الخط الحديدي الحجازي: شريان تمزقه الحدود ويرتقه التاريخ

تم نشره في الاثنين 17 أيار / مايو 2010. 09:00 صباحاً
  • الخط الحديدي الحجازي: شريان تمزقه الحدود ويرتقه التاريخ

رنّه العامر
 

عمان- دمشق- تجمع الآراء حول مدى أهمية الخط الحديدي الحجازي، قبل نحو قرن من الزمان، باعتباره حدثا كبيرا بكل المقاييس، الأمر الذي جعل من هذا المشروع، جزءا من تاريخ المنطقة، لا يمكن تجاهله أو نسيانه، بل إن الأمل يظل قائما، بأن تتكاتف الجهود لإعادة تشغيل هذا الخط، الذي يحمل بعدا تاريخيا رمزيا، يقوي أواصر الأخوة بين البلدان التي يمر بها، وهي؛ سورية والأردن والمملكة العربية السعودية.

وفي الأردن، يعد الخط الحديدي الحجازي، من أهم المعالم التراثية، المرتبطة بتاريخ البلد الحديث؛ لمواكبته انطلاق الثورة العربية الكبرى، التي جعلت منه ذا أهمية كبرى في إرساء إمارة شرقي الأردن، وفق مدير عام الخط الحديدي الحجازي محمود الخزاعلة .

ولعب الهاشميون دورا ملحوظا فيه، لخدمة حجاج بيت الله من كل أصقاع الدنيا، حيث استقل الملك عبد الله الأول القطار من مدينة معان إلى عمان في رحلته الأولى، التي أرسى فيها قواعد الدولة الأردنية، والمغفور له الملك الحسين بن طلال الباني، الذي أطلق اسم مؤسسة الخط الحجازي الأردني .

ويشير الخزاعلة، إلى أن أهم ما يميز الأردن عن غيره من الدول، هو استقراره السياسي والأمني، فضلا عن مركزه المتوسط بين دول المنطقة ومناخه المعتدل، الأمر الذي جعله منطقة جذب سياحي واستثماري، حيث ازداد عدد السياح، خصوصا بعد الانتهاء من الاحتفال بمرور مائة عام، على إنشاء الخط، وانطلاق حملة المليون زائر للمتحف .

ولأهمية السياحة في الدخل القومي، يؤكد الخزاعلة أنها تعد رافدا قويا في دعم خزينة الدولة من العملات الأجنبية، وخلق فرص عمل جديدة، تحد من البطالة على نحو عام، وفي هذا الإطار، فقد عمدت إدارة مؤسسة الخط الحجازي، إلى استغلال أملاكه الشاسعة، والبالغة (16)ألف دونم مربع، حول 34 محطة لخدمة الركاب على مسار الخط ، حيث يوجد حول كل محطة 50 دونما، يمكن تخصيصها للاستثمار العقاري، من مختلف المستثمرين العرب والأجانب، لإنشاء فنادق ومراكز تسوق، إضافة إلى مشاريع أخرى على هذه الأراضي.

ويؤكد الخزاعلة، دور الخط الحجازي في العمل على تعزيز الاقتصاد الوطني، من خلال المساهمة في نقل الصادرات والواردات في قطاع النقل، لإنعاش الاستثمار الضخم، الذي بدأ مطلع القرن العشرين؛ لخدمة الرقعة الجغرافية المار بها الخط.

وفيما يختص بالرحلات السياحية، أكد الخزاعلة، أن ثقافة القطار محدودة جدا، لافتا إلى أن الأردن هو من أقدم البقاع الجغرافية في العالم. وبوصف القطار معلما حضاريا للدولة، "فالدولة التي يوجد بها قطار، تعد من الدول المتطورة"، الأمر الذي دفع مؤسسة خط الحديد الحجازي، لتنظيم برنامج واعد على مدى الشهر الحالي والقادم، يعمل على تسيير رحلات بشكل منتظم من عمان إلى الجيزة، ومن عمان إلى المفرق، أثناء الدوام المدرسي، حتى يتمكن الطلاب من الاطلاع على معالم الأردن التاريخية، إضافة إلى رحلات سياحية للعائلات في العطلة الأسبوعية .

وفيما يتصل بالقطار كوسيلة نقل، أكد الخزاعلة أن القطار، يعد من أكثر وسائط النقل صداقة للبيئة، مشيرا إلى أن التلوث الموجود في دول العالم، تسبب 80 % منه وسائط النقل، باستثناء القطار، خصوصا بعد دخول الكهرباء، التي أصبح يعتمدها في سيره وتنقلاته.

ويشير الخزاعلة، إلى وجود عدة مشاريع تعكف وزارة النقل على دراستها، ومن المنتظر أن ترى النور قريبا، منها طرح قطار سريع كهربائي، يربط بين مدينتي الزرقاء وعمان، لحل الأزمة في هذه المنطقة، إضافة إلى مشروع ربط تم الاتفاق عليه مع دول المشرق العربي، بموجب قرار مجلس القمة الاقتصادي، الذي انعقد في الكويت العام الفائت، ويهدف إلى ربط متكامل مع دول الوطن العربي.

أما في قلب مدينة دمشق، فينهض بناء شامخ، يلفت النظر بجماله وطرازه المعماري القديم، يعرف باسم "محطة الحجاز" التي تطل على ساحة، استمدت اسمها من اسم المحطة، وما أن يدفع الفضول الزائر ليسترق النظر للداخل، حتى تسحره النقوش الإسلامية، والأقواس والأشكال الجميلة، والمساحة الفسيحة الهادئة التي تعود به إلى نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن الماضي.

ووسط عراقة المكان التاريخية، وألقه الحاضر، ثمة ما يشير إلى أن المهندس المعماري الإسباني فرناندو ديراند، أخذ بعين الاعتبار في تنفيذ مخططات بناء المحطة، جماليات العمارة الإسلامية، فجاءت تحفة فريدة في شكلها وتصميمها، كأكبر محطة للقطارات في المنطقة، في ذلك الوقت.

وهذه العودة المتخيلة، تدفع الزائر بدورها، إلى البحث في صفحات التاريخ، لمعرفة سر هذا المكان، الذي يكاد يختزل تاريخ سورية المعاصر، بدءا من السنوات الأخيرة للمرحلة العثمانية، مرورا بالحرب العالمية الأولى (1914 - 1918م)، ومرحلة الانتداب الفرنسي، وصولا إلى الاستقلال والمرحلة الراهنة، ذلك أن آلية العمل في هذه المحطة، خضعت للظروف السياسية المختلفة منذ أكثر من مائة عام.

وفي حديث لـ "الغد" مع مدير مكتب المدير العام للمؤسسة العامة للخط الحديدي الحجازي في دمشق، المهندس غسان حسن، أشار إلى أن فكرة إنشاء الخط الحديدي الحجازي، ظهرت سنة 1864م، أثناء العمل على فتح قناة السويس، التي ربطت بين البحر الأبيض المتوسط والبحر الأحمر، فقد تقدم الدكتور زامبل، الأميركي من أصل ألماني، باقتراح تمديد خط حديدي، يربط بين دمشق وساحل البحر الأحمر، بيد أن الاقتراح قوبل بالإهمال، لكنه سرعان ما عاد إلى الظهور في العام 1880 م، عندما قدم وزير الأشغال العامة في الأستانة (استانبول حاليا)، مشروعا أوسع من السابق، يقضي بمد خط حديدي من دمشق إلى الأراضي المقدسة، غير أن المشروع لم ينفذ؛ بسبب الصعوبات المالية وبقي، بدوره، حبرا على ورق.

وبعد عدة أعوام، أحيا الفكرة من جديد السوري عزت باشا العابد، الذي كان يشغل منصب الأمين الثاني للسلطان العثماني عبد الحميد، عندما اقترح العام 1900م المشروع على السلطان الذي تحمس له، فأقام دعاية واسعة له في العالم الإسلامي، مركزا على مسألة سهولة نقل الحجاج إلى أرض الحجاز، إذا ما تحقق المشروع الذي بث الحماسة في نفوس المسلمين في سائر الولايات والأمصار، وتابعوا مراحل إنشائه، وتبرعوا له من أموالهم، وغطت هذه التبرعات ثلث تكاليفه، التي بلغت أكثر من ثلاثة ملايين ليرة عثمانية.

ويتابع حسن، أن دمشق كانت مركزا للانطلاق نحو الديار المقدسة؛ إذ تجتمع وفود الحجاج من الأصقاع الإسلامية، لتبدأ رحلة مشقات ومكابدات طويلة، تصل إلى خمسين يوما في الذهاب ومثلها في الإياب، ناهيك عن الأخطار التي يواجهها موكب الحج على طريق القوافل، من فيضانات وسيول في الشتاء، وأشعة شمس حارقة في الصيف، إضافة إلى هجمات اللصوص وقطاع الطرق وغارات البدو، وكان على والي دمشق، الذي يعين أميرا للحج من قبل السلطان العثماني، تأمين سلامة الموكب ومرافقته طوال المسافة التي تتجاوز 1500 كيلو متر، ونحو 490 ساعة مسير، مقسمة إلى 40 محطة، ويحرس الموكب عشرة آلاف جندي من المشاة والفرسان والهجانة، كما تقول المصادر، وتضيف بأن طول الموكب، كان يصل إلى أكثر من أربعة كيلو مترات في بعض المواسم. ولا شك أن أي فكرة تستطيع أن توفر البديل لهذه المشاق، وأن تتغلب على هذه المصاعب، سوف تلهب خيال السلطان، وتدفعه إلى التحمس لها وبذل الجهود لتطبيقها، والبديل الأمثل كان هذا الخط الحديدي.

ففضلا عن الأهداف الدينية، المتمثلة في تسهيل سفر الحجيج إلى الديار المقدسة، فإن فكرة الإنشاء انطوت كذلك على بعد سياسي، تمثل في ربط البلاد الإسلامية، بعضها مع بعض، بطريق حيوي، وهذا بدوره يفضي إلى هدف عسكري، وهو تشديد قبضة السلطان عبد الحميد على الولايات العربية التي يمر بها الخط، لاسيما وأن قناة السويس، كانت خاضعة لسيطرة بريطانيا التي كانت تتحكم بمرور الجيوش العثمانية عبرها، وكانت السفن العثمانية، تقف أحيانا لأكثر من شهر، حتى يسمح لها بالمرور.

بعد الإعلان عن المشروع والدعاية له، جاءت التبرعات من مختلف الجهات والأصقاع الإسلامية، فبعد أن تبرع السلطان عبد الحميد بثلاثمائة وعشرين ألف ليرة عثمانية ذهبية، تبرع شاه إيران بمبلغ خمسين ألفا، بينما تبرع خديوي مصر، بكميات كبيرة من الأخشاب ومواد البناء، وانهالت التبرعات من آسيا الوسطى، وبلاد الهند، التي تحمست للمشروع كثيرا، وهو ما أثار غضب بريطانيا، فوضعت العراقيل، أمام حملات جمع التبرعات، حتى أنها رفضت أن يرتدي المسلمون الهنود، الذين تبرعوا للخط الأوسمة والنياشين العثمانية؛ إذ كان السلطان، يمنح شارات وأوسمة وألقابا للمتبرعين، كما أن الموظفين في الولايات العثمانية، تبرعوا بجزء من رواتبهم لهذا لمشروع، الذي فاق نجاحه جميع التوقعات.

ويضيف حسن، بأن العمل بدأ في الخط في شهر أيلول سنة 1900م، وقد قام مهندس تركي يدعى مختار بك بتحديد مسار الخط، ويقال بأن المسار، الذي اختاره هو نفسه، الذي سلكته قوافل الحج والتجارة منذ القدم، وبعد ذلك بعام، عين مهندس ألماني يدعى مايسنر للإشراف على تنفيذ المشروع، بمساعدة حوالي 50 مهندسا من جنسيات مختلفة، وتقول المراجع إن العمل كان شاقا ومرهقا، نتيجة الظروف الجوية القاسية، وندرة المياه، والوقود، وتراكم الرمال في المناطق الصحراوية، وشح المواد الغذائية، وقلة الأيدي العاملة، ما دفع السلطات العثمانية إلى الاستعانة بالجيش، لتوفير اليد العاملة في تنفيذ المشروع، الذي استمر العمل فيه حوالي ثماني سنوات، حيث تم إنجاز خط يبدأ من دمشق، ويمر بمدينة درعا فالزرقاء فعمان فمعان فالمدورة فتبوك، فمدائن صالح، لينتهي في المدينة المنورة، وكان من المقرر أن يصل إلى مكة المكرمة، ومنها إلى عدن في اليمن، غير أن ظروف السلطنة العثمانية حالت دون ذلك.

ووصل أول قطار إلى المدينة المنورة، قادما من دمشق في الثاني والعشرين من شهر آب(أغسطس) 1908م، في رحلة استغرقت حوالي 55 ساعة، ويقول المهندس غسان حسن، "إن هيئة خاصة شكلت، في الآونة الأخيرة، تحت اسم (هيئة إعادة تسيير الخط الحديدي الحجازي)، تضم أعضاء من الدول المعنية، وهي سورية والمملكة العربية السعودية والمملكة الأردنية الهاشمية، وهي تعقد اجتماعات متتالية، بغرض تسيير قطارات بين دمشق والمدينة المنورة مرورا بالأردن".

وفيما يتعلق بسورية، فقد تشكلت بعد الاستقلال المديرية العامة للخط الحديد الحجازي، ثم تحولت في العام 1963م إلى المؤسسة العامة للخط الحديدي الحجازي، وهي تحمل إلى الآن الاسم نفسه، وتقوم بتسيير قطارات لنقل الركاب والبضائع بين بعض المناطق السورية، وإلى دول الجوار، وتسعى المؤسسة حاليا، إلى التوسع في مشاريعها عبر استثمار عقارات المؤسسة وبناء مطاعم، وإنشاء أنفاق ضمن مدينة دمشق، كما سيتم تطوير وتحديث مبنى محطة الحجاز، فضلا عن مشاريع تجارية وسياحية وخدمية، وإعادة تأهيل الخطوط وتحديث القطارات، وذلك حفاظا على هذا المشروع التاريخي، الذي ظهر في لحظة تاريخية حاسمة، واكتسب سمعة دولية، غير أن التطور الهائل الذي طرأ في مجالات النقل والمواصلات قلل من أهميته، لكن تاريخه الطويل يمنحه سمعة، تدفع العاملين في المؤسسة إلى تنفيذ مشاريع استثمارية طموحة وضخمة.


rannah.alamer@alghad.jo

التعليق