كاميليا جبران وفارنر هاسلر في "ونبني": تأمل خاص في الحرب وتأثيراتها على الروح البشرية

تم نشره في الخميس 9 كانون الأول / ديسمبر 2010. 10:00 صباحاً
  • كاميليا جبران وفارنر هاسلر في "ونبني": تأمل خاص في الحرب وتأثيراتها على الروح البشرية

غيداء حمودة

عمان -هكذا كانت الفنانة الفلسطينية كاميليا جبران مساء الاثنين الماضي في أمسيتها المشتركة مع الموسيقي السويسري فارنر هاسلر؛ كما عهدها جمهورها؛ صاحبة صوت دافئ يختزن قضايا إنسانية عديدة ويترجمها عبر موسيقى "جديدة" تشبهها في المرحلة الحالية، كما كانت أغانيها وموسيقاها السابقة تشبهها أيضا وإن كانت مختلفة.

جلست مع عودها الذي تربطها به علاقة قديمة على مقعدها بثياب سوداء وشعر أبيض كلل وجهها السموح والصافي. خاطبت الجمهور بكل محبة، وأهدته أغاني خاصة بها ضمن مشروعها الموسيقي الخاص الذي يختزل مخزون تجربتها السابقة مع فرقة "صابرين"، ويرسم ملامح مرحلة أخرى في اكتشافها لذاتها والموسيقى معا كان نتاجها الأول العام 2002 في ألبوم "محطات" ثلاثة ألبومات أخرى.

غالبية أغاني الأمسية، التي أقيمت ضمن مهرجان كرامة لحقوق الإنسان، وموسيقاها كانتا من ألبوم كاميليا الرابع "ونبني" الذي أطلق في نيسان (إبريل) الماضي بالتعاون مع الموسيقي السويسري فارنر هاسلر، في حين جاءت اختيارات أخرى من تعاونها الأول مع فارنر والذي نتج منه ألبوم "وميض" العام 2004.

الفضاء الذي صدحت فيه كاميليا وأطلقت فيه العنان لصوتها في حين كان فارنر يعزف على الترومبيت أحيانا ويصدر من آلاته وحاسوبه أصواتا ومؤثرات الكترونية تُكمل مشهد الكلمة بمشهد آخر، كان في غرفة "البويلر" في المركز الثقافي الملكي.

ورغم استغراب الحضور الذي لم يتعد عدده الستين شخصا نظرا لسعة المكان ليس إلا، لاختيار هذا المكان للعرض، بددت جبران تساؤلات الجمهور، وخصوصا وهو يمشي نزولا في أدراج المركز نحو غرفة "البويلر"، بقولها بكل هدوء وسكون "مساء الخير، لعلكم استغربتم اختيارنا لهذا المكان لتقديم العرض، ومشيتم في دهاليز حتى تصلوه"، مازحة مع الجمهور "ليس مقلبا؛ إنما ببساطة عندما نتمرن أنا وفارنر على مشروع "ونبني" نتمرن في مثل هذا المكان".

وأضافت جبران أنه في العادة تقدم هي وفارنر الأمسيات في مسارح وأماكن تم تصميمها لغاية العروض، لافتة إلى أن مهرجان كرامة أتاح لهما فرصة تقديم عرض في مكان مختلف.

وقبل بداية الأمسية الموسيقية، أهدت جبران الأمسية "لكل فرد" موجود أو رغب في أن يكون موجودا، مضيفة "رغبنا في عمل أكثر من عرضين، إلا أنه لضيق الوقت اضطررنا لعمل عرضين فقط"، لتختم ترحيبها بالجمهور بشكره على الصبر والتحمل وتنقله بعد ذلك إلى عوالمها الخاصة ولغة مختلفة في الموسيقى.

وحول علاقتها بفارنر، قالت كاميليا "تعرفنا على بعضنا في أحد شوارع مدينة بيرن في سويسرا، وهكذا شاءت الصدفة أن نلتقي بكل بساطة لنجد لغة موسيقية مشتركة بيننا".

ومع قصائد لشعراء في الغالب سبق وأن تعاملت معهم كاميليا كانت الأمسية، وأول الاغاني التي تأتي كنص نثري تقدمها كاميليا بصوتها وإحساسها مع موسيقى العود والترومبيت والأصوات الالكترونية وهي "ونبني" للشاعر فاضل العزاوي.

حالة من الصمت عمت المكان، ليعلن فارنر خلال الترومبيت أغنية "ونبني" عبر أصوات مؤثرة وعميقة. كاميليا بجانبه تفرض حالتها على الجمهور المتابع، وتبدأ تغني بطريقة أدائية بعيدا عن "ميلودي" وألحان الأغنية المنتشرة "في النار وقفت لأكتب تاريخك في دفتر أحلامي الضائع، في النار فتحت المستقبل موعودا نافذة لي..."، لتتساءل بعدها وتشارك الجمهور بتساؤلها "أأقدر أن هذا التاريخ الدموي وأنا اكتب تاريخي وحدي".. "أين الإنسان القادم من حرب خاسرة أبدا، هذا الواقف عند بيوت المنفيين... آه أطلق صرختنا حتى لو لم يسمعها أحد في الريح، حتى لو ظلت ان خرساء على فمك الأخرس، وتعال ادخل مملكتي من نافذتي المفتوحة من أجلك منذ عصور... لنؤلف جيش العودة حيث نقاتل في صف المنسيين، ونبني عاصمة أخرى للعالم".

ومع التساؤلات التي تطرحها القصيدة بكلماتها، تساؤلات أخرى طرحتها كاميليا وفارنر عبر العود والموسيقى الالكترونية، لتترك كل فرد مع إجاباته أو حتى تساؤلاته غير المُجابة.

ومع أجواء مختلفة قليلا أضفاها أداء أكثر هدوءا نسبيا في البداية وعزف الترومبيت المرتكز نوعا ما إلى موسيقى الجاز وآهات كاميليا التي لامست فيه الآلام بنغم شرقي تحاوره الأصوات الالكترونية بمستوى مشابه، جاءت أغنية "لم" للعزاوي أيضا، والتي يقول مطلعها "لم تقع أحداث خطيرة بعد ذلك... بضع حروب فقط"، وتكمل بصوت موجوع "ربع قرن في المنفى بدون وثيقةٍ... وقصائد نسيتها" لتكمل الموسيقى الأغنية وتنتهي بجملة من القصيدة.

في "ونبني"، تختلف كاميليا عما قدمته في مراحل سابقة ليأتي عملها وفارنر أكثر نضجا تنطلق فيه من تجربتها الأولى معه في "وميض"، ويعود كل منهما لمرجعيته الموسيقية ويوجدان أرضا مشتركة للتحاور والتشارك، ويتأملان هذه القصائد التي تتناول الحرب وصدمات ما بعد الحرب والتعبيرات المرتبطة بها وتأثيراتها على الروح البشرية.

وحول اختياراتها في "ونبني"، قالت جبران "رغبت ان أبحث عما كتبه الشعراء الذين سبق وأن تعاملت معهم في أعمالي السابقة لأكتشف ما خطته أقلامهم عبر الأربع سنوات الماضية؛ ومن هنا اخترت القصائد".

ومن قصائد الشاعرة عائشة أرناؤوط التي تقطن باريس، قدمت جبران وفارنر "ونعرف" لتكتشف فيها فضاء آخر من الحقيقة وتقول "سندعى إلى وليمة المرايا ونعرف.. سندخل سلافة السر ونعرف..."، ليتركا للموسيقى دورها في الاكتشاف أيضا.

ومع "أضأنا" للشاعر حسن نجمي الذي تعرفت عليه كاميليا في العام 2005، غنت "أخذنا من الشمس وأضأناه.. غطسنا جثمانه في قوس قزح"، لتنتقل بعدها إلى أغنية "غربية" من ألبوم "وميض" وهي من نص جبران خليل جبران وتقول "غريبة أنا في هذا العالم، غريبة، وفي الغربة وحدة قاسية، ووحشة موجعة.. غير أنها تجعلني أفكر أبدا بوطن سحري لا أعرف"، في أداء يقف عند وقع الحرف والكلمة.

كاميليا خاطبت الغربة في كل نفس تسمعها، وجعلت هي وفارنر من خلال الموسيقى والكلمات والأداء غربتها حالة عامة وخاصة على حد سواء، رغم أنها جابت "مشارق الأرض ومغاربها".

ومن أشعار حسن نجمي قدمت كاميليا وفارنر "أسرى" ليكملا بعضهما مجددا، لتنتقل بعدها إلى "لسنا" من كلمات ديمتري أناليس، وهو الكاتب الوحيد الذي لم تلتقه كاميليا شخصيا، إنما التقته عبر أفكار مشتركة واختارت له نصا جديدا.

و"لسنا" هي امتداد لأغنية أخرى صدرت في ألبوم "وميض" السابق لكاميليا وفارنر، وهي التي جاءت بفكرة ألبوم "ونبني" حين تساءلا كيف ستكون أغنية "الشاطئ الآخر" من كلمات الكاتب نفسه لو عملنا عليها مجددا.

وصدح صوت كاميليا ليقول "نحن أهل الشاطئ الآخر، سجناء مرآتنا الخاصة.. لم نرد أن نستسلم للأحلام مع أنها اكتسبت قلوبنا"، لتختتم مع أغنية "الموجة تأتي" من كلمات فاضل العزاوي. وتقول "ليل أسودُ كالفحم سوادُ، شموس ميتة فحمٌ في ليلٍ من فحم في ليلِ شموسٍ أتبعُها... آه، أعرف أني إن اتبع هذا النجمَ الغامر بالضوء حياتي، أبلغ حتما ركب دليلي الصاعدِ في رحلتِه نحو الأبدية".

 

التعليق