العلاقات أقوى من الأشخاص

تم نشره في الجمعة 26 آذار / مارس 2010. 09:00 صباحاً

إسرائيل هيوم

ابراهم بن تسفي

25/3/2010

البيان الرسمي المشترك، الذي نشر في أعقاب لقاء الرئيس أوباما ورئيس الوزراء نتنياهو أول من أمس (الثلاثاء)، وصف الأجواء التي سادت في لقاء القمة بينهما بأنها “طيبة”. ومع ذلك، من الصعب الافتراض بأن يكون نجح في أن يخفي، دفعة واحدة، كل مصادر وتعابير النهج الشكاك والمتحفظ الذي يميز سلوك البيت الأبيض تجاه إسرائيل. وذلك، على نحو خاص في ضوء الأنباء الأخيرة عن إقرار البناء في فندق شبرد في حي الشيخ جراح، وهي أنباء رافقت بضجيج لاذع اللقاء بين القائدين.

ولكن حتى قبل أن يبدأ فصل الشيخ جراح كتب الكثير عن أهمية الكيمياء الشخصية بين القائدين كعنصر أساس في هامش العلاقات. وبالفعل، ظاهرا يوجد حق في ذلك لأن مدماكا مركزيا في الثقافة السياسية الأميركية يكمن في الميل للإشراف على المحيط الدولي انطلاقا من وجهة نظر شخصية صرفة.

التاريخ الأميركي مليء بالحالات التي شعر فيها زعماؤها بالإهانة في ضوء ما وصفوه كسلوك غير مصداق لمحادثيهم، أصدقاء وخصوم على حد سواء. وحتى رؤساء مشبعين بالذكاء في الساحة الداخلية، مثل فرانكلين ديلنو روزفلت، اعتقدوا اعتقادا صوفيا حقا بأهمية العلاقة الشخصية المباشرة، الحارة والبانية للثقة بينهم وبين حكام الكرملين. بل إنهم رأوا فيها مفتاحا لإقامة نظام عالمي مستقر.

وعليه فقد وبخ الرئيس ترومان بشدة وزير الخارجية السوفياتي مولوتوف بعد أن اكتشف أن الاتحاد السوفياتي خرق اتفاقات يالطا. ووجد ترومان صعوبة في أن يفهم بأن “العم جو” (هكذا وصف هو رب عمل مولوتوف، جوزيف ستالين) خرق اتفاقات مكتوبة وصريحة وقعت منذ وقت غير بعيد. خيبة الأمل الشخصية هذه طبعت، ظاهرا، في أساس قراره تشديد السياسة الأميركية في المجال ما بين الكتلتين. وذات الأمر يقال أيضا بالنسبة للرئيس جو كندي الذي تأثر شديدا من أن وزير الخارجية السوفياتي، أندريه غروميكو، الذي التقاه منذ شهر فقط من انكشاف قاعدة الصواريخ السوفياتية في كوبا، نفى على مسمعه النية لنصب سلاح هجومي على أراضيها.

ولكن رغم أهمية البعد الشخصي، ورغم الميل الأميركي لرؤية المستوى بين الدولتين كانعكاس مترابط بالمستوى الشخصي، ففي نهاية اليوم تتقرر سياسة الخارجية والأمن – بما في ذلك للدولة العظمى – على أساس اعتبارات باردة وواعية للمصلحة الوطنية، وليس على أساس ضغائن ورواسب: سواء كانت مبررة أم مدحوضة.

في المجال الأميركي – الإسرائيلي يمكن العثور على طيف واسع من الحالات التي اتسعت فيها، وتفرعت وتطورت الشراكة الاستراتيجية رغم منظومة علاقات مركبة، بل وأحيانا محملة بالضغينة والشك، بين الزعيمين. هكذا مثلا، منح هنري كيسينجر تعبيرا في مذكراته عن انفجار الغضب الدوري للرئيس نيكسون على إسرائيل، انفجارات أمر في أثنائها بالتجميد الفوري لكل رزمة المساعدات الأمنية والاقتصادية. ولكن في نهاية اليوم والغضب، ورغم جملة التصريحات اللاسامية للرئيس، حسمت دوما المصلحة الوطنية الأميركية ورؤية إسرائيل كذخر استراتيجي هام.

الرئيس رونالد ريغان طور، في أثناء حرب لبنان، ضغينة لرئيس الوزراء مناحيم بيغن (على خلفية التصعيد في القتال وأزمة الثقة التي نشبت في أعقابه)، وعلى المدى القصير بادر إلى عقوبات عسكرية محدودة ضد إسرائيل. ولكنه لم يتردد في أن يوسع بشكل دراماتيكي نسيج العلاقات الاستراتيجية مع إسرائيل بعد أن ترسبت الأزمة اللبنانية في هامش الساحة. وخلال فترة ولاية ريغان اجتاز التحالف بين إسرائيل والولايات المتحدة عملية تأسيس وتوسيع وتعميق غير مسبوقة. وذلك، رغم أنه بين الرئيس وبين اسحاق شامير (وليس فقط بينه وبين سلفه مناحيم بيغن) لم تنسج محبة شخصية عميقة على نحو خاص.

بمرور أكثر من سنة من بدء ولايته ينشأ الانطباع بأن نهج الرئيس الـ 44 تجاه إسرائيل ورئيس وزرائها لن يكون مفعما بالعطف والشفقة الزائدة، حتى بعد اللقاء الأخير الذي انعقد أول من أمس (الثلاثاء).

ولكن هذه الحقيقة بحد ذاتها لا يفترض أن تكون مصدر قلق زائد. فبعد كل شيء، فإن زعيم القوة العظمى هو أيضا ليس حرا في أن يعمل على أساس العطف الشخصي في تصميم سياسة الخارجية والأمن. طالما بقيت قواعد اللعب الأساس، وطالما جرت منظومة العلاقات في إطار “المجال المحصن” للتفاهمات وأنماط السلوك المقبولة والمتجذرة جيدا (التي تتضمن أيضا اتفاقات حول عدم الاتفاق) فان انعدام المحبة الشخصية لا يفترض به أن يعرقل الحفاظ على العلاقات بل وتطويرها. ففي نهاية المطاف هذا زواج سياسي وليس رومانسيا.

التعليق