"التمثال المحتال": كوميديا سوداء ينطقها الصم والبكم بلسان الصمت

تم نشره في الجمعة 30 تموز / يوليو 2010. 09:00 صباحاً
  • "التمثال المحتال": كوميديا سوداء ينطقها الصم والبكم بلسان الصمت

سوسن مكحل

عمان- حوار من نوع آخر تحول على يدي المخرجة مجد القصص، يصلح أن يسمى "حوار النباهة"، أو "حوار الذكاء"، عبر عملها المسرحي "التمثال المحتال"، الذي اعتمدت في أدائه على مجموعة من "الأبطال" الذين يعانون من الصمم والبكم، لأول مرة في الأعمال المسرحية الأردنية.

واستطاعت القصص أن تصوغ معنى العدالة من على خشبة مسرح مركز الحسين الثقافي، أول من أمس، بالتعاون مع مركز سمو الأمير علي للصم، وبدعم من أمانة عمان الكبرى.

وحاولت المخرجة، من خلال هذا العمل، أن تسرد الحوار بإيماءات وإشارات تنسج لحظات امتزجت بالكوميديا السوداء -إن صح التعبير- فأصبح المحتالون الذين سطوا على محل للنوفوتيه، وتقمصوا دور "المانيكانات"، أعزاء على قلب صاحب النوفوتيه.

واعتمدت المسرحية على فن "المايم" الصامت، عبر مجموعة من اللصوص الذين يلجأون إلى محل نوفوتيه، فتحدث المفارقة عند حضور صاحب النوفوتيه، والذي يصاب بالهلع، حين يرى "المانيكانات"، تتحرك من أماكنها وتشرب وتأكل.

وفي اللحظات الأولى، التي يبدأ فيها عامل المحل بفتح النوفوتيه، يلتف حول "المانيكانات" للتأكد من وقوفها على النحو الصحيح، غير أن ما يفقده أعصابه هو محاولة لمس "المانيكانات اللصوص" له، فيبدأ بالصراخ ومحاولة التأكد مما يحيط به.

المسرحية، التي قدمت ببراعة الممثلين وانسجامهم في أداء الأدوار، أعطت نكهة خاصة على خشبة المسرح، تمثلت بشد الحضور إلى اللحظات التالية، التي تعقب جنون العامل.

وفي محاولة تجاوزه لحظات الخوف، يخرج العامل لإخبار مديره بما يحدث من قبل "المانيكانات" الجامدة، ولأن التكذيب أقرب إلى الواقعية، في مثل هذه الحالات، يزجره المدير بحركات وإيماءات تدل على اتهام الأول بالجنون.

محاولة إثبات الواقعة، ببساطة، تمثلت عندما تجول المدير بالمحل، وتعرض لمحاولات "المانيكانات" للمسه، وعبر تطور لحظات العلاقة بين أطراف العمل، تحدث جملة من التفاصيل الكوميدية، والتي استمتع فيها الحضور الغفير وتعالت ضحكاتهم.

واستمرت المسرحية، التي انتهت عروضها أمس، بتلخيص علاقة المحتالين مع أصحاب المحل، المعتمدة على فيزيائية الجسد، وتقريبها إلى علاقة حميمية، تجسدت ببراعة على خشبة المسرح.

الديكور، الذي احتل ركنا أساسيا من العمل، تجلى بالبساطة التي جعلت من المساحات البيضاء حديثا مدروسا، بين الممثل وتقنياته الجسدية، التي انطوت على المزج بين "المانيكانات" وحقيقتهم الفعلية، بوصفهم "محتالين"، وفتحت باب التكهنات للجمهور، ليخلط بين حقيقتهم وبين جنون صاحب المحل.

وفي المحصلة، راحت مجد القصص تجسد رؤيتها من على خشبة المسرح، اعتمادا على الطاقة الجسدية التي أبهرت المشاهد، وجعلته مؤمنا بأن النص ليس ما يكمن في الكلمات التي تقال، بل بالتعبير الجسدي، الذي بدا أقوى في إيصال الرسالة والأهداف.

النص المفعم بالكوميديا، أعادت كتابته القصص بما يتناسب وفنها الإخراجي الاحترافي، وسبق أن عرض في الشارقة وحظي بنجاح باهر، كونه يعد عملا نادرا يقدم للصم على نحو مميز.

أما القبض على المحتالين من قبل الشرطي، فجاء عبر لحظات مفعمة بالأحاسيس، إذ كان وداع صاحب المحل لهم ممتزجا بحميمية شفافة تجلت واضحة وهو يحتضن المحتالين ويودعهم بحرارة لحظة القبض عليهم.

أدى الأدوار الرئيسية في العمل، ممثلون من أصحاب الاحتياجات الخاصة، يعانون الصمم والبكم، باستثناء بعض الحالات التي تعلمت نطق بعض الكلمات، وتم استثمارها خلال العرض المسرحي.

والقصص تعتبر أن الطاقة الجسدية لدى الصم كانت عالية، وعوضت عن الكلام، واستطاعت أن ترسل أفكارها على نحو مميز إلى الحضور، صغيرهم وكبيرهم على السواء.

وشكرت القصص كل من أسهم في العمل المسرحي ودعمها على جميع الأصعدة، وخصوصا الجهات الثقافية والاجتماعية، مثمنة جهود أمانة عمان، ونادي سمو الأمير علي للصم في عمان، وأسامة طهراوي، وسمير عودة، وأشرف حمودي، الذين ساعدوها في عملية الترجمة للممثلين، وصولا إلى إحراز أفضل النتائج.

[email protected]

التعليق