انتهى فصل الإثارة

تم نشره في الجمعة 20 تشرين الثاني / نوفمبر 2009. 09:00 صباحاً

 علي رياح

انتهى الفصل الأشد إثارة في سجل اللقاءات العربية ـ العربية على مرّ العصور، لكن تداعيات وإسقاطات البطاقة التي تكفل الذهاب إلى المونديال ستعمر طويلا ، وستعيش في ذاكرة الزمن العربي إلى ما شاء الله، وسيأتي يوم تفتح فيه أجيال لاحقة ملف "ثلاثية" المواجهة الجزائرية ـ المصرية، من دون أن يتفادى الطرفان فتح جراح أخرى على هذا الطريق الذي ابتدأ بكرة القدم وانتهى إلى مطولات ومعلقات من الكلام في "الفاضي والمليان".

دفعنا ثمنا باهظا قبل أن تتقرر هوية الفريق الذاهب إلى جنوب أفريقيا... لكن "فرقا" أخرى كانت "تلعب" بعيدا عن الملعب... تحت الطاولات... وخلف الكواليس... وعلى موائد السياسيين والقادة... وكان الكل يستمرئ الدخول في لعبة الكسب الكروي التي أنتجت هذا الخسران الدامي في علاقة لم تأمن التصدع في الجزائر ثم في القاهرة وأخيرا في "المريخ"!

كل هذا الثمن ارتضينا دفعه ، ولكنْ في مقابل ثمن "فني" أدائي لا يرقى إلى حجم المنافسة، ولا إلى سعة الاهتمام، ولا إلى ضراوة الضرب تحت الحزام وفوقه... لم يقدم الفريقان إلا لقاء "ناشفا" هبّ فيه اللاعبون إلى الاصطراع أمام الحكم وبعيدا عن عينيه... كان اللاعبون يستعرضون عصبيتهم النادرة التي انفلتت منها خيوط المباراة، وتاهت خبرة النجوم الكبار في كلا الطرفين بين سقوط مصطنع، وتشويح للحكم .

كانت هستيريا الفوز لدى الملايين حاضرة ولكن في غير الصورة التي انتظرناها... والنتيجة أن مصر فقدت التذكرة لأنها افتقدت إرادة الرابع عشر من تشرين الثاني (نوفمبر)، ولعبت على هامش موقعها كبطل إفريقي لا يشق له غبار... أما الجزائر، فلم تقدم وجبة في الفن تلبي الحاجة، وكان الانضباط التكتيكي كل ما يهم اللاعبين في مباراة الهدف الواحد... وقد حقق الجزائريون نجاحا باهرا في تسيير اللقاء على النحو الذي أرادوه، فمارسوا القوة المفرطة حين كان المصريون يتفوقون في الدقائق العشر الأولى، وقد أفلحوا ـ بأسلوب احترافي بالغ الشدة ـ في إخراج اللاعبين المصريين عن طورهم... وكانت تلك بوابة العبور إلى التذكرة.

استهلكنا أطنانا من الورق في رصد ما كان سيجري في السودان... وإذا كان التوفيق في التكهن أو التوقع قد حالف الكثيرين، فإن في الضفة الأخرى يكمن أولئك الذين حمّلوا المباراة بأكثر مما تستحق... لقد رأوا فيها حلولا لأزمات سياسية واجتماعية مزمنة أو ناشئة، حتى بلغ الأمر بكتاب من غير الاختصاص الرياضي أن يدسوا أنوفهم بالكرة في محاولة لفهم ما يجري... ثم استحال المشهد كله إلى "هستيريا" لا نهاية لها... ولم يكن الكثيرون يناقشون في جرائر منهج إعلامي كهذا على أنفس الناس حين يستحيل الانتصار في الكرة.

هذا ما حدث في النهاية... أصوات العقلاء والتي لم تكن تـُسمع خلال الشهرين الماضيين، في خضم الهستيريا هي التي بقيت وستبقى... أما من حمّل المواجهة الكروية بكل ما يرد في الخاطر من أثقال وهموم حياتية، فقد بقي في ركن ضيق من الجنون الذي ينتج في العادة عواقب تنذر بما هو أسوأ من خسارة مباراة في كرة القدم.

[email protected].

التعليق