أحنّ إليه بحرقة عندما غادرته إلى دمشق زائراً بعد غياب دام ثلاثين عاماً".

وفي سياق مختلف عن المكان، وعن وهم طرحه البعض من النقاد العرب، أن هناك توهم وشيجة بين دانيال ورامبو، يقول "أجل، هو توهّم ناجم عن كوني اخترقت المشهد الثقافي السوري كشهاب، وأثرت بعض الضجيج في المشهد الثقافي اللبناني – الفلسطيني، وأنا بين السابعة عشرة والعشرين من عمري، إلى جانب نزعة التشرد واللامبالاة بمقعد الدراسة، ربما هذا التقاطع الشكلي مع تجربة رامبو دفع البعض إلى هذا التوهم، ولكن أحداً لم يجاوز ذلك إلى مقارنة بين نصي ونص رامبو الشرعيين، فالتقاطع الشكلي متوفر دائماً بين هذا الشارع وذاك، ولكن ذلك لا يقدم أي إضافة معرفية أو جمالية".

وفي ذات السياق يؤكد هادي دانيال، أن طاغور أيضاً رغم اختلاف تجربته في العمق عن تجربة رامبو كان غير مبال بمقعد الدراسة، رغم أنه لاحقاً نال أكثر من دكتوراه فخرية وأسس جامعة خاصة به! ويضيف "هنا أشير إلى أن قول الناقد والشاعر السوري (عهد فاضل) بوجود تقاطع بين نصي الشعري ونص طاغور في مجموعتي (رأس تداولته القبعات) الصادر العام 2001، ودفعني ذلك إلى تأمل أفضى بي إلى أنني قد أكون أقرب إلى طاغور ورؤياه الشعرية الشرقية مني إلى رامبو ذي الرؤية الغربية مهما استشرقت".

ويستدرك: "رغم أنني لم أقرأ طاغور إلا في الأسابيع الأخيرة التي سبقت إجراء هذا الحوار حيث تفرغت لقراءة المجلدات الثلاثة التي نشرت عن دار العربية للكتاب في تونس بترجمة من الليبي الراحل خليفة محمد التليسي تحت عنوان (هكذا غنى طاغور)، تضمنت نصاً بعنوان "الفراغ بين ذراعي" أحالني إليه مباشرة مقطع شعري من مجموعته "البستاني" يقول:

"وبيدين متلهفتين

أضمّ الفراغ إلى قلبي

فيجرح صدري"

وأنا بصراحة حائر في تفسير ذلك"!

ويتابع: "الكتاب بحد ذاته خلاصة متواضعة لهذا الإبداع الهادر كماً ونوعاً في رفده للإبداع العربي والعالمي، فكيف يمكنني تلخيص هذه الخلاصة؟ مؤكداً في الوقت ذاته، على كل حال لنقل إنه في مختلف مجالاته وأجناسه كان معاصراً بقدر ما هو أصيل، ومنفتحاً على مختلف التيارات الإبداعية وأساليبها ومكتسباً لمهارتها التقنية بقدر ارتباطه الكاشف والروائي بواقع الشعب الفلسطيني اجتماعياً وسياسياً وتاريخياً، بمعنى أنه صياغات جمالية للواقع الفلسطيني في معطياته وتطلعاته".

ويضيف "هذا يدفعنا، إلى الحديث عن الوعي المتقادم، وهو المصطلح الذي أطلقته على قصائد حميد سعيد، بعد الغزو الأميركي، مضيفاً، لقد لفتني هذا المصطلح، تراكم نصوص شعرية لكل من حميد سعيد، وسامي مهدي، وعبدالرزاق عبدالواحد، وساجدة الموسوي، في استحضار العراق قبل احتلاله ورفضها الصارخ للاحتلال، وبكونها قادمة من العراق المحتل وخارجه، تياراً شبيهاً بتيار الشعر المقاوم الذي كان الشهيد غسان كنفاني أول من أشّره في دراسة أصدرها بعد حرب العام 1967م".

culture@alghad.jo

التعليق