"رسائل البحر" لداود عبد السيد: تمرد هادئ على الواقع

تم نشره في الأحد 7 شباط / فبراير 2010. 10:00 صباحاً

 

القاهرة- حاز فيلم "رسائل البحر"، تأليف وإخراج داود عبد السيد، على اعجاب النقاد الذين رأوا فيه دعوة للسلام والتسامح مع الآخر، رغم الاختلاف الديني أو العقائدي وعرضا لحالة الضياع الانساني الذي تعيشه الطبقة المتوسطة في مصر.

ويختلف الفيلم، المليء بالشجن والشخصيات التي لم تحقق ذاتها، عن سياق الأفلام المصرية التي عرضت خلال الموسمين السابقين، وأيضا خلال الأعوام السابقة لتقديمه رؤية متعددة الأبعاد، وأكثر من قراءة لمستوى الحدث الواحد. ويقيم المؤلف علاقات متعددة المستويات بين شخصيات الفيلم التي يربط فيما بينها البطل يحيى (النجم الجديد آسر ياسين).

واعتبر الناقد طارق الشناوي أن "رسائل البحر هو الأبرز في مسار داود عبد السيد السينمائي لتميزه بالرقة والنعومة والسلاسة في تقديم الرؤية والصورة بشكل جمالي أخاذ". ويتفق الشناوي مع باقي النقاد على أن "المخرج استطاع ان يدير حركة ممثليه وابداعهم بشكل هائل".

وتدعو الرؤية التي يقدمها داود عبد السيد في مستواها الأول، كما يُشير الناقد أشرف بيومي إلى "بشكل غير مباشر إلى تقبل الآخرين كما هم كما في حب يحيى لفريدة (بسمة) التي تعرف عليها كمومس ثم تزوجها".

ويؤكد المؤلف على ذلك في "الحوار بين السيدة الايطالية (مخرجة الافلام التسجيلية نبيهة لطفي) وجارها يحيى حول شخصية المومس وضرورة تقبلها والتعامل معها كما هي من دون ان يحاكمها او يحاول تغييبها، وهذا ينطبق على الحوار بين صديقته ابنة الجيران الفتاة الايطالية (سامية سعد) وصديقتها (دعاء حجازي) التي تربطها بها علاقة جنسية".

ويقول الشناوي إن الفيلم يحمل "بعدا عالميا"، مشيرا إلى أن "اختيار اسم قابيل للبطل الثاني في الفيلم (محمد لطفي) ليس اعتباطيا لأنه يقدم رؤية مغايرة مع اتخاذه قرارا بعدم القتل اثر جريمة اولى".

ويرى الناقد في ذلك "دعوة للسلام والتسامح مع الآخرين المختلفين معك على مختلف المستويات فكريا ودينيا وعقائديا، التسامح والسلام مع الاخر المختلف عنك حضاريا مهما كان لنا من تحفظات على الآخر".

ويخصص المؤلف المساحة الاوسع لعرض "مستوى الضياع الروحي والانساني والعملي للطبقة المتوسطة في المجتمع المصري وبحثها عن ذاتها من دون جدوى في ظل نظام قاس ينفي دور الطبقة المتوسطة في الواقع الاجتماعي والسياسي في الفترة التي تلت الحكم الملكي لمصر" كما تشير الناقدة علا الشافعي.

وترى الشافعي ان "اختيار المؤلف للاسكندرية ليس عبثيا فهي التي كانت منفتحة على الحضارات الاخرى في فترة الحكم الملكي والتي ملكت روحا مختلفة في العلاقة مع الاخر وفي تكوين شخصية عالمية قادرة على الانفتاح ما كان يعطي ابناء الطبقة المتوسطة في هذه المدينة رؤية مغايرة".

وتضيف إن "الفيلم يعبر عن ذلك من خلال علاقة يحيى بالسيدة الايطالية العجوز وابنتها وتجاورهم في عمارة لها جماليتها وخصوصيتها والانفتاح الانساني بين العائلتين خلال الطفولة واستمرار علاقة الحب حين عودته بعد غياب سنوات".

وترى ان الفيلم "يظهر الشرخ بين ابناء الطبقة المتوسطة انفسهم بعد تراجع دور المدينة وتراجع التسامح والانفتاح بين الانا والاخر من خلال علاقة يحيى مع نسمة صاحبة الحلم الروحي الذي تعبر عنه بالعزف على البيانو".

فالاحداث المتلاحقة "تبرز روحا مقموعة انسانيا مضطرة للزواج سرا من تاجر (احمد كمال) يأتيها مرة في الاسبوع لتحافظ على مستواها الطبقي ولكنها تكتشف تدريجيا انها تقبض ثمن نومها مع زوجها من دون ان تملك أي مشاعر اتجاهه".

و"مساحات الايحاء الفني في الفيلم"، كما يقول الشناوي، "أقوى وأعرض وأعمق بكثير من التصريح بالمشهد الدرامي ومن الصورة وهو يترك مساحات ليضيف المتلقي ما يشاء مثل المشهد الاخير حيث تطفو الاسماك بعد قتلها بالديناميت على يد صاحب المحلات التجارية والعقارات (صلاح عبد الله) الذي يمثل سيطرة وقوة النظام ورأس المال".

ويضيف إن في هذا المشهد "تحذيرا لبطلي الفيلم من انهما سيلاقيان المصير نفسه لوجودهما في القارب - الذي يحمل اسم القدس بما لذلك من دلالات سياسية - والسمك الميت يحيط بهما، اذا لم يعودا الى مائهما ليواجها هذا الرأسمالي الذي يدمر الجمال في الحياة ولا يستمتع فيها سوى بجمع المال".

وحمل الناقد أشرف بيومي على "الرؤية الاخلاقية التي قدمها بعض الزملاء الصحافيين الذين أخذوا القراءة السطحية للفيلم، ورأوا فيه دعوة للعلاقات الجنسية الشاذة وخارج الزواج، لكنهم لم يروا اسقاطات العجز وعدم التحقق في المشهد الجنسي العام". ونبه بيومي من القراءة الخاطئة للفيلم الذي يرى انه "من أكثر الافلام عمقا خلال السنوات الاخيرة في السينما المصرية".

التعليق