الخيار الشمالي: تحطيم محور الشر

تم نشره في الاثنين 20 كانون الأول / ديسمبر 2010. 02:00 صباحاً

هآرتس

عاموس هرئيل 19/12/2010

رودجر كوهين، كاتب في الشؤون الخارجية في صحيفة "نيويورك تايمز" زار الاسبوع الماضي بيروت وعاد متأثرا. حزب الله، كما يدعي كوهين بحزم، أقوى من أي وقت مضى وهو الان اللاعب المهم في لبنان. حزب الله هو خليط من "حزب سياسي، حركة اجتماعية وميليشيا"، تعريفه كمنظمة ارهابية "غير مناسب على الاطلاق". ويدعو كوهين ادارة اوباما الى التحلل من الاوهام والكف عن تجاهل الواقع. حان الوقت، كما يدعي، بان تجد واشنطن السبيل للحديث مع حزب الله.

في اليوم الذي نشر فيه مقال كوهين، نشر في "يديعوت احرونوت" تحليل مغاير جوهريا للوضع في لبنان. مسؤول كبير في قيادة المنطقة الشمالية شرح
لـ "يديعوت" بان حزب الله يعيش أزمة قبل نشر لوائح اتهام المحكمة الدولية ضد مسؤولين كبار في المنظمة عن دورها في اغتيال رئيس الوزراء الاسبق رفيق الحريري.

وزعم بان المنظمة تعيش أزمة هي الاشد التي ألمت بها منذ تأسيسها. فقد قلصت إيران بنحو النصف المساعدات المالية لحزب الله ? عقب العقوبات ضدها. الأمين العام للمنظمة، حسن نصرالله ما يزال يختبئ في خندقه وليس متحمسا للقتال مرة اخرى ضد إسرائيل. ولكن مع ذلك اذا ما أغراه ذلك فسيكتشف بان حرب لبنان الثانية "ستظهر كالنزهة بالقياس الى ما سيتلقاه من ضربات من الجيش الإسرائيلي.

رودجر كوهين، بالمقابل، يتأثر بالضاحية، الحي الشيعي الذي يعج بالحياة في جنوب بيروت، الذي ترمم من أضرار القصف الإسرائيلي في الحرب. وقد أخذ الانطباع بان لبنان سيأخذ جانب الحذر من الدخول في حرب أهلية متجددة. معارضو سورية وحزب الله انطلقوا في رحلات ندم ومصالحة الى دمشق بينما لن يكون للحريري الابن، بديل فانه سيصبح مثابة "الملاذ اللبناني" الذي يجلس في حكومة تضم في عضويتها قتلة أبيه. الزمن الذي مر منذ الاغتيال سيمنع تحقيق العدل في قضية اغتيال الحريري الاب. الاستقرار اللبناني أهم.

إذن من المحق، آيزنكوت أم كوهين؟ محللون لبنانيون، شاركوا مؤخرا في مؤتمر في أوروبا، يرسمون صورة مركبة لما يجري في بيروت. فالى جانب تعزز حزب الله، يعرضون تخوف كل الاطراف من فقدان السيطرة عقب قضية الحريري. في موضوع واحد يتفقون مع آيزنكوت: حزب الله سيفكر مرتين قبل أن يفتح النار باتجاه إسرائيل. ويقول المحللون ان المنظمة اكتوت بشدة في حرب 2006. هناك حاجة الى حافز خارجي ? قصف إسرائيلي لقوافل الصواريخ من سورية إلى لبنان، او تعليمات إيرانية صريحة لاعادة اشعال الجبهة بين حزب الله وإسرائيل.

هذه أيام معقدة في الشرق الاوسط. إسرائيل، ومثلها الولايات المتحدة، لم تعد ترى ما يجري في المنطقة بتعابير "محور الشر" بالاسود والابيض، بل كشبكة نزاعات وتوترات محلية، بعض ما يؤدي لها ينخرط في الصورة الأكبر، للصراع بين المتطرفين والمعتدلين في العالم الاسلامي. في هذا الصراع، يخيل بان يد المتطرفين الان هي العليا. لا يوجد هنا حسم تام، بل تطور تدريجي. "حراك الالواح الجوفية العظمى"، هكذا وصف رئيس الاركان غابي اشكنازي الامر في احاديث اجراها مؤخرا مع نظرائه في الغرب.

تأثير المتزمتين من إيران الشيعية وحتى ملحقات القاعدة السنية، عظيم. إيران تملي بقدر كبير جدول الاعمال الاقليمي، ليس فقط في رحلتها الصبورة نحو النووي، بل بالتآمر الذي يبدو ملموسا في لبنان والعراق وحتى افغانستان. حيالها يظهر واضحا ضعف الدول العربية المعتدلة. والى جانب ذلك يضعف النفوذ الأميركي مثلما يتجسد ايضا في وثائق ويكيليكس على خلفية الاستعدادات لاستكمال الانسحاب من العراق والورطة المتعمقة في افغانستان والازمة الاقتصادية الداخلية.

الايام التي جمدت فيها إيران خطة نووية واحدة وليبيا تراجعت عن خطة نووية اخرى، تحت انطباع الاجتياح الأميركي للعراق، تبدو ما قبل التاريخ، ضائعة في مكان ما في بداية العقد الماضي. عندما ينظر زعيم مؤيد للغرب مثل الحريري الابن الى الشرق، فهو يرى السوريين والإيرانيين. وعندما ينظر الى الغرب يرى البحر، وليس حاملات الطائرات الأميركية. لا غرو أن الحريري كلف نفسه مؤخرا عناء زيارة الرئيس الإيراني محمود احمدي نجاد ايضا.

ولما كان تعبير "سنة الحسم"، قد اخرج من القاموس الاستخباري عقب الاستخدام الزائد، فان التعبير الأكثر استخداما في شعبة الاستخبارات الان هو "عصر الحافة": إيران على حافة النووي، لبنان قد يكون يقف امام حرب اهلية (حين يتعاظم التوتر على خلفية الكشف عما وصف هناك بانه كمنظومات التجسس الإسرائيلية)، الفلسطينيون قبيل الحسم اذا كانوا سيعلنون من طرف واحد عن دولة مستقلة في الضفة الغربية. الى جانب ذلك فان التطور الأكثر اثارة للقلق من زاوية نظر إسرائيل، الى جانب حملة نزع الشرعية ضدها، هو التغيير الذي يجري في ميزان النار بين الطرفين. فحيال ما كان احتكارا إسرائيليا ? قدرة على ايصال، في كل لحظة معينة، السلاح بكل نقطة في المنطقة (اساسا من خلال سلاح الجو)، تتطور قدرة ذات مغزى للعدو، من خلال تحسين وتوسيع منظومات الصواريخ والمقذوفات الصاروخية التي في حوزته.

على مدى الزمن لن يبقى الوضع الراهن في الشرق الاوسط. من دون تقدم في قناة ما، فان انعدام اليقين ينطوي في داخله على خطر اقليمي وحرب تنشأ في ظروف غير مريحة لإسرائيل. التفكير بان الامور ستتدبر من تلقاء نفسها هو تفكير عابث.

الوزير موشيه يعلون يدعي بحزم بان احدا من وزراء "السباعية" لا يؤمن حقا باحتمال تحقيق سلام مع الفلسطينيين في الزمن القريب القادم. وفي ظل غياب تقدم في القناة الفلسطينية، يبدو أن هذا هو الوقت لاعادة فحص امكانية مفاوضات حقيقية مع سورية، مثلما توصي قيادة الجيش الإسرائيلي منذ فترة طويلة. رئيس الاركان، وكذا شعبة الاستخبارات، لا يتعهد مسبقا بنتائج ايجابية لمثل هذه الخطوة، ولكنه يقترح على القيادة السياسية أن تجرب.

زعم هيئة الاركان أن الرئيس السوري بشار الاسد يلعب الان في جانبي الملعب، من دون أن يدفع الثمن. فحلفه مع إيران وحزب الله يتوثق. وهو قبل اسبوع فقط كان في زيارة رسمية في فرنسا، التي تراجعت تماما عن موقفها المتصلب الذي ابدته تجاهه قبل بضع سنوات بسبب شبهاتها بان سورية كانت ضالعة في اغتيال الحريري.

في نظر الجيش، سورية هي الحلقة الضعيفة في المحور الراديكالي برئاسة إيران. المفاوضات معها ستسمح بفحص فرص اخراج هذه الطوبة من الحائط، وستضع الاسد للمرة الأولى امام معضلة حقيقية. اذا كان السلام مع إسرائيل سيترافق الى جانب اعادة الجولان، بفتح باب أوسع نحو الغرب، فان الاسد كفيل بان يرد بالايجاب. الرئيس السوري ليس ساذجا بالنسبة لموازين القوى الحقيقية بين جيشه والجيش الإسرائيلي. وهذا على ما يبدو هو السبب الذي جعله يتجلد على ما ظهر كسلسلة اعتداءات إسرائيلية على سيادته (الهجوم على المفاعل النووي)، اغتيال عماد مغنية واغتيال الجنرال السوري محمد سليمان، وكلها في العامين 2007 ? 2008). وما يزال هناك تخوف بان يفسر في المستقبل خطوة إسرائيلية ضد حزب الله كاستفزاز واحد أكثر مما ينبغي، او يحقق خطوة هجومية من جانبه.

التعليق