"الليل الطويل" فيلم سوري بلغة تلفزيونية يعرض مأساة السجين السياسي

تم نشره في الأحد 11 تشرين الأول / أكتوبر 2009. 09:00 صباحاً
  • "الليل الطويل" فيلم سوري بلغة تلفزيونية يعرض مأساة السجين السياسي

 

دبي - يصور الفيلم السوري "الليل الطويل" الذي يشارك حالياً في المسابقة الرسمية للدورة الثالثة لمهرجان الشرق الأوسط السينمائي في أبوظبي حكاية أربعة سجناء على وشك الإفراج، وما يحدثه هذا الخبر من زلزال لدى عوائلهم، وأثر السجن في تخريب حياة البشر على كل الصعد.

والفيلم من تأليف وإنتاج المخرج التلفزيوني هيثم حقي، وبطولة خالد تاجا وسليم صبري وحسن عويتي ونجاح سفكوني وأمل عرفة وباسل الخياط، وإخراج حاتم علي الذي يقارب في ثالث تجاربه السينمائية بعد "العشاق" و"سيلينا" عالم السجن السياسي.

ظاهرياً ورغم أن أبطال فيلم "الليل الطويل" هم سجناء سياسيون، وموضوعه يرصد آلام السجن السياسي بالنسبة للسجين، أو في ما يخص أهله وعائلته، لا يلامس سيناريو الفيلم السياسة بشكل مباشر إلاّ نادراً وعبر جمل حوارية قليلة حول المبادئ والاخلاص لها أو خيانتها، ترد على لسان الشخصية التي أداها الممثل باسل الخياط كابن أحد السجناء السياسيين الذي لايزال مؤمناً بأفكار والده وعدالة قضيته.

فقصة الفيلم وهواجس أبطاله تتناول ظلال السجن السياسي على السجين ومحيطه، والأثر المدمّر الذي يخلفه حجز الحرية لأعوام طويلة على المجتمع مختصراً بعائلة واحدة من أربعة سجناء على وجه الخصوص.

 وتناقش القصة أموراً شتى بدءاً من فكرة الحرية وشعور السعادة المختلط بالدهشة والوجل بعد الخروج إلى الشوارع لدى أبطاله السجناء الأربعة الذين أدى أدوارهم الممثلون خالد تاجا وسليم صبري وحسن عويتي ونجاح سفكوني، أو فكرة التأقلم مع الزوار الجدد الخارجين من السجن مع مراجعة للماضي والمواقف، والإحساس الذي ينوص بين الفرح والقلق والاحساس بالذنب ومحاولة الصلح مع الماضي، والرعب من القادمين فجأة ليؤرقوا الحياة التي اعتاد عليها أبناء أولئك المساجين وعوائلهم، والذين جسد أدوارهم الممثلون زهير عبدالكريم وأمل عرفة وباسل الخياط وحاتم علي وضحى الدبس، أو التوجس من المجهول القادم مع خروج هؤلاء السجناء من قبل شخصيات تقف في جانب الجهة التي حكمت بتغييب هؤلاء الرجال لعشرين عاماً في السجن، والتي يجسدها الممثل رفيق سبيعي أولاً وعائلته، خصوصاً ابنه الذي أدى شخصيته الممثل فادي صبيح، وضباط المخابرات بدرجة أقل.

هذه التركيبة الاجتماعية لعوائل السجناء السياسيين المرتبطة بعلاقات مصاهرة مع عوائل جلاديهم، والتي تتداخل فيها المبادئ بالمصالح، ويمضي أفرادها خلال انتظارهم الآباء الخارجين إلى الحرية ليلة كاملة هي تقريباً زمن حدث الفيلم في تصفية حساباتهم القديمة، تغلّب ولو ظاهرياً الاجتماعي الحياتي على السياسي الفج والمباشر في أحداث الفيلم.

 لكن السياسة في العمق تطغى على كل تفصيل من تفاصيل الفيلم، بدءاً من اختيار الليل كزمن واقعي ورمزي في آن للفيلم، فالنهار التالي لا يشرق إلاّ بعد وفاة السجين السياسي الخارج من السجن والذي يتمحور حوله وحول عائلته حدث الفيلم، والذي أدى دوره من دون مبالغات وبإحساس عميق في عدد من اللحظات خالد تاجا، مروراً بما أحدثته السياسة من خراب بين الصديق ورفيق مدرسته الذي ساهم في سجنه 20 عاماً للحفاظ على استئثاره بالسلطة، والتدمير الذي حدث لعلاقته بأبنائه، حيث غدا بخروجه من السجن ضيفاً ثقيلاً وعبئاً كبيراً عليهم مادياً ومعنوياً، والتحطيم بين الأبناء أنفسهم حيث تحوّل الافراج عن الأب إلى مجموعة محاكمات واتهامات يتبادلونها وتزيد من خصوماتهم، وصولاً إلى حالة العبث التي يمثلها خروج السجين من عتمة الزنزانة إلى ليل الشوارع إلى ظلام القبر.

لكن نجاة "الليل الطويل" من الوقوع في فخ القول السياسي الفج والمباشر، الذي يغري به موضوعه، واقترابه من رصد ردود الأفعال الاجتماعية والانسانية التي خلفها الفعل السياسي، ساهمت بطريقة ما في اقتراب بنيته الدرامية من دراما التلفزيون وابتعادها عن بنية النص السينمائي، سواء بالنسبة لبناء المشاهد وتسلسلها في تركيب الحدث والقصة، أو داخل المشهد نفسه، وهو أمر طبيعي بالنسبة لكاتبه المخرج هيثم حقي الذي قضى عمره يعمل في الدراما التلفزيونية، متمايزاً عن جيل المخرجين المخضرمين الذين سبقوه ببعض التجديد -في حينه- على صعيد لغة الصورة.

في عمله الثالث سينمائياً "الليل الطويل" يظهر حاتم علي كما ظهر في فيلميه السابقين "العشاق" و"سيلينا" مخرج تلفزيوني لا يمتلك خبرة وأدوات تكوين وصناعة الفيلم السينمائي، فصورته تفتقد العمق والحيوية، ولا يحدث في المشهد إلاّ ما تقوم به شخصياته الأساسية، دون أي حركة في الخلفية تمنحه عمقاً وتكسر سكونيته، ولا معنى أو دلالة للصورة غير ما يقوله الممثل كلاماً أو يومئ به بنظراته صراحةً، باستثناء توظيف حالة الليل والظلمة لتقديم معنى الفيلم.

 في حين تبدو باقي الدلالات بدائية وأحياناً ساذجة، كما في حالة المسرحي السجين التي قدمها نجاح سفكوني، عبر أداء مفتعل ومبالغ فيه، لا يضيف معنى أو تأثيراً إلى فكرة الفيلم وموضوعه، باستثناء الإيحاء بأن السجناء السياسيين لايزالون يعيشون في الماضي، ويتوهمون أن الحياة في الخارج توقفت عند دخولهم إلى السجن، والتي تفتتح وتختم الفيلم، أو المشهد التقليدي المعبر عن استمرار الحياة عند لقاء الجد الخارج من السجن بالحفيدة القادمة من فرنسا في مراسم عزاء جدها السجين الآخر المتوفى، بينما تؤدي الكاميرا لديه في باقي المشاهد، خاصة تلك التي تصور أجواء أسرة السجين الرئيسي وظيفة الزجاج الشفاف الذي يظهر ما خلفه لا أكثر، الأمر الذي يجعلها أقرب إلى الدراما التلفزيونية، أو الدراما الإذاعية المصورة.

وإذا كان حاتم علي قد تجاوز في "الليل الطويل" مشكلة غياب إحساسه بالفرق بين كادر السينما وكادر التلفزيون من حيث الأحجام على الأقل، التي عانى منها في فيلمه "العشاق"، وساعده قلة عدد الشخصيات في عمله الحالي على تجاوز مشكلة فراغ الصورة وسوء استخدام الصوت بشكل موازٍ للصورة إن لم يتقدم عليها كما يفترض في دراما سينمائية موسيقية كما حدث في فيلمه "سيلينا"، فإنه بالتأكيد لم يستطع في "الليل الطويل" تجاوز أدوات الدراما التلفزيونية لا من حيث البنية، ولا في شكل الصورة، ولا على صعيد الأداء التمثيلي الذي تميّز فيه بعض لحظاته خالد تاجا وحسن عويتي، في حين كرر باسل الخياط وزهير عبدالكريم ورفيق سبيعي وأمل عرفة وضحى الدبس وحاتم علي وجرجس جبارة في -أداء كل منهم لدوره- أداءً سبق أن قدموه في مسلسلات اجتماعية تلفزيونية، وربما مع حاتم علي أو هيثم حقي نفسيها.

أخيراً أهم ما في فيلم "الليل الطويل" هو الموضوع نفسه، فالاقتراب من عذابات السجن السياسي قادر دائماً وأبداً على خلق علاقة تعاطف خاصة بين المشاهد والشاشة، وهو ما كسبه الفيلم تلقائياً، أما فنياً فلاشك أن هيثم حقي وحاتم علي قدما دراما ناجحة بمقاييس الدراما التلفزيونية، رغم بعض المشاهد المفتعلة كما في مشاهد الافتتاح والختام المسرحيين، ومشاهد استعراض الأجساد والعلاقات الحميمة في الأجواء الباريسية، أما سينمائياً فما ينقص "الليل الطويل" هو خبرة سينمائية في الإخراج وإدارة الممثلين، بعد إعادة صياغة السيناريو طبعاً!.

التعليق