قهوة "القزاز" تتهيأ للإقفال الأخير بعدما شهدت 90 عاما من تاريخ بيروت

تم نشره في الأربعاء 5 كانون الثاني / يناير 2011. 10:00 صباحاً

بيروت- تقفل "قهوة القزاز"؛ أقدم مقهى في حي الجميزة التراثي القديم، أبوابها للمرة الأخيرة اليوم الأربعاء، وترحل عن 90 عاما من تاريخ بيروت وذكرياتها، بعدما صمدت في وجه الزمن والحرب وسقطت في معركة رؤوس الأموال.

وتقول انجيل ابي حيدر، صاحبة المقهى، الذي ورثته عن والدها وكان قد افتتحه جدها العام 1951، إن "تاريخ القهوة جزء لا يتجزأ من تاريخ بيروت".

وتضيف "كان يقصدها من الزعماء اللبنانيين الراحلين صائب سلام وبيار الجميل وكميل شمعون، وشهدت ثورة 1958 البيضاء ومحاولة الانقلاب في العام 1961 على الرئيس السابق فؤاد شهاب".

ويقع المقهى عند زاوية مبنى قديم في شارع كان تاريخيا معبرا رومانيا وتختلط فيه اليوم المنازل ذات الحجر الأصفر العتيق بالأبنية الحديثة العالية.

وتم تجميله وتشييد عدد من القصور فيه خلال عهد الانتداب الفرنسي، عندما سكنه حكام فرنسيون؛ أبرزهم الجنرال غورو، حتى أصبح الشارع يعرف باسمه.

وفي العام 1997، اشترى المبنى الذي يقع فيه مقهى الجميزة مالك جديد، قرر وقف عقود الاستثمار القديمة. وبعد نزاع قضائي استمر 12 عاما، رضخت انجيل ابي حيدر للأمر الواقع، وقررت نقل المقهى إلى منطقة انطلياس على بعد حوالي عشرة كيلومترات شمال بيروت.

وتقول الخمسينية، التي لا تفارق البسمة شفتيها، "لقد تعبت. لم أعد أستطيع أن أحارب".

وتضيف أن المقهى "لم يقفل يوما واحدا خلال أعوام الحرب الطويلة (1975-1990). وكان والدي يردد باستمرار "يتطلب الأمر أكثر من حرب لتغيير الروتين في القهوة". الحرب العسكرية لم تغير الروتين، لكن حربا من نوع آخر كسرته؛ هي حرب رؤوس الأموال".

وحتى العام 2001، كان المقهى يتربع وحده في الشارع بواجهاته الزجاجية العريضة، مقدما لزبائنه القهوة العربية والنرجيلة والمازة اللبنانية البسيطة، قبل أن تبدأ الملاهي الليلية والمطاعم، التي تقدم الأطباق الغربية على وجه الخصوص، بالانتشار من حوله كالفطر.

وتحول الشارع بسرعة إلى مكان السهر الأول في لبنان، في موازاة قفزة جنونية في أسعار العقارات المرتفعة أصلا في منطقة مصنفة تراثية وعلى تماس مع وسط العاصمة وتسكنها عائلات ميسورة. وتشير إلى أن المطاعم والملاهي التي فتحت حديثا تخصص مبالغ تصل أحيانا إلى مليون دولار كقيمة استثمار وتجهيز.

وتشبه "قهوة الجميزة" المطاعم الفرنسية التقليدية الصغيرة من حيث التقسيم مع بار طويل قبالة باب المدخل، وطاولات مستطيلة ضيقة أو مستديرة صغيرة. وتحيط كراسي القش والخيزران اللبنانية التقليدية بالطاولات الرخامية، فيما بلاط المقهى الملون "مستقدم من إيطاليا".

ويعود اسم "قهوة القزاز (زجاج بالعامية)"، أساسا إلى مقهى تاريخي معروف كان يقع في ساحة البرج في وسط العاصمة ودمر خلال الحرب. وحصلت انجيل أبي حيدر على الاسم بعد الحرب، وسجلت مقهاها باسم "مقهى الجميزة المعروف بقهوة القزاز".

وتواصل أبي حيدر سرد ذكرياتها "عندما كنت طفلة، كنت أدخل خلسة المكان الذي كان يعج بالناس باستمرار، وبأصوات طاولات الزهر (النرد) والنراجيل والزبائن".

وعلى جدران الأبنية في حي الجميزة، علقت ملصقات كتب عليها بالانجليزية "غود باي كافيه جميزة" (وداعا مقهى الجميزة)، مع صورة فنجان قهوة تنزل منه دمعة حمراء ودعوة للمشاركة في المقهى في "آخر فنجان قهوة في الخامس من كانون الثاني (يناير)".

ويوضح جورجيو غي طراف من جمعية "سيف بيروت هيريتدج" (أنقذوا تراث بيروت)، التي تنظم اللقاء، أن الدعوة عبارة عن "تحية تقدير للمقهى، الذي حمل اسم الشارع وتاريخه".ويؤكد طراف أن "المبادرات الخاصة هي المطلوبة في مثل هذه الحالات، لأن لديها الإمكانات وحرية التصرف، لكن أي يد لم تمتد لإنقاذ "قهوة القزاز" ودفع الايجار أو شراء المكان وتقديمه إلى أصحاب المقهى". ويقول "المقهى جزء من التراث، والتراث ليس دائما حجارة جميلة وعتيقة. الناس تراث والذكريات تراث والأماكن تراث".

أما صاحب المبنى مسعود رنو، فيؤكد أنه لا ينوي هدم المكان أو تغيير معالمه، ويقول "بدأت بترميمه وطلائه، وسيبقى المقهى على الأرجح على حاله"، من دون أن يحدد وجهة استعماله النهائية.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »عزف (خالد عيتاني)

    الأربعاء 5 كانون الثاني / يناير 2011.
    مواضيع كهذا الموضوع تعزف على أوتار مشاعرنا موسيقى حزينة على زمن كان ولن يعود.