طقوس القراءة تعود إلى القاهرة

تم نشره في الأحد 6 كانون الأول / ديسمبر 2009. 09:00 صباحاً

 

سوزان سكاندا

بدأت الحركة كلها مع صدور رواية "عمارة يعقوبيان". وقد شكّل الكتاب الذي ألفّه علاء الأسواني ونشر في العام 2002 بداية عهد الازدهار الجديد للمطالعة في مصر، وأصبح الكتاب أكثر الكتب رواجاً في العالم العربي لمدة سنتين.

 بعد هذا النجاح، تمكّن الكاتب من نشر عمل كان قد كتبه في العام 1990، والذي كانت الهيئة المصرية العامة للكتاب، وهي مؤسسة تمولها الحكومة تعمل على طبع ونشر وتسويق الكتب المصرية محلياً وعربياً ودولياً، قد رفضت نشره.

 ويقول الكاتب في حديث له من القاهرة أنه أصبح من الأسهل إلى درجة كبيرة اليوم نشر أي كتاب مقارنة بما كان الوضع عليه قبل عشر سنوات. ويضيف: "كانت في مصر في التسعينيات أزمة قراءة، ولم يكن أحد يقرأ الكتب الروائية تقريباً. كانت دور النشر الخاصة تتحفظ على نشر الأعمال الروائية، ولذا حاولت نشر أعمالي عن طريق هيئة الكتاب التابعة للدولة وفشلت في ذلك".

 يشير الأسواني الذي ما يزال يعمل طبيب أسنان رغم نجاحه الأدبي، والذي يجري مقابلات في عيادته كل يوم جمعة، يشير إلى متجر الكتب الذي افتُتِح منذ فترة وجيزة على الناحية الأخرى من الشارع، ويقول: "يعمل هذا المتجر بصورة جيدة. أما في تسعينيات القرن الماضي، فكان أي شخص يرغب في فتح متجر مماثل كمن يرمي نقوده في نهر النيل. لقد أصبح من المربِح الآن الدخول في هذه التجارة، وهذا يعني أن الناس بدأوا يقرأون مرة أخرى".

 انتشرت العديد من محلات بيع الكتب في القاهرة في السنوات الأخيرة، وهي حقيقة تشير إلى صعود سوق كتب مزدهرة في مصر. وتَظهَر كلمات "خان الكتب" بصورة أنيقة بارزة وبأحرف ملونة على باب متجر الكتب في ضاحية المعادي، وهي ضاحية خارج وسط المدينة يسكنها أفراد من الطبقة الوسطى العليا المثقفة. وتوجد يافطة إلى جانب المدخل تتضمن قائمتين من الكتب الأكثر مبيعاً، واحدة للكتب العربية والأخرى للكتب الإنجليزية.

 تتصدّر القائمة العربية رواية فازت بجائزة بوكر العربية من تأليف المصري يوسف زيدان عنوانها "عزازيل"، وعلى رأس قائمة الكتب الإنجليزية الأكثر مبيعاً، يوجد كتاب للكاتبة المصرية الشابة سمر علي عنوانه "تنورة" ويضم مجلداً لقصائدها، تليه كتب باولو كويلهو وخالد حسيني وكتاب باراك أوباما "تغيير نستطيع أن نؤمن به".

 تبلغ سمر علي من العمر 27 سنة، وتعمل، مثلها مثل الأسواني طبيبة أسنان، وتكتب الشعر بالإنجليزية والقصة القصيرة بالعربية. وقامت بنشر مجلدها الشعري دار "ملامح" للنشر التي تأسست حديثاً، والتي تركز على أدب الشباب الإبداعي والرسوم الفكاهية من مصر، وتنشر أعمالاً باللغتين العربية والإنجليزية. وتقول سمر: "نشأتُ في مدريد ودرست مساقاتي الجامعية بالإنجليزية، ولهذا أنا ثنائية اللغة"، هكذا تشرح الكاتبة في مقهى "بورصة" في وسط مدينة القاهرة. وتحب سمر علي الحضور إلى هذا المقهى مع غيرها من الكتّاب الشباب والأستاذة الجامعية سحر الموجي للاستراحة بعد حضور مساق في الكتابة الإبداعية.

 وتؤكد الموجي الانطباع السائد بأن الوضع الأدبي قد نشط في مصر خلال السنوات القليلة الماضية. ويعود سبب ذلك إلى الحرية النسبية التي أعطتها الدولة للكتّاب حسب قولها. إلا أن الكاتبة لا تساورها أية أوهام، وتقول: "إن الدولة تستخدمنا كورقة تين لتظهر مدى ليبراليتها. ولكن في اللحظة التي نبدأ بها بانتقاد الحكومة، تنتهي تلك الحريات".

 وتمثل الموجي أنموذجاً يحتذى به للعديد من الطالبات والكتّاب الشباب. وهي تكتب أعمدة حول قضايا اجتماعية وسياسية للصحيفة المستقلة "المصري اليوم"، وتكتب في روايتها الأخيرة "نون" لصالح استقلال المرأة، ليس الروحي فحسب، وإنما الجنسي كذلك.

 كانت القراءة تعتبر لفترة طويلة في مصر هواية لتمضية الوقت بالنسبة للمثقفين والأساتذة الجامعيين والنقاد الأدبيين. وقلة من الناس هم الذين كانوا يقرأون نتيجة لحب الاستطلاع أو لمجرد المتعتة فقط. أما الآن، فقد أخذ الأدب يصل إلى قطاعات من المجتمع تتعدى النخبة التقليدية.

  كان للإنترنت ومجال المدوّنات بالنسبة للناشر مكاوي سعيد تأثير حاسم على جاذبية الأدب المفاجئة. وقد تسببت روايته "تغريد البجعة" التي تمت ترجمتها مؤخراً إلى الإنجليزية ببعض المواجهات في عالم الأدب عندما ظهرت للمرة الأولى العام 2007. ويقول معلقاً: "لقد تكلم العديد من أصحاب المدوّنات وقتها عن الرواية وأوصوا بقراءتها. وأدى هذا الترويج الشديد على الإنترنت أخيراً إلى وضع الكتاب على قائمة قصيرة للكتب المرشحة لجائزة بوكر العربية. وعندئذ فقط شرع نقاد الكتب بالكتابة عنها في الصحف. وقد باعت روايته حتى الآن حوالي 50000 نسخة، ويعتبر هذا رقماً مرتفعاً إذا ما أخذنا بالاعتبار أن عدد النسخ المطبوعة من الكتب العربية لا يتجاوز عادة 3000 - 5000 نسخة.

 إلا أن ثقافة القراءة الجديدة لم تأت فقط نتيجة لوضع المدوّنات النشط في العالم العربي، وإنما تعود الشعبية المتزايدة لمحلات بيع الكتب لكونها تخدم جميع أنواع القراء. فقد تحوَّل "خان الكتب" الذي افتُتِح قبل ثلاث سنوات في المعادي وبشكل فوري إلى دار للنشر ومركز ثقافي. ويقول كرم يوسف إن موقعه خارج مركز المدينة لا يشكّل مشكلة. ويقول: "سيذهب محبّو الكتاب إلى أي مكان بحثاً عن الكتب التي يريدونها".

 لكن متجر الكتب "ديوان" ليس على استعداد لخوض أي مخاطرة، فقد قام بالإضافة إلى فرعه الرئيسي الذي يؤمّه الكثير من الزبائن بفتح فروع في أربع مناطق أخرى في القاهرة. وهو يستطيع بذلك أن يضمن تلبية احتياجات القراء في العاصمة المصرية.

*سوزان سكاندا: صحافية مستقلة

خاص بـ"الغد"، بالتعاون مع خدمة "كومون غرواند" الإخبارية

التعليق