عزت العلايلي: الفن رسالة حريرية ناعمة تتسلل إلى عقول وقلوب المشاهدين

تم نشره في الأحد 14 تشرين الثاني / نوفمبر 2010. 10:00 صباحاً
  • عزت العلايلي: الفن رسالة حريرية ناعمة تتسلل إلى عقول وقلوب المشاهدين

فنان مصري يؤكد لـ"الغد" أنه يرفض لعب أدوار لا تستهويه ولا تقنعه لمجرد الاستمرار

منى شكري
 
البحر الميت- ملامحه تبوح بأصالة مصريةِ ابن البلد.. ارتبط بوجدان المشاهد العربي بشخصية الشهم والفلاح المتشبث بأرضه، والمدافع عن قضايا الغلابى وهموم البسطاء وأحلامهم.. طيبة وعفوية وتواضع تطغى على شخصية الفنان المصري عزت العلايلي الذي التقته "الغد" لدى زيارته الأردن مؤخرا، لتعود الذاكرة معه إلى "أدهم الشرقاوي" و"الأرض".

مسيرة طويلة تعود إلى خمسينيات القرن المنصرم حفلت بإبداعات العلايلي الذي خط له نهجا أهّله أن يحتفظ بنجومية تناهز الخمسين عاما، من دون أن يقع في فخ "العرض والطلب" وسطوة المنتجين.

الفنان الذي جسد ما يزيد على 70 فيلما أبرزها "بين القصرين، الجاسوس، الرجل المجهول، معسكر البنات، قنديل أم هاشم، السيد البلطي، ثلاثة وجوه للحب، الأرض، الاختيار، زائر الفجر، الناس والنيل، السقا مات، لا عزاء للسيدات، خائفة من شيء ما، المجهول، الطوق والإسورة، اسكندرية ليه، على من نطلق الرصاص.."، يعشق السينما التي "قربتني من الناس"، ويعتبر أن لكل نوع منها "جمهوره وعشاقه".

وحول السينما الجادة التي عادت لتفرض نفسها في الأعوام الأخيرة كما في أفلام "حين ميسرة" و"كباريه" و"الفرح"، بالتوازي مع موجة الأفلام الكوميدية ومدى اعتبارها طفرة يقول "السينما عموما والمصرية بشكل خاص متعددة الأنواع والأشكال والاتجاهات"، لافتا إلى أن المواضيع الاجتماعية الخفيفة أو الكوميدية لها جوها الاجتماعي ولها جمهورها، نافيا أن تكون السينما الجادة مجرد "طفرة فهي نتاج وإفراز حالة اجتماعية ولها مريدوها حتى في هذا الزمن".

ويبين العلايلي، المولود في درب الملاح بحي باب الشعرية أحد أحياء القاهرة القديمة 1934، أن السياسة والفن "متلازمان"، حتى الأفلام الكوميدية "لا تنفصل عن السياسة"، ويجدر بالفن أن "يعكس واقع المجتمع الذي يعيش فيه، والواقع لا ينفصل عن السياسة المعاشة".

وحول خيارات أبو محمود، الذي اشتهر بدفاعه عن قضايا "الحرافيش" في كثير من الأعمال التي جسدها، يشدد أنها تتمحور في "أن يكون الموضوع إنسانيا ومقنعا، سواء أكان اجتماعيا أو مأخوذا عن نص أدبي أو سيرة تاريخية أو معاصرة"، مؤكدا أن الدراما التلفزيونية في الأعوام الأخيرة أصبح لها سطوتها في ظل انتشار الفضائيات، غير أنه ضد فكرة تزاحم الأعمال في رمضان "فلا ضير من توزيع عرض الأعمال على مدار العام، طالما أنها تقدم مواضيع اجتماعية تهم الناس، بدلا من بقائها أسيرة الشهر الفضيل، فالقضايا الإنسانية ليست موسمية وتستحق التقديم والمشاهدة في كل وقت".

العلايلي صاحب العديد من الأعمال التلفزيونية المهمة: "أدهم الشرقاوي، الإمام الطبري، الحسن البصري، جمال الدين الأفغاني، بوابة الحلواني بأجزائه الأربعة، الأقدار، شاطئ الخريف، الشارع الجديد، نور القمر، أمانة يا ليل، حرس سلاح، خان القناديل، المنصورية، كارنتينا، وموعد مع الوحوش والجماعة"، يعشق المواضيع التي تناقش مشاكل المجتمع والأسرة والعلاقات الإنسانية.

الفنان الذي حقق نقلة نوعية في فيلم "الأرض"، للراحل يوسف شاهين، ليجسد بعد ذلك أدوارا صعبة تخلده كما في "الاختيار" لشاهين أيضا، يرى أنه نجا من مسألة العرض والطلب إلى حد كبير، وهذا ما جعله "مقلاّ في أعماله في الأعوام الأخيرة بسبب انتقائه لها بعناية؛ إذ "أحرص على دراستها"، رافضا أن يلعب أدوارا لا تستهويه ولا تقنعه أو لا تناسبه لمجرد إثبات حضوره فهو يحترم نفسه وفنه وجمهوره كما يقول.

وفيما يتعلق بقياس مدى نجاح الفنان بمقدار الأجر الذي يتقاضاه، يتساءل العلايلي "الفنان يعيش مرة واحدة فلماذا لا يأخذ حقه؟"، مضيفا "ما المانع من تقاضي النجم أجرا كبيرا إذا كانت له جماهيرية وأرضية"، أما عن الأفلام التي لا تحقق إيرادات رغم جودتها فيقول "إذا لم تأخذ حقها الآن ستجد النجاح لاحقا، ولا يمكن أن تخبو طالما هناك شاشات تعرضها".

لا ينكر العلايلي الذي جسد عدة أفلام عربية الإنتاج والإخراج مثل: السوري "عملية فدائية" واللبناني "بيروت يا بيروت" والعراقي "القادسية" والمغربي "سأكتب اسمك على الرمال" والجزائري "طاحونة السيد فابر"، وجود "أزمة سيناريو لا عربيا فحسب بل عالميا"، مستدركا "هناك أزمة فكر؛ لأن المعلومات تستجد بسرعة رهيبة"، متابعا "في السابق كنت تعمل عملا أو موضوعا يعيش كذا سنة، أما اليوم في ظل الإنترنت والتكنولوجيا فالاطلاعات متجددة ولا تكاد تبقي مكانا للذاكرة"، لافتا إلى أنه "حتى العلاقات الوجدانية والعواطف أخذت تتغير بسرعة كبيرة ومعها العلاقات الاجتماعية".

وعن تصوراته لارتقاء الفن العربي إلى العالمية، يرى الفنان الذي خاض تجربة التأليف "ضرورة أن تجتمع فيه مقومات الأصالة في الفكر والتناول"، موضحا بأن يكون نابعا من "أرضية عربية وفكر عربي مستقى من عاداتنا وتقاليدنا وإخفاقاتنا وهذا راجع أولا للنص والسيناريو"، مستذكرا جوائز نوبل التي يصفها بـ "البديعة التي لا تضاهيها أي جائزة"، معتبرا إياها "الجائزة الأهم في العالم التي يتطلع أي مبدع عربي في أي حقل لنيلها، مفتخرا بمن حازها من أبناء بلده "نجيب محفوظ والسادات وزويل والبرادعي".

وبخصوص التحكيم في الجوائز الفنية العربية ومدى موضوعيتها وإنصافها يمتنع العلايلي عن الإجابة مكتفيا بالقول بدبلوماسية "هناك من يُقر بالتحيز وآخرون ينفون"، وممازحا يقول "الله يسامحه اللي بتحيز".

العلايلي الذي جسد أدوارا متميزة ناقشت معظمها ملفات سياسية تعبر عن مراحل تاريخية في حياة مصر لاسيما الحقبة الناصرية، يرفض مقولة إن الفن لـ"التسلية"، مشددا على أن له رسالة "لكنها ليست رسالة المسجد والكنيسة، وإنما الفن رسالة حريرية ناعمة فيها قيم وأخلاق غير مباشرة تتسلل إلى عقول وقلوب المشاهدين".


munashukri@alghad.jo

التعليق