كتاب: المركز يتغول على الأطراف ويستحوذ على مكتسبات التنمية الثقافية

تم نشره في الأربعاء 24 شباط / فبراير 2010. 09:00 صباحاً

 

زياد العناني

عمان - رغم تأكيدات بعض علماء الاجتماع على أن المركز والأطراف كينونة متكافلة في جسد بيولوجي أو اجتماعي واحد إلا أن هذا التوصيف الفضفاض لا يمنع بعض الأصوات المنتمية الى الأطراف من الجأر بالشكوى، خصوصا من استقرارالفعل الثقافي في المركز وتهميشه في الأطراف إن وجد.

 ويرى كتاب أن الوقت قد حان لإعادة توزيع الفعل التنموي بين المركز من جهة وبقية الأطراف من جهة أخرى.

 ويدعو هؤلاء الكتاب الى عدم التركيز على العاصمة باعتبارها منطقة القلب، لافتين الى أن هذا التركيز يمكن أن يفصل الأطراف عن جسد الدولة ويؤدي الى نتائج كارثية على صعيد الحقوق والواجبات وتكريس التباعد الجغرافي، إضافة الى أنه يمكن أن يؤشر إلى الضعف والوهن الثقافي الذي تعيشه الدولة سواء على صعيد المركز أو الأطراف.

 ويقول رئيس الملتقى الثقافي في الكرك د. حسين محادين إن العواصم قد أدت أدوارها في الحد من العلاقة المفوضية بين حدودها الديمغرافية ومحيط الوطن الأوسع.

 ويبين أن الشواهد التاريخية تشير الى بغداد دائما وتنسى أحيانا منطقة هي "هيت" والتي كانت تصنع الفكر، ومع ذلك بقيت بغداد حاضرة في الوقت الذي لم تسلط الأضواء على معاني ودلالات مدينة "هيت" تماما مثلما هو الحال في الأردن إذ إن عمان هي التي تتسيد الحضور الإعلامي والسياسي في الوقت الذي تغيب عن المشهد أحيانا مدن وأطراف مثل أذرح التي قسمت فيها الديانة الإسلامية الى رؤوس ومذاهب.

 ويرى محادين أن استمرار تأثير هذا الانقسام قد أصبح عابرا للجغرافيا والمعتقد والأصل بحيث لا تظهر هذه المنطقة بصورة تليق بحضارتها وحضورها المستدام وذلك لأن العاصمة تركز على المظهر ولا تعير الجوهر جل الاهتمام حتى إن توزيع مكتسبات التنمية بشقها الثقافي ما يزال محصورا بالعاصمة تقريبا.

 ويضيف أن أخطر ما يمثله استمرار هذا الاستحواذ والاهتمام بالعاصمة هو نمو بؤر فكرية أحادية في المحافظات نتيجة للإهمال ولارتفاع أعداد جيوب الفقر، لافتا الى أن تأثير بعض التيارات الثقافية الأحادية من شأنه أن يضعف من قيم الإيمان بالحياة الإنسانية لصالح قيم ماورائية أو غيبية ترى أن الحياة في ظل زيادة الحرمان وعدم الاهتمام بمفرداتها داخل هذه المناطق يؤكد زعم أولئك بضرورة الالتحاق بكل ما هو خارج عن حسوسات الحياة.

 أما الشاعر نادر هدى فيرى أن المركز بكل مكوناته هو ظاهرة عالمية حتى في ظل ثورة المواصلات والتقنيات فهي إن وجدت تتخذ من المدينة بؤرتها والتي تحوي ما تحوي حيث لا يكون ذلك متوفرا في الأطراف.

 ويؤكد هدى أن العلاقة التناسبية ما بين المركز والأطراف قائمة بصورة أو بأخرى، لافتا الى أننا لو نظرنا في التفصيل في الأردن مثلا سنرى أن سطوة المركز وافرة ومتجلية ويعزز ذلك الإعلام الذي يدعم الأنشطة والفعاليات في المركز العماني ويتغيب في الأطراف عن مثل هذه الأنشطة.

 ويرى هدى أننا أمام مشكلة قائمة ومتأصلة ومن الصعب حلها ما لم يكن هناك قرار معني يوزع تفاعلات الثقافية بموضوعية بحيث يجد كل مبدع مكانا له سواء في منطقة المركز أو الأطراف مبينا أن هذه الموضوعية يصعب تحقيقها إلا من خلال دافع وطني وقرار سياسي يأخذ بالحسبان أن الثقافة للجميع وأن رعاية المبدع حق مقدس يجب أن  تأخذ بعدها الحقيقي من خلال تطويع الآليات والوسائل اللازمة في توزيع التنمية الثقافية في الوطن بمجمله.

 من جهته يؤكد مدير الدراسات والنشر في وزارة الثقافة هزاع البراري أنه لا يمكن تجزئة الثقافة الى ثقافة مركز وثقافة أطراف.

 ويقول إن تمايز الفعل الثقافي والأنشطة الفنية يمكن أن يرفد بين الجهتين، مبينا أن المركز ولأسباب موضوعية تتعلق بالبنية التحتية والكثافة البشرية ووفرة المؤسسات المعنية يستحوذ على غالبية الأنشطة والفعاليات الثقافية، في حين تتضاءل حصص الأطراف التي تعاني من ضعف البنية التحتية أو عدم وجودها وأحياناً من عدم مناسبة شكل الفعاليات وتصميمها لكي تصبح مناسبة للعرض في الأطراف.

 ويرى البراري أن الحل يكمن في ضرورة تصميم أنظمة ثقافية تتلاءم مع البيئة المحدودة في الأطراف وانتقاء الفعاليات التي  يتفاعل معها الجمهور في هذه المناطق مع مراعاة فارق البنى الاجتماعية والثقافية بين المركز والأطراف.

ويؤكد على ضرورة دفع المبدعين في مختلف المجالات للانفتاح على الأطراف والمبادرة بتقديم أنشطتهم في هذه الأماكن من دون الاقتصار في المركز بهدف التعرف على نوعية جديدة من المثقفين إضافة الى ضرورة التوسع في تأسيس الهيئات الثقافية ودعمها من الأطراف لتمكينها من تنشيط الحراك الثقافي في هذه المناطق.

الناقدة د. رفقة دودين ترى أن ثنائية المركز والأطراف هي إحدى الثنائيات التي تحكم العلاقة بين العواصم أو المراكز الرئيسة بأطرافها أي بهوامشها في ثنائية ضدية، على صعيد الثقافة والإبداع يمكن تسميتها بالمتن والهامش.

 وتضيف أن الهوامش عادة ما تسعى الى التشويش على المركزية وتبديد قوتها في محاولة يقتضيها بناء الجدل في مثل هذه الثنائيات للتوفر على مكان ما في المتن.

 وتستشهد دودين بمقولة  فوكو "إن المجتمع لا يصنع مثل هذه الثنائيات صدفة أو اعتباطا وإنما هي ثنائيات ينتظم الوجود الاجتماعي للناس في كثير من الأحيان ضمن حديها".

 وتؤكد دودين أن الدراسات المحدثة قد أولت أهمية بالغة لمناطق المابين كمكامن للوعي غير المتأبد وغير المراوغ.

 وتضيف أن المركز يبني مركزيته بالاتكاء أو الاستناد الى قوى الإنتاج الفاعلة التي تبني تمركزها بتراكم من العمل يبسط هيمنته في حين تظل الأطراف تحاول اختراق هذه الهيمنة من موقع الهامش باتجاه المتن الراسخ والسائد والمحاكى، الى أن تشكل بدورها شروط إنتاج الثقافة المجتمعية مركزية جديدة بأطراف جديدة، وهكذا.

 وتقول دودين إن فكرة المدن الثقافية الأردنية وتطوراتها بالأطراف تعد من الوسائل التي تحاول جسر الهوة هذه بين المركز والأطراف، كما أن التعددية والتنافسية هي إحدى أهم مسميات المركزية، وقد تكون محاولة الذهاب من المركزي إلى الأطراف قادرة على ملء فراغ في منطقة المابين هذه الثنائية وإحداث التوازن المطلوب.

التعليق