ما الذي يريده أردوغان؟

تم نشره في السبت 12 حزيران / يونيو 2010. 10:00 صباحاً
  • ما الذي يريده أردوغان؟

تسفي بارئيل: هآرتس

"ما حصل لعلاقاتنا مع إسرائيل محزن جدا"، كتب لي هذا الأسبوع مواطن تركي يسكن في أزمير، "هناك أتراك يؤمنون بأننا أصبنا بلعنة تتمثل برئيس وزراء مثل أردوغان، ولكن يبدو أن إسرائيل تعاني أكثر منا ولا تنجح في أن تجد سياسيين محترمين يمكنهم أن يقودوها".

هذا لم يكن رد فعل وحيدا. الطريقة التي يحكم فيها رئيس الوزراء التركي، رجب طيب أردوغان الدولة تبعث أكثر من حاجب على أن يرتفع عجبا، وليس فقط في تركيا، فمحرر الصحيفة السعودية المهمة الصادرة في لندن "الشرق الأوسط" طارق الحميد، أشار إلى الخوف العربي من آثار سياسة أردوغان. "فجأة أصبح أردوغان عربيا أكثر من العرب ودفع إيران إلى أن تحاول أن تستعيد لنفسها الدور الذي سحب منها (مساعدة حماس) إذ إنه في المسألة الفلسطينية اللعبة هي اسم اللعبة".

يعرض خامنئي التدخل الإيراني في ما يجري في الشرق الأوسط، وفي هذا السياق يجيء تصريح علي شيرازي، مستشار الزعيم الروحي لنظام آيات الله، عن استعداد إيران لمرافقة الأسطول القادم بسفن عسكرية. وقد كتب الحميد يقول: "انتبهوا إلى أنه حتى حماس فهمت الأمر ورفضت المرافقة العسكرية الإيرانية".

محللون عرب آخرون أيضا من غير المعروفين كمؤيدين لإسرائيل يحذرون من مغبة "الفرح الزائد" من السياسة التركية. بل إن أحدهم ادعى بأن تركيا ستكون العضو القادم في محور الدول المتطرفة، والذي يضم سورية وإيران. وهذا من شأنه على حد قوله أن يعقد حل المشكلة الفلسطينية، وذلك لأن مثل هذا المحور لن يسمح للدول المعتدلة بالوصول إلى حل وسط مع إسرائيل.

مصر لا تنسى

الادعاء بأن إسرائيل هي دولة عنيفة ومجنونة، لا تضع حدودا لقوتها ليس جديدا، كما يكتب بعض المحللين، وعليه ليس في عرضها هكذا "انتصار حقيقي". السؤال الحقيقي هو إذا كان "السلطان العثماني الجديد" كما يسمى أردوغان، يمكنه أن يحل مشاكل العرب. حتى لو لم يكن لهذا جواب واضح، فإن أردوغان نجح منذ الآن في أن يحقق شيئا واحدا: أصبح منافسا لمصر والسعودية، اللتين تشدان على الأسنان في ضوء المكانة الجديدة التي حققتها حماس بفضل تركيا.

كما أن مصر لا تنسى المناورة التركية العام الماضي، التي كادت تجبرها على أن تسمح لقافلة المساعدة التركية إلى غزة بالعبور في أراضيها. مصر أصرت في حينه على موقفها وأوضحت لتركيا بأن هناك حدودا حتى لـ "سياسة المساعدة". صحيح أن الرئيس حسني مبارك أكثر كياسة تجاه تركيا من رئيس وزراء إسرائيل، ولكن هو أيضا خرج عن طوره للثناء على تركيا على "كفاحها ضد إسرائيل".

رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس (أبو مازن) الذي زار تركيا هذا الأسبوع بمناسبة مؤتمر إقليمي، وجد نفسه في وضع محرج. ومثل الجميع شجب السيطرة على الأسطول وواسى أردوغان والشعب التركي على قتل المواطنين؛ وتحدث كما كان متوقعا عن الحاجة إلى رفع الحصار، ولكنه لم يحظَ بذات الاستقبال الفاخر والعلني الذي حظي به الرئيس السوري، الذي وصل إلى ذات المؤتمر.

السبب واضح: أردوغان يفضل أن يقف إلى جانب غزة وليس إلى جانب رام الله، التي تعتبر معتدلة أكثر مما ينبغي.

الأحداث الأخيرة تدفع عباس إلى أن يشعر كمن فقد الصدارة السياسية لمصلحة حماس. إنجازه الوحيد في هذه الزيارة كان تشكيل لجنة مشتركة بين رام الله وأنقرة هدفها تعليم الفلسطينيين كيفية إدارة الدبلوماسية.

شجب غير متوقع

قضية الأسطول وجهت لأردوغان الأضواء في تركيا أيضا. ويحظى سلوكه الآن بالانتقاد من مصدر غير متوقع: فتح الله غولان، الذي يدير في بنسلفانيا في الولايات المتحدة مركزا دينيا - اجتماعيا يؤثر على ملايين الأتراك في تركيا وفي العالم. ويقف غولان على رأس حركة دينية تحتفظ بعدة صحف في تركيا، وتؤثر جدا على طبيعة تصويت ملايين الأتراك وساعدت أردوغان وحزبه "حزب العدالة والتنمية" ليفوز في الانتخابات الأخيرة.

أردوغان يرى نفسه تلميذا لغولان، الذي يروج للإسلام الليبرالي، في ظل الحفاظ على مبادئ الدين. وها هو، غولان بالذات وجد من السليم، في المقابلة مع "وول ستريت جورنال" أن يشجب الطريقة التي تصرف بها الأسطول. وقال: "كان ينبغي لمنظمي الأسطول أن يحصلوا على إذن إسرائيل. فشل المنظمين في الحصول على مثل هذا الإذن يدل على نهج غير مستعد لأن يقبل بالصلاحيات فيؤدي إلى نتائج غير مرغوب فيها".

كان هذا بالنسبة لأردوغان صفعة رنانة. فالحديث لا يدور عن خصم سياسي، بل عن شخصية أب تقريبا. وإذا لم يكن هذا بكاف، فإن نائب أردوغان، بولانت ارينتش، الذي لا يعتبر من مؤيدي إسرائيل وانتقد بشدة الاجتياح للأسطول، صرح بأن "حجة أفندي (لقب غولان) قال الحقيقة كما يفعل دوما".

هذا الخلاف بين أردوغان وارينتش بعث أصداء فورية تقريبا. رئيس حزب الشعب الجمهوري التركي المعارض، كمال كليج دار أوغلو، الذي اتهمه أردوغان بخدمة مصالح إسرائيل سارع إلى الرد عليه بحدة. فقال: "لست من مجموعة ضغط في صالح إسرائيل بل في صالح الجمهور. إذا كان رئيس الوزراء يريد أن يفهم من هو من مجموعة الضغط في صالح إسرائيل فيجدر به أن ينظر إلى يمينه نحو نائبه، الذي يطلق تصريحات تتعارض وسياسة الحكومة".

رئيس المعارضة هاجم أردوغان، وقال إنه يجعل سياسة الخارجية سياسة داخلية وبالعكس، وادعى بأنه كان ينبغي إدارة الخلاف مع إسرائيل بوسائل دبلوماسية. وقال كليج دار أوغلو إن "أردوغان كاد يعلن الحرب على إسرائيل في جلسة حزبه. بالمقابل، يعرض حزبنا موقفا أكثر اعتدالا وحذرا. لا يمكن للسياسة الخارجية أن تتم انطلاقا من البطولة بل من المنطق. على وزير الخارجية أن يكشف على الملأ مراسلاته مع إسرائيل بحيث نعرف جميعنا إذا كانت إسرائيل قد حذرت تركيا أم لا".

الخلاف بين حزب المعارضة وحزب السلطة ليس نتيجة الأسطول بل رفعت الأحداث الأخيرة مستوى اللهيب بقدر غير قليل. ويدور بين الحزبين صراع في مسألة رزمة الإصلاحات التي يقترحها أردوغان، وتتضمن ضمن أمور أخرى تغييرا بنيويا في الجهاز القضائي. ويتطلع أردوغان إلى أن يمنح الحكومة صلاحيات أكبر في تعيين قضاة المحكمة الدستورية، وذلك لتعزيز نفوذه في المعقل الذي عرقل مبادراته في مجالات أخرى.

المعارضة، التي تخشى هذا بالذات، رفعت التماسا ضد شرعية الإصلاحات. وهذا الأسبوع قررت المحكمة الدستورية البحث في الالتماس، الذي إذا ما أخذ به قد يدفع إلى الانهيار مدماكا مهما آخر في حملة أردوغان لتعزيز مكانته ومكانة حزبه. وقد ألقي بإسرائيل إلى داخل هذا الصراع، وذلك لأن اتهام المعارضة
بـ "تأييد العدو" أو خيانة الوطن هو دوما ورقة قوية في المواجهة السياسية الداخلية.

حتى قبل أسابيع معدودة اتهم أردوغان المعارضة بمقاومة الديمقراطية وإفشال عملية انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي، بسبب اعتراضها على الإصلاحات التي اقترحها. أما الآن فقد قام الآخرون بمهمته.

هل الانتقاد العربي والداخلي كفيل بأن يغير موقف أردوغان؟ "لدى أردوغان كل شيء شخصي"، يقول رجل حزب المعارضة. "وهو يحتاج الآن إلى سلم كي ينزل عن الشجرة التي تسلق عليها ويفضل أن يقدم له هذا السلم بسرعة وذلك لأن للرجل فتيلا قصيرا وهو قادر أيضا على أن يدفع بالسياسة الخارجية التركية إلى الانهيار. آمل أن تكون إسرائيل هذه المرة أكثر حكمة منه".

التعليق