كتّاب: الإبداع العربي ما يزال حبيس جغرافيته باجترار التجارب الذاتية

تم نشره في الاثنين 27 كانون الأول / ديسمبر 2010. 02:00 صباحاً

جمال القيسي

عمان - ثيِّمات الإبداع التي يتناولها المبدع العربي غالبا ما تكون منطلقة من قضية ذاتية، أو تجربة شخصية كالاعتقال أو خيبة عاطفية أو ظروف نفسية قاهرة موغلة فيه (طفولة و/ أو علاقة أسرية) أو موقف نابع من محيطه العام، وارتطام حلمه على صخرة الواقع.

والمبدع العربي يطور أدواته بنفسه بتشكيل ثقافته الخاصة الراشحة بالأدب، بينما في الغرب، وفق كتاب ونقاد، يكون الأدب تخصصا تفرد له مساقات التدريس والبحث.

إلا أنّ الأديب المصري يوسف القعيد يخالف الزعم بأنّ المبدع العربي "نرجسي مشغول بالداخل، على خلاف الأديب في الغرب، المتكئ دائما على البحث، والاستقصاء في عمله"، مبينا أنّ الأدب -أيا كانت جغرافيته- يأتي غالبا من التجربة الحياتية".

ويوضح القعيد أنّ تجربتي السجن والحرب كحالة ذاتية على وجه الخصوص، لو عاشهما الأديب فإنه سيكون "أقدر على تفجير طاقاته الإبداعية على نحو أفضل، مما لو كان تناول هذا الجنس من الأدب من دون تعرضه لهما".

ويشير إلى أنّ ثمة استثناءات بالطبع على عبقريات المبدعين، فرائعة نجيب محفوظ "الكرنك"، وهي النص الوحيد الذي خصصه لفكرة لسجن، من دون أن يتعرض محفوظ إلى تلك التجربة شخصيا بالمطلق.

وتتفق مع هذا الموقف القاصة جميلة عمايرة إذ ترى أنّ "الذات تبدو للوهلة الأولى غير كافية لإبداع أو إنتاج أدب أو أي جنس أدبي، لكن وبالوقت نفسه لا يوجد إبداع خارج الذات"، مفرّقة بين ذلك والأدب المعتمد على الحالات الشخصية المنغلقة على ذواتها أو المنكفئة عليها. وترى أنها "لا تكفي لصنع أديب، ولا تنتج أدبا حقيقيا".

ويقف الناقد د.إبراهيم سعافين إلى جانب هذين الموقفين، كاشفا أنه "لا يظن أنّ المبدعين في العالم تحركوا من فراغ عاطفي ذاتي متمثلا بالتجارب". ويؤكد أنّ التجارب الذاتية "نقطة انطلاق وليست كل شيء"، مشيرا إلى أنّ الخطوة التالية هي "التراكم المعرفي في الجنس الأدبي المعين".

وترى د.بسمة الدجاني أن ذاتية الإبداع توصل المبدع إلى العالمية، مشترطة "أن يرافقها إبداع حقيقي". وتشهد بماركيز الذي انكفأ على كوبا "لينتج أدباً ذاتياً عالمياً بكل المقاييس وكذلك نجيب محفوظ فيما يتعلق بالحارة المصرية".

وتستدرك الدجاني بالإشارة إلى أن (الذاتية) في الإبداع غير كافية للعرب كما ينبغي حتى اليوم، لأنها لا تظهر "كفن نابع من الذات بقدر ظهورها على أنها صراع بيني يحاول الكاتب منه أن يثأر لنفسه أو لجنسه أو لجماعة من سائر أفراد المجتع والقوانين".

ويخالف الروائي يحيى القيسي تلك الآراء، معتبرا أنّ الإبداع العربي ما يزال عموما حبيس جغرافيته، "باجترار التجارب الذاتية، مكررا إخفاقاته في عدم إقناع مجتمعه بأهميته وعمقه". ويشير إلى أنّ الإبداع فوق ذلك "لا ينال رضا الكثير من النقاد، وحسب حجم العلاقات، والتوازنات الجغرافية".

ويتمسك القيسي بموقفه بقوله إنّ الكاتب مهما أوتي من "عمق التجارب، وسعة الأفق "فإن" ذاتيته لا تكفي لتزويده باستمرار بعوالم غنية تصلح للإبداع"، مؤكدا على أن تلك الذاتية تنسحب على حالة ما بعد الإبداع، من "انتشار الأعمال ودراستها" وهي المسؤولية الكبيرة، التي ما تزال في "حالة عدم تطور في العالم العربي".

وعن الفرق في تعاطي الأديب العربي مع حالة الإبداع عنه في الغرب، يقول القعيد إنّ الأديب في الغرب صار على الأغلب مدجّجا بفريق عمل بحثي واستقصائي مضيفا "نحن الأدباء العرب لم يعرض علينا ذلك ولم نرفضه". ويفصح عن حالة استهجان "جمهور ثقافي لطرحه للفكرة أثناء مؤتمر ثقافي متخصص".

في هذا السياق، يرى القيسي أنّ الإبداع الحقيقي يبدأ من ذاته أولاً عبر اجتراح الزاوية المختلفة البكر عبر أساليب مبتكرة حقيقية"، مؤكدا على أنّ دراسة وترجمة الإبداع هي "روافع أساسية تضمن أنْ يكون الإبداع العربي في المكانة التي يستحقها في المشهد العالمي".

تؤكد ذلك الدجاني بقولها إن الإبداع العربي الذاتي "مستمر في الإنتاج وبحاجة إلى المزيد من الدراسات النقدية التحليلية لتساعده على الخروج من بيئته إلى العالمية"، مؤكدة على أنّ السرد العربي ما يزالُ يقدّم رؤى أصيلة وحقيقية في الحياة لا بد من إبرازها بـ"الترجمة لتصبح عالمية بالمفهوم اللغوي للكلمة".

سعافين يشير في هذا الصدد إلى أنه "وقر في الأذهان أن الإبداع موهبة"، وهو مالا يقبل إلا إذا كان المقصود بالموهبة "الميل والرغبة والاهتمام"، شارحا أن بعض المبدعين "أو شداة الإبداع يتوهمون خطأ أن الموهبة رديف الإلهام، إذ الصواب أن الرغبة لا بد أن تصقل بالدربة والثقافة".

ويضيف يجب على المبدع أن يشارك في "ورش فنية تساعد في صقل موهبته "فالكتابة الإبداعية ليست مجرد حمل القلم"، مؤكدا على أن "المبدع له أدواته الخاصة المميزة وأن المبدع الحقيقي هو من يختزن في وعيه "تاريخ الثقافات والحضارات الإنسانية، وأن يملك من المعرفة والوعي والاستنارة ما يمكنه من الكتابة".

التعليق