فيلم "إنفيكتوس" يجسد شخصية مانديلا ويحتفي بشمس الحرية الملهمة

تم نشره في الأربعاء 27 كانون الثاني / يناير 2010. 10:00 صباحاً
  • فيلم "إنفيكتوس" يجسد شخصية مانديلا ويحتفي بشمس الحرية الملهمة

 

موسى برهومة

عمان- لئن كان فيلم إنفيكتوس (Invictus)، ومعناه في اللاتينية "المقاتل الذي لا يقهر" يدور حول لعبة الركبي، ويشتبك بشكل حميم مع سيرة الزعيم الجنوب إفريقي نيلسون مانديلا، فإنه في معناه الأشد عمقا يؤكد أن القائد الحقيقي يمكن أن يكون مصدر إلهام لشعبه، إن هو استطاع أن يعرف كيف يوحّد قواه ويستنهض هممه.

وكان مانديلا، الذي أمضى زهاء 27 عاما في سجون نظام الفصل العنصري الذي كان يحكم بلاده، مؤمنا بقدرة الرياضة على توحيد الناس. وازداد هذا الإيمان إلحاحا بعد انتخابه زعيما لجنوب إفريقيا في 10 أيار (مايو) 1994 بعد فوز حزبه "المؤتمر الوطني الإفريقي" بأغلبية ساحقة في أول انتخابات متعددة الأعراق.

مانديلا، الذي يؤدي دوره باقتدار منقطع النظير الممثل الأميركي مورغان فريمان، يحاول بحنكته وحسن تدبيره أن يلغي الفروقات العرقية بين أبناء شعبه، لإدراكه بأنه أضحى زعيما لكل مواطني جنوب إفريقيا بسودها وبيضها، وبالتالي يحاول طمأنة البيض بأنه لن يصيبهم بأذى ما داموا اختاروا العيش في جنوب إفريقيا، والإسهام في نسيان الماضي الكئيب وآثاره الكارثية المدمرة، والعمل من أجل بناء المستقبل.

ويجسد فريمان دور مانديلا على نحو مثير للإعجاب، ونجده كيف يتقمص لكنته وطريقة كلامه ولغته الإنجليزية غير الطليقة، ومشيته المتثاقلة التي هدها السجن بسنواته الطويلة المعذبة.

فريمان اعتبر، في تصريحات صحافية، أن تأديته فيلما عن مانديلا، يمثل واحدة من أمنياته العزيزة، فلطالما حلم أن يقف أمام الكاميرا ليترجم شغفه بالزعيم الجنوب إفريقي الذي تزامن تصوير فيلمه العام الماضي مع احتفالات العالم ببلوغ مانديلا الـ "90" عاما في 18 تموز (يوليو) الماضي، وإطلاق يوم ميلاد مانديلا كيوم عالمي من أجل الإنسانية تحت اسم (يوم مانديلا: Mandela day).

ويروي مورغان فريمان القصة التي سبقت تحقيقه لشغفه بإنجاز فيلم يكافئ به نضالات الزعيم التاريخي نيلسون مانديلا، ففي حزيران (يونيو) 2006 التقى فريمان، مصادفة، بجون كارلين مؤلف سيرة روائية عن حياة مانديلا بعنوان "ملاعبة العدو". يقول كارلين: تُرجم ذاك اللقاء، بعد خمسة شهور حيث عقدنا اتفاقاً وحضر بعدها كاتب السيناريو لنجلس أسبوعاً من أجل تحويل الرواية إلى سيناريو. أعجب مورغان بالسيناريو كثيراً ليأخذ نسخة منه إلى صديقه المخرج كلينت ايستوود وشركة وارنر برذرز التي تحمست للفكرة، وراحت تنجزها بسرعة، حيث انضم سكوت ايستوود "ابن مخرج الفيلم" إلى فريمان، ومات ديمون الذي يؤدي دورا مؤثرا وخلاقا من خلال تأديته شخصية كابتن فريق الركبي الوطني الذي يقود فريق بلده إلى الظفر.

مانديلا يجتمع مع الكابتن ديمون، في لقاء مشحون بالمشاعر الوجدانية، ويؤكد له دعمه غير المحدود لمنتخب الركبي، ثم فيما بعد يتابع بنفسه تدريبات المنتخب، ويتحدث عن الإلهام الذي يغيّر الناس ويمحو إسقاطاتهم الذهنية المترسخة، خصوصا في حالة جنوب إفريقيا التي عانت من التمزق والتحيزات العنصرية ردحا طويلا وقاسيا من الزمن.

مانديلا، يحضّر الشاي لكابتن منتخب الركبي، ما يشعره بالألفة والأخوية والحميمية، ويروح يتحدث له عن فترة الاعتقال التي أمضاها في زنزانة ضيقة، لكنها رحبة باتساع الكون، ثم يهديه قصيدة كان يتغنى بها مانديلا طوال الوقت فتمده بالعزيمة والصبر والقدرة على الاحتمال لمعانقة فجر الحرية والانتصار الذي تحقق بعد 27 عاما من الاعتقال، انتقل بعدها السجين السياسي المضطهد ليصبح زعيما لبلاده وينهي أزمنة العسف والظلم والتمييز العرقي، ويعيد لمواطني بلاده الحرية والعدالة والإحساس بأن الماضي قد جرى دفنه، وأن المستقبل هو ما يتعين التحديق فيه والاستثمار في طاقة الأمل الآتية من آفاقه.

ويبدع المخرج ايستوود في فيلم "إنفيكتوس" في التقاط اللحظات الوجدانية من خلال كاميرا ذكية تلعب على المشاعر الإنسانية، وتركز على أدق التفاصيل لتقدم تحفة فنية راقية، مضمخة بطاقة بصرية أخاذة، وبرسالة حول كيفية القيادة، وإدارة الموارد البشرية بشكل مبدع، وتذويب الخلافات بين البشر، والانتصار لقيم الحق والعدالة.

ولعل من أكثر اللحظات تأثيرا في الفيلم، عندما يجري تنظيم زيارة لمنتخب الركبي للسجن الذي كان معتقلا فيه الزعيم الإفريقي، حيث يقف "ديمون" أمام زنزانة نيلسون مانديلا، ثم يدخلها، حيث ظلت كما هي بعدما حولتها السلطات إلى متحف، وأبقت على محتوياتها كما هي حتى آخر يوم أمضاه مانديلا فيها. في تلك اللحظة يتذكر ديمون القصيدة التي أهداه إياها "الرئيس" فيأخذ بقراءتها في مشهدية بصرية يدمج فيها المخرج الماضي باللحظة الراهنة، وهو ما يشحن المُشاهد بطاقة نفسية جبارة تؤكد أن قوة الحق أشد تأثيرا ونفوذا من أي سلطة مهما اشتد عسفها، واستطالت جدرانها، وضاقت زنازينها، لأن شمس الحرية ستشرق ولو بعد حين.

m.barhouma@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »اسم كلينت ستيوود كفيل بنجاح أي فيلم (خود)

    الأربعاء 27 كانون الثاني / يناير 2010.
    الفيلم أكثر من رائع، ووجداني بالدرجة الأولى.كلينت ايستيوود-رغم انحيازه للحزب الجمهوري-لكنه لا يكف عن ابهارنا بقدراته الاخراجية والتمثيلية والموسيقية أيضا.أتمنى أن يُنصف بأوسكار هو وفريمان.وأن لا يُحرم منها كما سبق وحدث مع فيلمه الرائع عن عنصرية الشعب الاميركي (جران تورينو)
  • »اسم كلينت ستيوود كفيل بنجاح أي فيلم (خود)

    الأربعاء 27 كانون الثاني / يناير 2010.
    الفيلم أكثر من رائع، ووجداني بالدرجة الأولى.كلينت ايستيوود-رغم انحيازه للحزب الجمهوري-لكنه لا يكف عن ابهارنا بقدراته الاخراجية والتمثيلية والموسيقية أيضا.أتمنى أن يُنصف بأوسكار هو وفريمان.وأن لا يُحرم منها كما سبق وحدث مع فيلمه الرائع عن عنصرية الشعب الاميركي (جران تورينو)