"لن بين المطرقة والسندان" لنزال: جذور قصيدة النثر عند أنسي الحاج

تم نشره في السبت 26 أيلول / سبتمبر 2009. 09:00 صباحاً
  • "لن بين المطرقة والسندان" لنزال: جذور قصيدة النثر عند أنسي الحاج

عمان- الغد- تُقدّم الشاعرة والكاتبة الأردنية رانة نزال لكتابها "لن بين المطرقة والسندان/ أنسي الحاج وقصيدة النثر" الصادر حديثاً عن دار الفكر اللبناني، باستعراض ما أثارته قصيدة النثر في الأدب العربي الحديث، منذ الإعلان عن وجودها، من جدل واسع لدى المبدعين والدارسين والنقّاد، ومبعث هذا الجدل، بحسب نزال، "طبيعة شكلها الذي لا يلتفت إلى الأوزان التقليديّة المعروفة (البحور)، ولا إلى التفعيلة التي قابلها الخصوم بشيء من التسامح".

سجال الانصار والخصوم

وترى نزال صاحبة ديوان "بيت العين" في كتابها الجديد الذي تتصدى فيه للعديد من قضايا البحث النقدي المرتبطة بقصيدة النثر، أن للسجال الفكري، بين الأنصار والخصوم حول قصيدة النثر، دورٌ كبير في "إذكاء هذا الجدل، واتهام الذين تبنّوا هذه القصيدة مباشرة، أو خفية، بالقيام بأدوار مشبوهة تجاه تراث الأمة، وفكرها، وعقيدتها". وتقول في سياق تقديمها لكتابها "في إطار الضجيج الزّاعق توارت الدراسة العلميّة الموضوعية لطبيعة هذه القصيدة التي يطمح أصحابها أن تكون جنساً أدبيّاً قائماً برأسه، مثلما تراجعت إلى زوايا الإهمال، الدّراسة الموضوعيّة للبذور الأولى لنشأتها، وطبيعة تطوّرها، منذ البدايات شبه الناضجة، على أيدي الروّاد إلى أشكال تطوّرها على أيدي أجيال لاحقة، أو محاولة الوقوف عند ملامح نضجها، وعناصر الفوضى التي تجعل المفهوم ملتبساً، والجنس مضطرباً. وليس أجدى على دراسة هذا الجنس: قصيدة النثر، من التصدّي لدراسة رائد هذه القصيدة: أُنسي الحاج".

الشعرية، وقصيدة النثر، المصطلح والدلالة، فصول يتضمنها الكتاب الذي تعرض فيه الباحثة الجذور والبدايات التاريخية لقصيدة النثر، ثمّ تخصص باقي فصول الكتاب للشاعر والكاتب الصحافي "أنسي الحاج". وقد توسّلت الدراسة بالمنهج التأريخي في تتبّع نشأة قصيدة النثر، والمنهج التحليلي النقدي في دراسة نتاج الشّاعر أُنسي الحاج الذي ترى أنه يمثّل صوتاً خاصاً في مسيرة الشعر العربي الحديث، وهو من أعلن ولادة هذا الجنس الأدبي في مقدّمة ديوانه الأول: "لن".

وتوصّلت الدراسة إلى أن الشّاعر أُنسي الحاج، قد "جعل قصيدة النثر قضيته الخاصة التي أعمل فيها أدواته، وتحدّيه، وقاموسه، وصوره، وتراكيبه، ففتح بذلك، آفاقاً واسعة من المغامرة التي اقترنت لديه بحريّة الانطلاق بالشعر العربي إلى فضاءات دلاليّة، ولغويّة جديدة، وعدم الارتهان للشكل الشعري المبني على بحور الخليل، والتفعيلة".

بين الشعرية والشعر

وبحسب كتاب نزال ظلّ الخلاف قائماً بين اللغويين والنقّاد حول مفهوم الشعر، وتمييزه عن النثر. وما يزال هذا الخلاف عثرةً -حتى أيامنا هذه- أمام كل من يُعنى بدراسة الأدب والشعر وسائر الفنون الكتابية.

وفي محاولة للتوصّل إلى رأي يوفّق بين آراء النقّاد –قديمهم وحديثهم- خصّصت نزال صاحبة ديوان "فيما كان" فصلاً لعرض بعض الأقوال والتعريفات حول مفهوم الشعريّة والشعر للتحقّق من وجود منطقة تتوسّط الشّعر والنثر، ما يؤكد وجود قصيدة النثر ويعزّز مفهومها. فما الشعر؟ وكيف يفترق عن النثر؟ وما هي قصيدة النثر؟

تقول الكاتبة: "البحث عن جذور النهضة الشعرية الحديثة في الحركة الأدبية العربية المعاصرة يرتد  إلى "القرن التاسع عشر؛ إذ يمكن العثور على تململاتها الأوليّة السّاذجة في بعض ما أنتجه أحمد فارس الشدياق، ونجيب المداد"، ونعثر على تعليق كتبه نجيب شاهين جاء فيه "يظهر أن الشعراء آخر من يفكّر في خلع القديم الخلق والتزّين بالجديد"، الأمر الذي يشي بفكر ناقد يدعو إلى الأخذ من الآخر الغربي والانفتاح عليه عبر فعل المثاقفة، وفي هذه الحركة الأدبية نجد جـبران خليل جبران من أبرز الداعين إلى التجديد، ونلمس هذا في نتاجه الأدبي، وفي تأثيره على مدرسة المهجر التي يؤكد فيها أحد أعلامها "ميخائيل نعيمة" أن الأوزان، والقوافي "ليسا من ضرورة الشعر"، وتُوجَت ثورة الشعراء المهجريين على القيود الشكلية، بانفلاتهم من قيود الوزن، والقافية، فإذا بنوع جديد من الشعر يظهر في الأدب العربي يحمل اسم "الشعر المنثور" أو "النثر الشعري" الذي يقول فيه محمد عبدالغني حسن: "قد يكون في النثر الشعري ما في الشعر من خيال، ولكنه خلو من قيود الوزن والقافية".

جبران، كما تذهب نزال، وسّع مسافة الشعر المنثور، والنثر الشعري فوضع فيها كتباً كاملة، فكتابة "العواصف" و"البدائع والطرائف"، وكتاب "الريحانيات" لأمين الريحاني "أعلى ما وصل إليه الشعر العربي المنثور في عصر النهضة".

مدرسة المهجر

ومن أهم الإضافات التي تبنتها مدرسة المهجر لحركة الشعر العربي الحديث إحياؤهم لمفهوم الأدب المهموس، واعتمادها الشعر ككيان عضوي، وتعاملها معه كمتن، ومثل هذه الدعوات ترافقت مع حضّ كالذي مارسه طه حسين بقوله: "لا ضير على الشباب المسلّح بالثقافة، والعلم من التجريب، والخوض في غمار الحياة الشعرية، ليخرجوا بإيقاعاتهم الخاصة"، وحين نأخذ بعين الاعتبار طبيعة الظروف السياسية، والاجتماعية، والاقتصادية، التي مرّت بها الأمة العربية، والانفتاح على الآخر الغربي سواء من خلال البعثات الدراسية، أو من خلال أجهزة الإعلام وحركة الترجمة، فإن هذا المُناخ فجّر حركة الحداثة العربية، التي تواكبت مع خطاب نقدي تنظيري يشمل أشكال الحركة الأدبية كلها، ويرفض الحدود الفاصلة بين هذه الأشكال.

وفي مواصلة لما تصدت له في كتابها، تقول نزال "وها هي "جماعة أبولو" تنادي بالشعر المنثور، في حين بقيت القصيدة العربية داخل إطار عمود الشعر. والمقترب الجبراني بشّر باستعادة الماضي ضمن تغيير لغة الحاضر، معيداً بذلك للنثـر إيقاعه، واضعاً إياه في أزمنة الفعل- الحـركة" ، وقد اسـتمر هذا التصعيد إلى أن وصلنا مجلة شعر اللبنانية، التي فتحت آفاق التجريب الأدبي عن آخره، وفيها نشهد البدايات الحقيقة التي أعلنت ميلاد قصيدة النثر".

إشكالية التسمية

وفي تعريفها لقصيدة النثر، تورد نزال أن المصطلح هو "ترجمة لمصطلح فرنسي الأصل (Poemeen Prose) وجد لتحديد بعض كتابات رامبو النثريّة الطافحة بالشعر كـ(موسم في الجحيم) و(الإشراقات). وإن تكن لها أيضاً أصول عميقة في الآداب كلها، بما في ذلك العربية، ولا سيّما الدينيّ والصوفي منها" .

وتخلص إلى أن قصيدة النثر ألغت الوزن، وانبثقت من استفزاز المألوف الشعري في جمعها بين متناقضين في الظاهر هما الشعر والنثر، وقد طرحت منذ البداية إشكالية التسمية، يقول جان كوهين: "مصطلح قصيدة النثر ظاهر التناقض، وعلينا إعادة تعريفه"، ويقترح تسميتها بالقصيدة الدلالية إذ تنمي الجانب الصوتي، وتكثّف الجانب الدلالي. 

كما تؤيّد سوزان برنار مُنظّرة قصيدة النثر الفرنسية، ما في التسمية من لبس إلاّ أن البحث في خصائص قصيدة النثر يؤكد أنها تسعى إلى: الاستفزاز المحيل إلى ضدين: قصيدة ونثر حتى في التسمية. والبناء العام المقترن بالفوضى المنظمة.

والإشراق الداخلي المستمد من خصائص مشتركة بين الشعر والنثر، الأمر الذي يُكسب التسمية هوية، ويحدّد دلالات خاصة بهذا الجنس وبالتالي يصار إلى قبولها، وإنما حالها حال كل مصطلح جديد يحتاج الوقت الذي يَمَنحُه تاريخه، ووجوده. وإذ تستند قصيدة النثر على شيء يثبت شعريتها، وفنّيتها، فإنما تسعى إلى إعادة النظر في مفاهيم الشعرية والإيقاع بمفهومه الشامل كونه الأسبق من العروض إلا أن الوزن أشمل. كما أنه من الصعب تحديد الوزن، بحسب نزال، في أطر لأنه شخصي ومتغيّر. وهو كما ترى لا يظهر الإيقاع الداخلي مجسّداً بالإنشاد، بل بالقراءة وما يترتّب عليها من مزايا. ومهمته فنيّة، تأليفاً وجمالية، استجابة وقراءة، وتلقياً. وثراؤه في هدم الأسوار بين الشعر والنثر، للانتفاع بالإيقاعات المختلفة المولّدة عن هذا الهدم.

وتذهب نزال إلى أن الخلاف حوله سيستمر زمناً طويلاً، لأنه مركز تقاطع لعدّة قضايا تجمعها كلمة واحدة، هي الأخرى لم تجد مكاناً في الاصطلاح والمفهوم من مثل: الشعرية. وتبيّن أن لكل قصيدة نثر إيقاعها الذي تصنعه المنهجية سواء على المستوى الدلالي أو الصوتي أو التركيبي".

ومستعرضة ما حاوله أدونيس في تحديد معايير لقصيدة النثر "صدورها عن إرادة وتنظيم يشكل كلاَََ عضوياً، وتميزها ببناء فني يفرض نفسه كشيء لا ككتلة لا زمنية. واحتوائها على وحدة وكثافة وتراكيب إشرافية"، وربطها تلك المعايير بما أوردته سوزان بيرنار في كتاب لها من خصائص تتعلق بقصيدة النثر، وإقرارها باقتراب حاتم الصكر من المصطلح، ومناقشته أطره ودلالته، تبحث نزال في فصل آخر من فصول كتابها عن جذور قصيدة النثر وبداياتها.

ومما جاء في هذا الفصل "في نهاية العام 1957،  تنبّه بعض شعراء مجلة "شعر" إلى نماذج نشرها محمد الماغوط في مجلة المجلة اللبنانية، وكان أنسي الحاج –فيما يبدو- أول من تنبّه لها، وفي شتاء العام 1958، أقام (خميس) أمسية شعر لمحمد الماغوط كانت بمثابة اعتراف بتكريس قصيدة النثر".

نزال في كتابها ترى أن المحاولات الأولى في كتابة قصيدة النثر كانت على الأغلب "محاولات جورج حنين من مصر، وأورخان ميسر من سورية، ونماذج ألبير أديب في مجموعته "لمن؟" الصادرة العام 1953، ثم مجموعة نقولا  قربان العام 1955، ونماذج فؤاد سليمان، والياس خليل". وقد نشر محمد الماغوط أول قصيدة نثر له العام 1954، في "مجلة "الآداب" اللبنانية، وكانت بعنوان "النبيذ المرّ"، إلى أن أصدر مجموعته "حزن في ضوء قمر" العام 1959، فلفت انتباه شـعراء مجلة "شـعر" كما سلف، أما أُنسـي الحاج فقد بدأ بنشـر بعض ما كتبه أواخر العام 1957، وقد علّقت عليه مجلة "شعر" بقولها: "لأنسي الحاج نتاج شعري من نوع جديد"، ولم تُسمّ المجلة النتاج في حينها، إلى أن وقع تجمّع مجلة "شعر" على كتاب "قصيدة نثر من بودلير إلى أيامنا" للكاتبة الفرنسية سوزان برنار بتنظيره النقدي لقصيدة النثر، فأخذوا عنه.

وفي سياق إجابته عن سؤال وُجّه له عن البادئ بكتابة قصيدة النثر يقول أنسي الحاج، كما تورد نزال "أدونيس هو المنظر الأول لقصيدة النثر في اللغة العربية، ومجموعة الماغوط، "حزن في ضوء قمر" صدرت قبل "لن" بعام كامل. لكن "لن" هي أول مجموعة ضمّت قصائد نثر عرّفت عن نفسها علناً بهذا الاسم، وبشكل هجومي، ورافقتها مقدّمة جاءت بمثابة بيان، فكانت هذه البداية بمثابة الإعلان الرسمي عن قصيدة النثر".

وبعد عرضها للمصطلح، والجذور، والبدايات، تدخل الكاتبة عالم قصيدة النثر عند أنسي الحاج، وتعرّف قضاياه ومضامينه.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »أنسي الحاج الحجة والحاجة (حامد الأمين)

    الأحد 27 أيلول / سبتمبر 2009.
    هذا أنسي الحاج يشخص في كل القضايا الملبسة ويبرز في كل ما يثير الدهشة والصدمة معاً، رجل على الحافة إبداعاً وحياة - الحافة بمعنى الاختلاف والمغايرة والمضادة والمعارضة- ولا عجب أن تنبري كاتبة وشاعرة مثل رانة نزال له ونحن نتطلع للكتاب ونرجو أن نجد فيه ضالتنا من الموضوعية والبحث الجاد.

    ومبروك للكاتبة
  • »أنسي الحاج الحجة والحاجة (حامد الأمين)

    السبت 26 أيلول / سبتمبر 2009.
    هذا أنسي الحاج يشخص في كل القضايا الملبسة ويبرز في كل ما يثير الدهشة والصدمة معاً، رجل على الحافة إبداعاً وحياة - الحافة بمعنى الاختلاف والمغايرة والمضادة والمعارضة- ولا عجب أن تنبري كاتبة وشاعرة مثل رانة نزال له ونحن نتطلع للكتاب ونرجو أن نجد فيه ضالتنا من الموضوعية والبحث الجاد.

    ومبروك للكاتبة
  • »بالتوفيق (د. وليد العناتي)

    السبت 26 أيلول / سبتمبر 2009.
    بالتوفيق يا رانة.
  • »بالتوفيق (د. وليد العناتي)

    السبت 26 أيلول / سبتمبر 2009.
    بالتوفيق يا رانة.