فريد الأطرش: موسيقار ترك إرثا موسيقيا وأثبت حضورا متميزا في زمن العمالقة

تم نشره في الأحد 26 كانون الأول / ديسمبر 2010. 02:00 صباحاً
  • فريد الأطرش: موسيقار ترك إرثا موسيقيا وأثبت حضورا متميزا في زمن العمالقة

غيداء حمودة

عمان - هو ينتمي إلى "آل الأطرش" الأمراء، ولإحدى العائلات العريقة في جبل العرب جنوب سورية المعروف باسم جبل "الدروز" أيضا نسبة لسكانه الدروز، مطرب وملحن وعازف عود، ترك بصمته في الموسيقى الشرقية على أكثر من صعيد، وبرز في زمن "العمالقة" في الموسيقى والطرب.

الموسيقار فريد الأطرش الذي تصادف ذكرى وفاته اليوم، لحّن على مدى حياته 480 أغنية وقصيدة، وألف العديد من المقطوعات الموسيقية وزّع ثماني منها الموسيقار العالمي فرانك بورسيل.

من طرائف حياته أنه صادف كل من ميلاده ووفاته في عيد الأضحى. ولد العام 1910 في بلدة القريا في جبل الدروز، وعانى حرمان رؤية والده الذي كان أحد زعماء الدروز، نتيجة تنقله وسفره منذ طفولته، من سورية إلى القاهرة مع والدته الأميرة علياء حسين المنذر، هربا من الفرنسيين المعتزمين اعتقاله وعائلته، انتقاما لوطنية والدهم فهد الأطرش وعائلة الأطرش في الجبل الذي قاتل ضد ظلم الفرنسيين في جبل الدروز بسورية.

قصته مع الفن والموسيقى بدأت مع تعلمه العزف على العود بنصيحة من والدته، التي تمتعت بصوت جميل، عُرفت باتقانها للعتابا والميجانا وتأثرت بمطرب العتابا اللبناني يوسف تاج الذي اتبّعت أسلوبه فيما بعد المطربة صباح.

واجه الأطرش في بداية مشواره معارضة الكثيرين له ولأعماله، إلا أنه أصر على المضي في مشواره الفني واكتشف أن "المايكروفون" هو جواز سفره إلى حب الجمهور له. وعندما سجل أغنيته الثانية "يا حب من غير أمل"، استعان الأطرش بفرقة موسيقية وبأشهر العازفين كأحمد الحفناوي ويعقوب طاطيوس وغيرهم، وزود الفرقة بآلات غربية، إضافة إلى آلات شرقية، ولاقى تجاوبا كبيرا من قبل الجمهور.

اشترك فريد الأطرش في 31 فيلما سينمائيا كان بطلها جميعا، وأنتجت هذه الأفلام في الفترة الممتدة من العام 1941 وحتى 1975. من أشهر الأفلام على الإطلاق والذي جنى أرباحا طائلة هو فيلم "حبيب العمر"، ومثل فيه قصة حب حقيقية.

كان الأطرش يختار القصص بعناية، وبالذات القصص التي تتقاطع ولو قليلا مع قصة حياته. ففيلم "عهد الهوى هذا"، يمثل فقدان الحبيب بعد أن غفر له كل زلاته أو حتى كبائره، وخداع الآخرين له، و"حكاية العمر كله" الذي يعتبر أحد الأفلام المهمة لفريد، يمثل ضياع العمر بالنسبة له، وعدم جدوى فائدة البحث عن الحبيب.

ومما ميز الأطرش بأنه كان يسجل أغانيه وفي الوقت نفسه يغنيها في الحفلات على عكس عبدالحليم وأم كلثوم، اللذين كانا يغنيان في الحفلات فقط. اشتهر بأداء التانجو ومن أهم ألحانه "يا زهرة في خيالي"، "الربيع"، "أول همسة"، "طال غيابك"، "بساط الريح".

وُيعد الأطرش من أعظم العازفين على آلة العود، ليس فقط في العالم العربي، بل في العالم كله. وكان تأثيره على محبي هذه الآلة وعازفيها ومريديها تأثيرا كبيرا، يبين أنه بنى لنفسه مدرسة في فن العود. ويذكر أنه حصل على لقب "ملك العود" من تركيا العام 1964.

لحن للكثيرين، ومنهم: أسمهان، وإسماعيل ياسين، وتحية كاريوكا، وثريا حلمي، وسامية جمال، وشادية، وفايزة أحمد، وصباح، وليلى الجزائرية، وسيد سليمان، وغيرهم.

أما الشعراء الذين غنى لهم فيتعدون الثلاثين شاعرا وشاعرة منهم؛ أحمد بدرخان، وأحمد خميس، وأحمد رامي، وأحمد شفيق كامل، وأحمد منصور، والأخطل الصغير (بشارة الخوري)، وإسماعيل الحبروك، وعبد الجليل وهبة، وعبد العزيز سلام، وفتحي قورة، وكامل الشناوي، ومأمون الشناوي، وشريفة فتحي، وميشال طعمة، وغيرهم.

وللأطرش قصة طويلة مع المرض، بدأت في العام 1955، حين أصيب بجلطة قلبية مع ذبحة صدرية، وامتدت نحو عشرين عاما، وخلال حياته أصيب بثلاث جلطات، بسبب تعطل ثلاثة شرايين لديه، ويروى أنه قال في مرضه "إني إذا دورت دوا لمرضي كأني أدور بير بترول في الصحراء".

وبالرغم من ذلك، فإن المرض لم يثنه عن التلحين والغناء والتمثيل وإقامة الحفلات، وإن كان ما تعرض له من مرض وأحداث مثل وفاة شقيقته أسمهان المأساوية في العام 1944، قد غلف صوته بمسحة من الحزن، بدت واضحة في كثير من أغنياته التي شدا بها منذ بداية الستينيات.

ربطته صداقات فنية مع محمد عبدالوهاب وأم كلثوم ورياض السنباطي وبليغ حمدي ومحمد القصبجي ومحمد الموجي ومحمود الشريف، وكانوا يجلسون كثيرا مع بعض ويسهرون، كما ربطته صداقة حميمة مع الشاعر كامل الشناوي الذي غنى له فريد "عدت يا يوم مولدي" التي بكى فيها أثاء تأديتها وذرف دمعا على خشبة المسرح.

أما عن علاقته الفنية بالسيدة أم كلثوم، فمعروف أنها رفضت التعاون مع فريد بالأغنية التي لحنها لها، من كلمات الأخطل الصغير بعنوان "وردة من دمنا" والتي لم توافق على بعض مفرداتها.

قدم العديد من الخدمات الفنية لفنانين وفنانات آخرين، وكان أن صرّحت الفنانة اللبنانية صباح مؤخرا بأنه "لا عيب في أن أقول أن من رفعني ومن قدمني للجمهور هو الموسيقار فريد الأطرش".

وكان الأطرش من المحبين لجمال عبد الناصر ومواقفه القومية، فحين مات القائد قدم فريد لحنا تحت عنوان "حبيبنا يا ناصر يا أعز الحبايب، بطل وأنت حاضر، بطل وأنت غايب"، وبفضل عبدالناصر تم الصلح بين الأطرش وعبدالحليم حافظ، حيث طلب عبدالناصر منهما التعاون فنيا.

وبحسب كتاب "ملك العود فريد الأطرش وأسمهان" الذي صدر عن دار اليوسف للطباعة بلبنان العام 2008، فقد كان الأطرش يعزف عن الزواج، وإنه لم يرتبط بمعذبته ورفيقة دربه الراقصة سامية جمال إلا لمدة أربعة أعوام. وبحسب الكتاب ارتبط الأطرش في أواخر حياته بعد أن أنهكه المرض بسلوى القدسي. وكان أن قال في الزواج "أعتقد أن الفنان لم يخلق للزواج، الفنان يتزوج فنه وهو ينجب ألحانا وأغنيات وأفلاما".

والأطرش هو الموسيقار العربي الوحيد الذي حصل على وسام الخلود الفني الفرنسي الذي منح قبله لاثنين فقط من مؤلفي الموسيقى في العالم هما شوبان وبتهوفن، وحصل على أوسمة كثيرة، منها وسام الاستحقاق من مصر ووسام الأرز اللبناني.

وهو سوري الأصل لكنه حصل على ثلاث جنسيات عربية أخرى وهي اللبنانية، المصرية، والسودانية، وحصل على حق المواطن في البلدان الثلاثة. ولد في لبنان ومات فيه، لكنه دفن في مصر بجانب اخته أسمهان.

ظل الأطرش محتفظًا بجمال صوته وملامحه الأساسية وبالتفاف الجمهور حوله حتى آخر حفلة أقامها. وكانت آخر أغنية لحنها هي أغنيه "كلمة عتاب" وأكمل تلحينها بليغ حمدي، ومات في 26 كانون الأول (ديسمبر) العام 1974، بعد حفلة شهيرة حضرها كبار رجال العرب والوزراء، والتي أعاد فيها أغنية "زمان يا حب" أكثر من ثلاث مرات لطلب الجمهور.

ghaida.h@alghad.jo

التعليق