ما الذي تعلمناه حقا من تسريبات "ويكيلكس"؟

تم نشره في الخميس 2 كانون الأول / ديسمبر 2010. 09:00 صباحاً
  • ما الذي تعلمناه حقا من تسريبات "ويكيلكس"؟

إسرائيل هيوم

آفي شيلون

1/12/2010

إن خيبة الأمل من أنه لا توجد حتى الآن أنباء مدوية في الجانب العملياتي والنمائمي للوثائق (أحقا؟ هل يحب بيرلسكوني الاحتفالات الإباحية؟) تجعل فريقا منا يستخف بأهمية التسريب. لكن العكس هو الصحيح. ففي هذه الحال ولد الجبل بركانا. ينبغي أن نفحص عن قضية الوثائق المسربة في سياق أوسع، حتى من القصص العصيرية التي ربما يتم الكشف عنها بعد.

إن قضية الوثائق تُكمل مثلث الضربات التي تلقتها الولايات المتحدة في العقد الأخير. فالضربة الاولى هي الضربة العسكرية – أحداث الحادي عشر من ايلول التي أفضت الى حروب استنزفت قوة الجيش الاميركي. والضربة الثانية هي الضربة الاقتصادية: ازمة المصارف والقروض السكنية في 2008 التي انشأت تهديد الصين الاقتصادي التي تسيطر في واقع الأمر على سندات دين الولايات المتحدة وتستطيع اسقاطها متى قررت. تسريب الوثائق يُكمل المثلث بالضربة الدبلوماسية.

على نحو متراكم تقوّي هذه الضربات الثلاث الشعور بأن قرن الولايات المتحدة قد كُسر وأنها أصبحت أقل تهديدا. في الحقيقة ما تزال اميركا قوية بقدر كاف لتجاوز كل ضربة على حدة لكن اذا بدأت الولايات المتحدة – في وقت ما في المستقبل – تمشي مثل قوة ضعيفة، فان هذا العقد دليل على بدء النهاية. وذلك في الأساس بسبب الصلة الوثيقة بين الضربات. تنبع الصلة قبل كل شيء من تأثير روح العصر. منذ العصر المسمى على نحو متعب ما بعد الحداثة، لم يعد يوجد في العالم قسم جدي للآداب في جامعة لا تُعرض فيه الولايات المتحدة على أنها امبراطورية شر تساوي مظالمها بل تزيد على أفعال الدول التي عرّفها جورج بوش بأنها "محور الشر". بدأت روح ما بعد الحداثة على انها روح وأفكار لكن عندما نضج الطلاب وبدأوا يعملون في العالم بدأت تتجسد في افعالها.

الاعتراض على الولايات المتحدة يأتي من اتجاهات مختلفة ومصالح متضاربة، لكنها تتغذى جميعا من معارضة اميركا نفسها. فالمسلمون المتطرفون يريدون القضاء على قيمها، والمؤمنون بما بعد الحداثة يريدون قص ذراعيها وينظر أصحاب العقائد النسبية في عدم اكتراث ممزوج بالشماتة للكشف عن نقاط ضعفها. كان لانتخاب باراك اوباما رئيسا اسباب شتى لكنها شهدت بأن الاميركيين يفهمون أن مكانتهم الدولية في أزمة وأنهم يبحثون عن تغيير. بيد أن الازمة الحالية التي وقع فيها اوباما تشهد على أنه ليس من المؤكد أن يستطيع هذا الزعيم ذو القدرة الكبيرة وقف التيار، وفوق ذلك: ليس من المؤكد ان يكون الاتجاه الذي يأخذ به ممهدا للمسار الصحيح لخلاص الولايات المتحدة من مكانتها الحالية.

الشيء الآخر الذي تبرزه الوثائق نفسها هو عدم تغير السياسة الاميركية. فالادارة الجديدة في الحقيقة أشد ايمانا بالمحادثة لكن خريطة المصالح ما تزال كما كانت في كل ما يتعلق باسرائيل على الأقل. اذا استثنينا الاختلافات في الرأي المتعلقة بانشاء دولة فلسطينية، فان المصالح متطابقة ومستوى الاصغاء لتوجيهات رئيس الموساد ورؤساء جهاز الأمن مرتفع.

فيما يتعلق بتلك التوجيهات الأمنية، ينبغي أن نقول انه من المدهش أن نقرأ بحرية كهذه رأي دغان ورؤساء جهاز الأمن فيما يحدث في العالم. تكشف الوثائق عن عشرات التوجيهات. ومن جهة ثانية، من الآسِر أن ندرك مبلغ كون صورة الاستخبارات العامة – اذا استثنينا تفصيلات العمليات – غير بعيدة عما يستطيع أن يفهم كل قارئ مدقق للصحف. إن تأييد فتح مثلا لعملية "الرصاص المصبوب" يُصدقه الوثائق ايضا لكن ليس هذا شيئا لم نستطع فهمه. وينطبق ذلك ايضا على علاقة الدول العربية المعتدلة بايران، أو ما الذي يعتقده اردوغان فينا.

يثور من هنا سؤال يتعلق بمعنى كشف "ويكيليكس". إن مجرد الجرأة على الاستخفاف بالنظام السياسي الدولي والكشف عن اجراءاته وبواعثه يمكن من جهة أن يُنعش العالم ويفضي الى مضاءلة الفرق بين ما يُقال وراء ستار وما يُقال على رؤوس الأشهاد. ومن جهة ثانية قد يكون خطوة اولى تصدق نبوءة يميلون في أقسام العلوم السياسية اليها منذ سنين وهي أننا كلما تحولنا للعيش عن طريق الانترنت، فان قوة الدول بصفتها مجموعات متمايزة ستتضاءل لمصلحة جماعات تجتمع بحسب مصالح غير قومية، وعلى نحو لا يتصل بالمكان الجغرافي مثل أمة موسيقيي العالم.

ويُصدق الكشف في "ويكيلكس" ايضا أن العالم قد غدا مكانا يدار بايقاع مختلف يسبب الدوار. كان يجب علينا ذات مرة أن ننتظر سنين حتى ينقح المؤرخون الوثائق التي وجدوها لكتابة الحقيقة التاريخية التي أضعناها في الحاضر فأصبح التاريخ اليوم كامنا في الحاضر.

وكما اعتادوا أن يقولوا في التقديرات الاستخبارية قد يكون العكس ايضا. قد تكون هذه التنبؤات مذعورة جدا. فكما أثار الـ "فيس بوك" مع دخوله حياتنا اسئلة تتعلق بخطر ازدياد التعري والكشف عن الذات، لم تسبب حقيقة أن كل واحد اليوم يستطيع أن يعرف من هم اصدقاء كل واحد، وأين يوجد الآن وماذا يفعل الى الآن، جعل الشمس تكف عن الشروق – فكذلك في شأن "ويكيليكس" ايضا. غدا سيتعلمون ببساطة كيف يُشفرون الوثائق على نحو أفضل.

التعليق