هذا الذي يصعد وذاك الذي يهبط

تم نشره في السبت 10 تشرين الأول / أكتوبر 2009. 09:00 صباحاً

 

هآرتس

الوف بن

9/10/2009  

منذ عودته الى الحكم، غير بنيامين نتنياهو الموقف الإسرائيلي من رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس. رئيسا الوزراء السابقان، ارئيل شارون وايهود اولمرت عرضا عباس كـ "الفلسطيني الطيب"، وكزعيم المعتدلين المعارضين للارهاب بالمقارنة مع "الفلسطينيين الاشرار"، ياسر عرفات وزعماء حماس. عباس كان شريك السلام، والمحاور والضيف الدائم في منزل رئيس الوزراء في القدس. بل ان اولمرت زاره مرة في اريحا، كتعبير عن التقدير لزعامته.

نتنياهو ينظر الى عباس بطريقة اخرى. وهو يتعامل معه كخصم سياسي يدير حربا دبلوماسية ضد إسرائيل، وينبغي الرد عليه بما يتناسب مع ذلك. في نظر نتنياهو عباس يمثل عالم الامس، الصراع في سبيل "حقوق الفلسطينيين" وعودة اللاجئين على رأسها، الملفات مع قوائم جرائم إسرائيل والدعاوى الفلسطينية التي لا تنتهي بـ "العدل". موظف إسرائيلي كبير يدعو عباس "ناكر الكارثة"، في اعقاب رسالة الدكتوراة التي كتبها في العام 1982، وشكك فيها في عدد اليهود الذين قتلهم النازيون. ماذا نريد من أحمدي نجاد، يسأل الموظف الكبير، حين يقف على رأس السلطة الفلسطينية ناكر دبلوماسي للكارثة؟

موقف نتنياهو يتمتع بتأييد الجمهور الإسرائيلي الذي لا يستطيب على نحو خاص عباس ويرى فيه زعيما وهميا ضعيفا. رفض عباس اقتراح السلام من اولمرت يساعد نتنياهو على عرض رئيس السلطة كرافض للسلام في الرأي العام الإسرائيلي، رغم ان نتنياهو هو ايضا يعارض اقتراح اولمرت ويرى فيه مبالغا فيه وخطيرا.

ويتعامل عباس بعداء مشابه مع نتنياهو الذي يظهر له كمصدر قلق مزعج يعرقل تجسيد الاهداف الفلسطينية. في مقابلة مع "واشنطن بوست" في أيار (مايو) قال عباس ورجاله ان في نيتهم الانتظار الى أن يدفع الرئيس الأميركي باراك اوباما بنتنياهو الى الخارج. العداء وانعدام الثقة بين عباس ونتنياهو ظهرا في اللقاء الاجباري الذي فرضه عليهما اوباما قبل نحو اسبوعين في نيويورك. فالقمة الثلاثية لم تحل القطيعة بين القدس ورام الله، بل انها ربما شددتها.

لنتنياهو وعباس مفاهيم متعارضة حول سبيل تسوية النزاع. عباس يريد ان يعمل من فوق الى اسفل: في البداية على اسرائيل أن تعترف بالحقوق وبالمطالب الفلسطينية، وعندها تبحث التفاصيل والتطبيق. اما نتنياهو فلا يؤمن بانه يمكن حل مشكلتي القدس واللاجئين، والدولة المجردة التي يقترحها على الفلسطينيين بعيدة عن ان تشبع مواقف الحد الادنى لديهم. وبدلا من التسوية الدائمة على نمط يوسي بيلين وبيل كلينتون، يريد نتنياهو ان يعمل من الاسفل الى الاعلى: ان يبدأ بالسلام الاقتصادي وبناء مؤسسات الحكم الفلسطينية في الضفة الغربية ويؤجل الباقي الى مستقبل غير محدد – وفي هذه الاثناء تبقي إسرائيل سيطرتها على الارض وعلى المستوطنات.

فياض الاشكالي

يؤمن نتنياهو بان رئيس وزراء السلطة، سلام فياض، يمثل نهجا مغايرا عن نهج عباس وانه بدلا من الانشغال بمظالم الماضي يحاول تحسين المستقبل. فياض بالفعل يركز على تخطيط فلسطين المستقبلية، وليس المحاسبة على حربي 1948 و 1967. وأمل نتنياهو بأنه سيكون ممكنا معه تقدم السلام الاقتصادي والتقدم من الاسفل الى الاعلى من دون الغرق في المناكفات عديمة المنفعة على تقسيم القدس وحق العودة. وقد تم عرض تحسين الوضع الاقتصادي في الضفة وتعزيز التنسيق الامني بين إسرائيل والسلطة، كتعبيرين عن نجاح الطريق الجديد، غير العباسي.

ولكن عندما عرض فياض، في نهاية آب (أغسطس)، خطته لاقامة دولة فلسطينية في غضون سنتين، وكررها في اجتماع الدول المانحة للسلطة وفي الاستعراضات لوسائل الاعلام الاجنبية، فإن المسؤولين في مكتب رئيس الوزراء في القدس لم يستطيبوا الفكرة التي بدت كغطاء لتسوية مفروضة: الفلسطينيون يعلنون في العام 2011 عن دولة في حدود العام 1967، العالم يؤيدهم والاحتلال الاسرائيلي يعرض كعائق في وجه تجسيد "حل الدولتين". منذئذ ضم فياض الى جانب عباس، الى قائمة الفلسطينيين الاشكاليين في مكتب نتنياهو.

"المركز المقدسي للشؤون العامة والسياسية" برئاسة السفير السابق دوري غولد، المقرب من نتنياهو، نشر هذا الاسبوع وثيقة انتقادية لخطة فياض. كاتبها، دان ديكر وبنحاس عنبري، عرضا فكرة "فلسطين في غضون سنتين" كخرق احادي الجانب لاتفاق اوسلو، الذي يحظر تغيير مكانة المناطق، وكخطر أمني على اسرائيل.

فياض يتوقع من الفلسطينيين أن يتلقوا المناطق المفتوحة في الضفة، وفي غور الأردن، وفي سفوح الجبال وفي صحراء يهودا. وهذه المناطق معرفة كمناطق "ج" وتوجد اليوم تحت السيطرة الاسرائيلية الكاملة. وحسب وثيقة ديكر وعنبري، فهي حيوية لإسرائيل كقاطع أمني ودفاعي. وهذا ايضا هو موقف نتنياهو الذي يرى في مناطق "ج" مناطق موضع خلاف ينبغي لإسرائيل أن تحتفظ بها تحت سيطرتها.

المواجهة السياسية بين أسرائيل وعباس وفياض اندلعت في الأسبوعين الأخيرين حول أحداث لم تكن هناك علاقة ظاهرة بينها. نتنياهو ووزير الخارجية، افيغدور ليبرمان ادارا حملة دبلوماسية ناجحة لتأجيل بحث تقرير غولدستون في مجلس حقوق الانسان للامم المتحدة. واقنع نتنياهو الادارة الأميركية بان البحث في التقرير سيبعد فرص استئناف المفاوضات على التسوية الدائمة، وضغط الأميركيون على عباس الذي سحب الطلب المقدم الى الامم المتحدة.وترافقت الخطوة الدبلوماسية بضغوط وتهديدات مباشرة على عباس.

نتنياهو وليبرمان نجحا أكثر مما توقعا: ليس فقط تأجل البحث في تقرير غولدستون بستة اشهر بل ان عباس تكبد انتقادا داخليا شديدا بسبب تنازلاته وتضررت مكانته العامة. واستطاعت حماس في غزة أن تعرض السلطة في رام الله كعميلة بائسة لإسرائيل وأميركا. بحثت السلطة كيف ترد، ومثل نتنياهو، الذي زاد اسكان اليهود في شرقي القدس كي يجند مؤيديه في أميركا ضد اوباما، رد الفلسطينيون ايضا على الضغط الأميركي – الإسرائيلي برفع القدس الى رأس جدول الاعمال. التوتر حول الحرم ازداد، وهذه المرة قاد فياض الاتصالات الدبلوماسية والتوجهات الى الحكومات الاجنبية لكبح جماح إسرائيل. وادعت "محافل امن" إسرائيلية ردا على ذلك بان السلطة تسيطر بالتدريج على شرقي القدس.

هجوم مضاد

في الاتصالات لبلورة الصيغة لاستئناف المفاوضات السياسية، طلب نتنياهو من الفلسطينيين ان يتعهدوا بعدم العمل ضد إسرائيل في المحافل الدولية والمحاكم. واذا كانت لديهم شكاوى، فليعرضوها في المحادثات المباشرة. للفلسطينيين هذا صعب: تفوقهم الواضح في المنظمات الدولية وفي الرأي العام العالمي يستخدم من جانبهم للتوازن مع التفوق العسكري لإسرائيل وسيطرتها على الارض. في غرفة المحادثات، إسرائيل تتمع بافضلية بنيوية.

في مكتب رئيس الوزراء يعتزمون شن هجوم سياسي مضاد، ويحذرون عباس من أن إسرائيل ايضا تعرف كيف تدير صراعات دبلوماسية واعلامية. ويستعين الفلسطينيون بمنظومة كاملة من منظمات حقوق الانسان ومنظمات التضامن التي تدفع القضية الفلسطينية الى الامام وتعمل على مناكفة إسرائيل وفرض المقاطعة عليها. ولإسرائيل يوجد رد مزدوج: احراج المنظمات المؤيدة للفلسطينيين والمس بمصادر تمويلها، وكذلك اقامة منظومة منظمات مضادة، تجند رواد الرأي العام في صالح إسرائيل.

في أوروبا لا يوجد لوبي سياسي مؤيد لإسرائيل مثلما في اميركا، بل ولا يمكن ان يكون، بسبب البنية السياسية المغايرة وضعف الطوائف اليهودية. ولكن يمكن تحقيق نتائج في اعمال ضغط هادئ، بجلب اعضاء برلمان، صحافيين وغيرهم من المؤثرين في الدول المستهدفة في زيارات لاسرائيل. وليس المقصود تغيير اتجاه الرأي العام الأوروبي في صالح الاحتلال والمستوطنات – فهذا متعذر – بل الحصول على "زمن مساوٍ" وانفتاح اكبر لسماع الحجج الإسرائيلية.

التعليق