ليس هذا تجسسا

تم نشره في الجمعة 16 نيسان / أبريل 2010. 09:00 صباحاً

معاريف

ابراهام تيروش

مثل غير قليل من زملائي، نظرت سنين طويلة في أنباء ووثائق سرية أيضا. على حسب القانون الجاف، كان يمكن أن أجد نفسي وراء القضبان ولا سيما في إحدى الحالات بحسب المادة 113 من قانون العقوبات. لكن العقل الرشيد، لا عقلي، ونزاهة الشخص الرفيع المستوى الذي كشف أمامي عن المادة السرية، لم يبقياني حرا فقط بل مكناني من أن أنشر القصة المدهشة التي بينتها هذه المادة.

رأس هذا الشخص المسؤول قبل ذلك بسنين جهة رسمية مهمة وحقق نجاحات ملحوظة في زمن ولايته. وعندما حدث ما أرويه هنا كان قد أصبح شخصا خاصا وعمل من جملة ما عمل في كتابة مذكراته. طلب الي ذات يوم أن أقرأها وأبدي رأيي. ذهبت مكتبه. أجلسني في غرفة مغلقة وأعطاني ملفا يضم الفصول التي كتبها معززة بصور وثائق أصلية. التزمت ألا أتحدث الى أحد عما أقرأ. جلست هناك عدة ساعات، أقرأ بعناية فصولا آسرة لم يعرف بعضها ولو تلميحا حتى ذلك الحين. وعندما أنهيت طلبت الإذن بنشر تقرير يعتمد على فصل واحد كان مثيرا للعناية جدا ويبدو أيضا أنه قد مضى ما يكفي من الزمن كي يسمح بنشره. وقد تناول القضية التي تتصل بالعلاقات بمصر، وكشف عن مسؤول مصري رفيع تعاون مع اسرائيل وعن لقاء إسرائيلي – مصري رفيع المستوى كان سيعقد في القاهرة قبل حرب الأيام الستة في محاولة لإقامة خط اتصال مباشر بين الدولتين. قال محادثي إنه يرى أنه لم يعد هناك مانع من نشر هذه القصة.

صورت سكرتيرته الفصل مع الوثائق التي فيه وسلمتني إياه. أسرعت إلى البيت وأغلقت على نفسي باب الغرفة وكتبت طيلة ليلة كاملة القصة الآسرة. كانت المشكلة أنني لم أستعمل، لكثرة الحماسة للكشف عن القضية، ما يكفي من إعمال العقل ولا قدرا كافيا من مهارة الكتابة، ودلقت القصة بغير محاولات تغطية واجبة وحذف تفصيلات كان من الواضح أن نشرها محظور.

حولت المادة للرقابة كما يجب. وعادت مرفوضة من الألف إلى الياء. هاتفت المراقب الرئيس ووبخني بطريقته الهادئة لأنني فكرت أنه يمكن نشر القصة، وأضاف أنه إذا أجاز النشر فسنضطر نحن الاثنين إلى قضاء عدة سنين في سجن الرملة. وقال أيضا كلاما لاحظت فيه أن رئيس الجهة الرسمية آنذاك يتحدث من حنجرته. لم تنقض ساعة حتى هاتفني المسؤول الكبير في تلك الجهة الذي كان من معارفي و "انقض علي" بل صدرت عنه عدة تهديدات تلميحية.

لكن هذا ما يزال لا شيء. هاتفني بعد ذلك الشخص الذي سلمني المادة. لقد هاج غضبا، بسبب كتابتي الفاضحة جدا ولأنني لم أره ما كتبت قبل تحويله للرقابة. تعللت واعتذرت وتلعثمت وكاد يطرق السماعة. تبين لي بعد ذلك أن رئيس الجهة الرسمية في ذلك الوقت الذي حصل على التقرير من الرقابة أدرك المصدر على الفور، وهاتف من سرب إلي ولم يحجم عن توبيخ من كان رب عمله الكبير في الماضي. اعترف رب العمل على الفور، واعتذر وصب بعد ذلك جام غضبه علي. كانت النهاية حسنة. فبعد أن هدأت النفوس كتبت التقرير من جديد مع حذف وتغطية بعض الشخصيات والأماكن، ورضي "المسرب" والمراقب ونشر التقرير.

إن ما رويته هنا لا يشبه بطبيعة الأمر في خطورته سرقة ألفي وثيقة والاستيلاء عليها خلافا للقانون، وهذا عمل لا يتصل بحرية الصحافة ويستحق العقاب. إن تفسيرات السيدة كام استهزاء بالعقل الرشيد. لكن فعلي خلافا لفعلها لا صلة له البتة بالتجسس، ويحسن آخر الأمر أن نفصم هذه الصلة غير المنطقية الموجودة في القانون.

التعليق