بين "تحت شمس الضحى" و"الهويات القاتلة" و"المليونير المتشرد"

تم نشره في الأربعاء 5 أيار / مايو 2010. 09:00 صباحاً

منى حمزة أبو الراغب*


أن يحالفني الحظ هذا الأسبوع بأن اقرأ كتابين هما تحت شمس الضحى لإبراهيم نصرالله وكتاب الهويات القاتلة لأمين معلوف وأن أشاهد فيلم المليونير المتشرد، هو شيء أسعدني وجعلني أرى أن البشر يتشابهون وأن الإنسانية تحمل معنى واحدا من رام الله الى الهند، في فرنسا أو في لبنان، يحمل الإنسان هموما واحدة وآمالا واحدة وتبقى كرامة الإنسان هي الهم وهي الأمل، أما أمين معلوف في الهويات القاتلة فيرى أنها القيمة الوحيدة للبشرية وما الباقي سوى خرافات أو أضغاث أحلام.

من بين أشد مظاهر الحياة قسوة من بين أنقاض العنف والفقر والجوع والجهل من حي جوهو في مومباي تنمو قصة حب بين لاتيكا وجمال تنتصر في نهاية الفيلم لتثبت لنا أن الإنسانية لن تموت في قلوب البشر ما دام فيهم من هو قادر على أن يحب، وأنه ليس بالضرورة التشاؤم والاعتقاد أن البؤس لن ينجب لنا سوى الشرور فجمال هو شقيق سليم الذي يمثل دور الإنسان الضعيف الذي هزمته القسوة والظلم والبؤس المحيط به، لكن ولأول مرة في حياتي أجد نفسي لا أكره البطل الذي يؤدي دور الشر وأكاد لا ألومه على شروره، بل اعتقدتُ لوهلة أن المخرج والكاتب انما يريدان أن يبرهنا على أن نتيجة الفقر والقهر هي انتصار الشر من كل بدّ، ولكن رسالة الفيلم كانت على العكس تؤكد على أن الفطرة الانسانية تقوم على الحب لا على الكره والحقد. صحيح أن الجرح لا يحتاج للوصف كي يشعر به الإنسان كما يقول أمين معلوف ولكن كيف يستجيب الواحد منا لجراحه هو ما يهم في النهاية.

أن تكون محظوظا لتقرأ أمين معلوف وإبراهيم نصرالله وأن تسنح لك فرصة مشاهدة المليونير المتشرد، لهو أكبر دليل على أنه في عالمنا اليوم كما يقول أمين معلوف حين يقوم سيل عرم من الصور والأصوات والأفكار وشتى السلع بإغراق الأرض بكاملها، ويؤدي كل يوم الى تغيير أذواقنا وتطلعاتنا وسلوكياتنا وأسلوب عيشنا ورؤيتنا للعالم ولأنفسنا كذلك أن كلا منا لو عرف استغلال الوسائل المذهلة التي توجد بمتناول يده، قد يؤثر تأثيرا بارزا في معاصريه والأجيال القادمة، شرط أن يكون لديه ما يقوله لهم، وشرط أن يكون مبدعا ايضا لان الحقائق الجديدة لا تصلنا مرفقة بطريقة استعمالها، وشرط الا يقبع في منزله مغمغما: "أيها العالم الظالم! لا أريدك!"

في عالم يملؤه العنف والظلم والقسوة والبؤس يفتح علينا هؤلاء المبدعون أبواب الأمل والسعادة والحب والتفاؤل والا أصبحت الحياة أمامنا جحيما لا يطاق. يثبت لنا كل واحد منهم أن الانسان اينما كان ومهما غرق في ما يحيط به من متاعب واعباء يبحث دائما عن الامل والحب والنقاء. عندما رأيت صورة الشقاء وبؤس البيوت إن جاز لي تسميتها بيوتا في بداية فيلم المليونير المتشرد سألت نفسي: ما هي القصة الحزينة التي ستخرج من بين هذي الانقاض؟ وأي بشر يعيشون هنا وما هذي الحياة؟ ولكن رغم كل الشقاء استطاع الحب أن ينمو واستطاع النقاء والنور أن يخترق غياهب البؤس والحرمان. وأنا أتابع الفيلم شككت في المقولة التي تقول كن جميلا ترى الوجود جميلا وبأن القائل لم يرَ بومباي التي رأيناها في المليونير المتشرد، وبأنه حتما لم يسكن سجون الاحتلال الصهيوني ولم يقل له محقق وضيع من طاقة باب سجنه: ستتبخر هنا ستحولك هذه النار الى قطعة فحم فوقها غيمة.. وحده ياسين في تحت شمس الضحى كان قادرا على رؤية الجمال فيقول: كان لهذا المحقق بعض التعابير التي لا استطيع القول الا انها جميلة! وطوال فترة وجودي في السجن، كنت أقول لنفسي: كان يمكن أن يكون كاتبا، لو اختار أي مهنة غير هذه.

لم يكن نصرالله يحتاج في نهاية روايته تحت شمس الضحى أن يصور لنا مشهد أم الوليد وأبو الوليد يصرحان بحب كل منهما للآخر فهي رواية تحمل في كل صفحة من صفحاتها دليلا على انتصار الحب ووجوده. في تحت شمس الضحى وفي فيلم المليونير المتشرد، ينتصر الحب منذ البداية وحتى النهاية، وعند أمين معلوف لا بدّ وأن تنتصر كرامة الإنسان والنتيجة واحدة فلا فرق بين الحب وكرامة الانسان في كل الاحوال.

أبدع نصرالله في تحت شمس الضحى في خلق الحب والفرح من بين أنقاض الحزن والظلم فلم يدع اليأس ينتصر على الحب والأمل ابداً، ونجح في الإفلات من مصيدة اليأس والقنوط فالناس هناك في قلب العنف والاحتلال ما يزالون يعيشون رغم كل شيء وما تزال وردة ونعيم وياسين ونورا ونعمان وهناء وغيرهم، يحلمون ويعشقون. والمتتبع لأسماء ابطال روايات نصرالله يجد انها تحمل السعادة والنعيم والورد ورغم شخوص الاعداء في روايته فلم نقرأ اسم بيريز أو شيمون أو كوهين أو أي اسم آخر فهم صورة للشر ولا حاجة الى معرفة اسمائه المختلفة مهما تعددت.

في تحت شمس الضحى كنت أنسى أنني في رام الله أو في تل الزعتر، بل أشعر انني في أي مدينة في العالم حيث لا عدو ولا احتلال بل إنني أعيش مع أهلي وتسير الحياة بشكل عادي بين قصص الحب والخيانات والبحث عن الذات. ابطال الرواية يعملون يعشقون يمارسون الفضيلة ولكنهم ايضا يمارسون الرذيلة وأكره الدكتور وأعشق نمر ونعمان وياسين وام الوليد والورد والزنبق.

في الوقت الذي نتقن التعبير عن كراهيتنا وأحقادنا، عن مساوئ غيرنا ونترصد عيوبهم ونخجل من التعبير عن الحب وكأنه وصمة عار أو الدليل الدامغ على ضعفنا فتأسرنا الكراهية لأنها مشروعة ويصبح الحب دليل إدانه. لهذا لا نتقن الابتسام لان الحب يزهر ابتساما وسعادة وتنجب الكراهية والعبوس والتوتر. يصل الإنسان مرحلة حرجة عندما يصبح عاجزا عن التجاوب مع ابتسامة وتصبح الضحكة تعبيرا عن الفسوق والكآبه وتعبيرا عن الشخصية القوية الرزينة. في تحت شمس الضحى دعوة للبحث عن الحب والجمال "صحيح أن المسألة حين تتعلق بالحب أي بالجمال تهمني اكثر ولكن الامر لا يقف عند هذا الحد، فأنت تكره انسانا، وبدل ان تزيحه عن صدرك، تواصل القبول به فوقه، كما لو كنت ملزما به، لأنك لا تجرؤ على أن تقول له: تفضل واخرج من حياتي. ثم انظر النتيجة في النهاية: الذي تحبه لا تستطيع أن تدعوه اليك، والذي لا تحبه لا تستطيع أن تقول له ابتعد".

*كاتبة اردنية

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »الحظ (رشا هشام الحواش)

    الأربعاء 5 أيار / مايو 2010.
    كما بدأت الكاتية مقالها معتبرة أن الحظ قد حالفها بقراءة الروايتين و حضور الفيلم نحن كقراء كذلك نعتبر أنفسنا محظوظين بأن يقع مقال كهذا بين أيدينا يدفعنا للنظر إلى ما قرأناه بصورة مختلفة كما يدفعناإلى قراءة ما لم نقرأ. للكاتبة كل التوفيق و بانتظار مقالاتها القادمة.
  • »الحظ (رشا هشام الحواش)

    الأربعاء 5 أيار / مايو 2010.
    كما بدأت الكاتية مقالها معتبرة أن الحظ قد حالفها بقراءة الروايتين و حضور الفيلم نحن كقراء كذلك نعتبر أنفسنا محظوظين بأن يقع مقال كهذا بين أيدينا يدفعنا للنظر إلى ما قرأناه بصورة مختلفة كما يدفعناإلى قراءة ما لم نقرأ. للكاتبة كل التوفيق و بانتظار مقالاتها القادمة.
  • »مقاله رائعه (عايده الشوا)

    الأربعاء 5 أيار / مايو 2010.
    مرة أخرى تتحفنا الكاتبه بمقاله رائعه من خلال الروابط بين الروايه والفيلم و الفكر . حس أدبي عالي ولغه مطواعه .أتمنى لك التوفيق والنجاح.
  • »مقاله رائعه (عايده الشوا)

    الأربعاء 5 أيار / مايو 2010.
    مرة أخرى تتحفنا الكاتبه بمقاله رائعه من خلال الروابط بين الروايه والفيلم و الفكر . حس أدبي عالي ولغه مطواعه .أتمنى لك التوفيق والنجاح.