خالد البدور في "مطر على البحر": رسم سمات الوجود حرفيا

تم نشره في الخميس 3 أيلول / سبتمبر 2009. 09:00 صباحاً

بيروت- قصائد الشاعر الإماراتي خالد البدور في مجموعته الأخيرة "مطر على البحر" صفات خاصة مميزة، فهي تقوم على التصوير، وتتسم ببساطة قد تكون خادعة أحيانا لأنها مدروسة، لتأتي خلاصة و"حلا" لتناقضات الحياة وتعدد ألوانها.

وفي قصائده وصوره يسود صفاء قد يغرق في التفاصيل أحيانا، لنصل معه إلى اكتشاف وحدة الحياة.. ولا وحدة إلا إذا توحدت فيها تفاصيل.

قصائده التصويرية نستطيع أن "نقرأها" حرفيا، فكأنه رسام ينقل إلينا مشهدا بدقائق عديدة فيه.

وقد نكتشف أحيانا أن بعضها الذي يبدو حرفيا وتفصيليا سرعان ما يتحول في فهمنا إلى رمزي يتسم ببساطة كذلك. والشاعر في مختلف الحالات يبدو قادرا على أن ينقل لنا سمات من الوجود، بما فيه من ألوان وروائح ومن أفول وشحوب، وإن كان تركيزه على عالم الشحوب والأفول يبدو أشد من اهتمامه بمجالات أخرى.

ووردت مجموعة خالد البدور في 151 صفحة متوسطة القطع، وصدرت عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر.

على الغلاف كلاما عن الشاعر، منه قول للدكتور عبدالواحد لؤلؤة حمل صفات تبدو بارزة في سائر شعر الشاعر، ولكنها قد لا تنطبق دائما على كل قصائد المجموعة الأخيرة.

 وجاء في كلام لؤلؤة "اللغة الغالبة في شعر خالد البدور هي الصورية. وهي صورة لا يشوبها غموض ولا ضبابية... إنك لا تحس بالضياع، وأنت تقرأ أو تعاود القراءة. ليس في هذه الصور غموض ولا حذلقات لغوية ولا إشارات ثقافية غامضة".

توزعت قصائد المجموعة على عدد من العناوين الفرعية. أول هذه العناوين ربما بدا -على ما يوحي به من بساطة- حاملا أبعادا منها الفكري والإيمان.

والعنوان هو "البحر الذي ليس قبله شيء". القصيدة الأولى فيه هي "ستعود"، حيث يقول ببساطة وهدوء مميزين عنده، وبما يحمل في العمق ما هو أبعد من البساطة الظاهرية.. "فوق البحر/ شمس ستختفي بعد قليل/ فوق السحب/ قمر/ سيطل على الأرض/ وبعد رحلة ليل/ مليئة بالأسرار والحب/ ستعود الشمس إلينا/ ستعود/ لأنها/ لم تذهب أبدا."

في قصيدة "هذا الساحل" رومانسية وحزن وعلى غرار الرومانسيين تتحول الطبيعة، وهي هنا البحر إلى مكان هو -وإن كان يثير الحزن في النفس- وسيلة الهرب من الحزن ودفنه.

والواقع أن الشعرية هنا لا تنبع من الكلمات والجمل التي هي أقرب إلى الكلام العادي، بقدر ما تنتج عن الصورة النهائية أي الصورة الكبيرة.

وفي موقف، من حيث صوره ومشاعر تتجلى فيه، هو مألوف لدينا في قصائد عديدة، وفي كثير من الأغنيات، وفي الحديث عن القصور الرملية وخيبة الآمال، وغير ذلك يقول خالد البدور "سأحفر الرمل/ رمل الساحل الرطب/ سأغرز أصابعي/ عميقا/ وستهبط روحي/ تهبط ببطء/ وفي صمت/ يتصعد دفء تحت الجلد/ احفر اكثر.. واحفر/ هذا الساحل أعرفه/ كراحة يدي/ بنيت بيوتا واسعة/ وزعت الغرف/ وراكمت/ أبراج الرمل هنا/ كان الموج يجيء فيدفنها المد/ وأعود اليوم التالي/ أبني/ أعرف/ يمكنني اللعب هنا/ وأدرك يمكن دفن الاحلام/ ويمكن أيضا/ دفن/ الحزن/ هنا".

في قصيدة "غمام" يحملنا الشاعر مرة أخرى من الحرفي المباشر، وعبر مجردات، إلى ما هو أبعد..، إلى وحدة حياة تضم الماضي والحاضر والآتي، ولربما الذي نتوهمه آتيا ولا يأتي.

يقول خالد البدور في جمال يطل في غلالة حزينة مصورا الأشياء والمشاعر الخفية: "الفجر أزرق/ استند إلى الجدار قرب النافذة/ مصباحي ما زال حيا/ وقد أرهقت القراءة عيني/ صوت طائر يصلني من مكان ما/ ولم يصل النوم بعد/ غمام ذكرياتي يغشاني/ أراني والرمل بارد مستلقيا/ هالة البدر مكتملة/ الأرض بيضاء.../ أجوب ماضي/ عابرا السنوات في برهة/ أرى الوجوه كلها/ لكنني أنسى الاسماء.

"السماء بعيدة/ أهوية الشتاء/ تهفهف أمواج روحي/ الفجر يذهب/ ينام المصباح والطائر/ وتستيقظ السنوات/ أرى الوجوه/ أراها كلها".

خالد البدور يوهمنا بالبساطة والوضوح. وعلى طريقة نقاد عرب قدامى في الحديث عن "الجهد لاخفاء الجهد" يقول ما يقوله، ويخبئ وراء الكلمات الكثير الكثير.

التعليق