انتحار المبدع والمثقف: دوافع تتميز بالتعقيد والعمق غالبا ما تحمل أبعادا فلسفية

تم نشره في الأحد 12 كانون الأول / ديسمبر 2010. 10:00 صباحاً

جمال القيسي

عمان - الانتحار هو الحل والمخرج الوحيد الذي يختطه إنسان اسودت في عينيه الدنيا، وتراكمت عليه الأحزان، مع شعوره بالعزلة والوحدة حتى وهو وسط الناس، فيرى فيه الخلاص النهائي من تراكم الضغوط عليه، وطريقا ونهاية يقررها بوقت يحدده هو لا غيره.

تختلف لدى المثقف والمبدع دوافع الانتحار عن سواه، ذلك أن له مع الحياة او فكرة الموت نظرة لا تسايرها الظروف العادية، كذلك هي أدواته في التعبير عن الرضا أو القبول، ورفضه ومستوى ردة فعله.

دوافع الانتحار لدى المثقفين في العالم عموما في الغالب مرتبطة بالشأن العام، لكن بعض المقربين من المنتحرين أفضوا بأن ثمة أسبابا شخصية وقفت وراء انتحارهم، أو عززت من جنوحهم إليه، لا بل وفكرة قديمة لديهم.

الكاتب رسمي أبو علي يقول إن "المثقف ينتحر لأشياء متعلقة بالمعاني الكبيرة وقيم الحياة، ولكن أحيانا ثمة ما وراء الأكمة، وربما تتعاضد أكثر من حادثة في نفس الاديب فتدفع به إلى الانتحار".

وفي العام 1982 أقدم الشاعر اللبناني خليل حاوي على الانتحار. ويشير أبو علي الذي كان يقيم في بيروت آنذاك إنَّ قصة حب فاشلة زادت من يأس حاوي الشخصي والعام بعد دخول الدبابات الإسرائيلية إلى العاصمة.

الشاعر د.عزالدين مناصرة يؤكد ذلك في انتحار ماياكوفسكي. ويقول إنه "انتحر لسبب شخصي هو علاقته مع ليلي بريك وقيل لأسباب سياسية"، مستدركا أن ماياكوفسكي كان يقاوم تلك الدوافع بصلابة لأنه يعتقد أن الحياة جميلة تستحق أن نحياها.

مستشار الطب النفسي د.وليد سرحان يعتقد أنَّ المبدع غالباً ما يكون منشغلاً في إبداعه ومندفعاً للحياة بغض النظر عن نوع إبداعه، أما المثقف والذي يصعب وضع تعريف علمي له. فقد يكون مبدعا أو لا يكون، وقد يتناول الشأن العام أو يبقى ضمن حدود حياته الشخصية.

ويؤكد أن الإنسان الذي يتعامل مع الشأن العام يمكن أن يساعده هذا "في الخروج من التفاصيل الشخصية وتخطي عثرات معينة في حياته، وارتهان المبدع لإطاره الشخصي لا يحميه من الانتحار، بل على العكس سوف يكون هما إضافيا على همومه".

ويذهب مناصرة إلى أن دوافع الانتحار عند المثقف "تتميز بتعقيدها وعمقها؛ فالمثقف يتميز بحساسية عالية تجاه القضايا العامة، ويصل إلى حالة الانتحار إذا تساوت الحياة فوق الأرض مع الرقاد تحت الثرى".

ويكشف سرحان أن الانتحار بالنسبة للطبقات المثقفة والمبدعة "غالباً ما يحمل معنى فلسفيا ويتم ربطه بالشأن العام أكثر من الشأن الخاص"، مبينا أن الواقع العملي يشير إلى أن هذه الفئة من المجتمع تعاني من نفس عوامل الخطورة الانتحارية، ويضاف إليها البعد الفلسفي والفكري والصراع مع الحياة ومبادئها.

ويستحسن الكاتب صادق عبدالحق تلخيص المدرسة المعرفية في علم النفس للانتحار بكونه تعبير عن البكاء الرمزي من باب التوصيف الجميل، مع أنه قد لا يكون دقيقاً، مبينا أنه يرى البكاء نوعا من التمسك اللامجدي بما فات، مضيفا أنه جميل ذلك التلخيص وربما كان صحيحاً على نحو ما، ولكنه بكاء مع شيء من الزعيق".

ويرى عبدالحق في انتحار صديقه تيسير سبول قدرا إلهيا مطلقا ومقدرا "قبل أن يتزوج الحاج رزق السبول الطفيلي زوجته الخليلية "أم سعود" بزمان وكان لا بد أن تتابع نقاط خط الدرب الطويل المؤدي إلى قدر تيسير في بيته بماركا من تلك الظهيرة من 15/11/1973.

ويضيف: المثقفون المبدعون الذين يضعون أنفسهم، وتضعهم إبداعاتهم في مصاف الحكام يستسخفون (في أحيان كثيرة) حوادث الحياة ولا يرون أن شيئاً أو حدثاً قد يحول بينهم وبين اقتراف (إبداع) ما يخطر ببالهم من سلوكيات عبثية. وبتلك "العبثية" يقرأ عبدالحق انتحارات همنغواي وكامو وماياكوفسكي.

ويرصد مناصرة قواسم في حالات المنتحرين المثقفين. ويقول: "كنت صديقا للمنتحرين تيسير سبول وخليل حاوي وعلى معرفة بستار قناوي وعبدالله أبو خالفة وكانوا جميعا مدمنين على قراءة الفلسفة الوجودية بالتحديد، وكانوا مثاليين في التفكير والحساسية العالية وشعورهم الحاد تجاه الفجوة الهائلة بين الواقع والرغبة المثالية في إصلاح العالم".

ويؤكد سرحان في هذا السياق أنه "يشيع بين الأدباء والفنانين اعتقاد أنهم أكثر معاناة من غيرهم، مع أن الدراسات العالمية لا تشير إلى أن الانتحار أكثر شيوعاً بين هذه الفئات، فهناك مثلاً فئة رجال الأعمال، والقضاة والأطباء غالباً ما تزيد بينهم حالات الانتحار".

في حين يعتقد عبدالحق أن وجهة نظر المثقفين تجانب العقلانية والحكمة. فيقول "المثقفون المبدعون الذين يضعون أنفسهم، وتضعهم إبداعاتهم في مصاف الحكام الخالقين يستسخفون (في أحيان كثيرة) حوادث الحياة ولا يرون أن شيئاً أو حدثاً قد يحول بينهم وبين اقتراف (إبداع) ما يخطر ببالهم من سلوكيات عبثية".

وعن أصالة مشروع الانتحار فيما إذا كان تراكميا أم حالة انفجار لدى المبدع، يبين أبو علي "كان تيسير يحدثني عن أشكال مختلفة للانتحار، مثل القفز من مكان مرتفع أو احتساء السم أو قطع الشرايين، ولكنه كان مرتاحا إلى فكرة إطلاق الرصاص على الصدغ لأنها تخلو من الألم الجسدي الذي يكرهه".

ويضيف أبو علي "امتدت علاقتي بتيسير من العام 1958 وحتى خروجي إلى بيروت العام 1972، وكان دوما وطيلة تلك السنوات غالبا ما يشكل أصابعه على هيئة مسدس ويوجهها نحو قلبه"، موضحا أنه لا ينكر "أن ثمة عوامل تكالبت على تيسير مثل المرض رفدت أسبابه العامة".

ويؤكد مناصرة ذلك "تيسير كان كثير الكلام في جلساتنا الخاصة عن الأدباء العالميين المنتحرين، وكان يحفظ قصيدة مايكوفسكي "غيمة في بنطال" غيبا، مستذكرا أنه أوصى بشراء رواية (بيرا في نادي البلياردو) للمصري وجيه غالي الذي انتحر في لندن، عام 1967 بعد زيارته لإسرائيل.

jamal.qaisi@alghad.jo

التعليق