القرضاوي: يجب على الزوج مداواة زوجته وعلى الدولة أن تعالج الفقراء

تم نشره في الاثنين 31 آب / أغسطس 2009. 10:00 صباحاً
  • القرضاوي: يجب على الزوج مداواة زوجته وعلى الدولة أن تعالج الفقراء

رئيس اتحاد العلماء المسلمين يؤكد على أنّ التداوي واجب

عمان- الغد- يواصل د. يوسف القرضاوي في هذه الحلقة تقديم فتاويه في القضايا الفقهية الإشكالية والمعاصرة، من خلال برنامج "فقه الحياة"، الذي يبث ليلياً على القناة، وتنشر الغد حلقاته بالتزامن، (ويحررها الزميل مصطفى عبد الجواد من القناة نفسها).

في هذه الحلقة، شدد العلامة الدكتور يوسف القرضاوي، رئيس الاتحاد العالمي للعلماء المسلمين، على أن التداوي لا يتعارض مع التسليم بالقدر، وإنما يندرج في إطار "دفع القدر بالقدر"، موضحًا أن جمهور الفقهاء يضع التداوي وطلب العلاج في باب المباحات، لكنه يرى مع ابن الجوزي أنه يدخل في باب الواجبات.

ورأى القرضاوي أنه حتى لو تعامل المرء مع التداوي على أنه مباح، فإن ذلك لا ينطبق على الزوجة والأبناء، حيث إن علاج هؤلاء يعد واجبًا على الزوج أو الأب، أما الفقراء فإن الدولة ملزمة بتوفير العلاج اللازم لهم.

العلامة القرضاوي أجاز تخصص المرأة في أمراض النساء، مرجعًا ذلك إلى أن أعداد الطبيبات لا تكفي لسد الحاجة في هذا المجال، لكنه في المقابل لم ير ضرورة لتخصص النساء في أمراض العقم والذكورة، كما اعتبر ذهاب المرأة المسلمة للطبيبة غير المسلمة، إذا لم تجد الطبيبة المسلمة، أولى من الذهاب إلى طبيب مسلم.

  التداوي والذهاب إلى الأطباء، هل هو أمر واجب يفرضه الشرع على الإنسان ذكرًا كان أم أنثى أم أنه مستحب؟ وهل يجوز للإنسان أن يتحمل المرض وما فيه من إيذاء وشدة دون تداوٍ؟

فلا يوجد دين عني بالإنسان كله كما عني الإسلام بذلك، فكثير من الأديان عنيت بروح الإنسان، ولم تعن بجسمه، بل بعضها أعلن الحرب على هذا الجسم، كأنما اعتبروا الجسم عدوًا للروح، ولكن الإسلام خالف هذه الأديان والفلسفات، فالإسلام هو الدين الذي سمع الناس فيه لأول مرة "إن لبدنك عليك حقًا" ولم يسمع الناس هذه الجملة في أي دين من الأديان.

ومعنى أن لبدنك عليك حقًا، أن تطعمه إذا جاع، وأن تنظفه إذا اتسخ، وأن تريحه إذا تعب، وأن تقويه إذا ضعف، وأن تداويه إذا مرض، وهنا بعض الناس يثير تساؤلاً إذا كان كل شيء بقدر، وإذا ربنا قدر لي المرض سأمرض، وإذا كتب لي الشفاء سأشفى، وإذا كتب علي الموت سأموت، لماذا أعالج المرض؟ وهذا سوء فهم لقضية القدر، وقد سئل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ سؤالاً مهمًا في حديث أبي خزامة الذي رواه الترمذي وأحمد قالوا: يا رسول الله أرأيت أدوية نتداوى بها، ورقى نسترقيها، وتقات نتقيها، هل ترد من قدر الله شيئًا؟ فكان الجواب النبوي الحاسم الشافي الكافي: "هي من قدر الله".

وهذه الأسباب سواء كانت أسبابًا مادية مثل الأدوية، أو روحية مثل الرقى، هي من قدر الله، فنحن ندفع قدر الله بقدر الله، ويحضرني هنا مناسبة لسيدنا عمر حينما أراد أن يدخل بلاد الشام، وعلم قبل أن يدخل الشام أن فيه طاعونًا شديد الخطر، فاستشار الصحابة فاختلفوا عليه، ثم استشار كبار المشيخة من أهل قريش، فأشاروا عليه بالرجوع، وقرر الرجوع، فقال له أبو عبيدة، أتفر من قدر الله يا أمير المؤمنين؟ فقال له عمر: لو غيرك قالها يا أبا عبيدة، نعم نفر من قدر الله إلى قدر الله"، ثم روى له بعد ذلك عبد الرحمن بن عوف الحديث الذي جاء في الطاعون.

فحينما نتداوى ندفع قدرًا بقدر، والشرع شرع لنا أن ندفع الأقدار بعضها ببعض، فندفع قدر الجوع بقدر الغذاء، وقدر العطش بقدر الري بالماء، وقدر العدو بقدر السلاح، والرسول يقول "ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء أو دواءً علمه من علمه وجهله من جهله".

مباح أم واجب؟

* لكن هل التداوي هو على سبيل الإلزام والوجوب، أم على سبيل الندب والاستحباب؟

التداوي عند عامة الفقهاء هو من باب المباحات، لا من باب الواجبات ولا من باب المستحبات، وابن الجوزي فقط هو الذي قال بوجوب التداوي من المرض وأنا معه.

وبعض العلماء يرى أن التداوي جائز ومباح، ولكن التوكل على الله أولى، هكذا قال الإمام أحمد، واستدل بحديث المرأة التي شكت للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ الصرع، ثم قالت له أدعو الله لي أن يبعد عني الصرع، فقال لها: أتصبري ولك الجنة، قالت له أصبر ولي الجنة، ولكني أتكشف فأدعو الله لي ألا أتكشف في حالة الصرع، وأخذ الإمام أحمد من هذا أن الصبر والتوكل على الله أولى، وأنا أرى أن هذا الاستدلال ليس في محله؛ لأن هذا ليس مداواة بالأسباب المعتادة.

وأرى أنه ليس من المعقول أن أشكو الصداع النصفي، وأنا أستطيع أن آخذ دواء يزيله عني، أو أن أشكو من وجع الضرس أو المغص الكلوي وهناك دواء له، فهل من المعقول أن أقول إن الإنسان لا يتداوى حتى ينهار.

إن الدواء إذا كان لإزالة ألم شديد فهو واجب، وأحيانًا الإنسان يحمل أمراضًا مزمنة، ويمكن أن يصبر عليها إذا لم تتفاقم وتسبب له آلاما أو تعطله عن واجبات، أو نحو ذلك، إنما الأصل إذا كان المرض يسبب للإنسان آلمًا شديدًا، أو يعوقه عن القيام بعمله كما ينبغي، فلا يستطيع أن يذهب إلى عمله ويعول أولاده ويحتاج أولاده إلى أن يتكففوا الناس، فأنا أرى مع ابن الجوزي وجوب التداوي خصوصًا في الأدوية المجربة.

وأرى أن هذا حكم خاضع للزمن، في زمنهم كان معظم الطب تخمينيًا، وكانت الأدوية غير فعالة في كثير من الأحيان، إنما إذا كان الطب قائمًا على الملاحظة والتجربة، والكشف بالأجهزة، فهنا يجب التداوي، خصوصًا إذا كان معه ألم، كذلك إذا تعلق الأمر بحق الغير، مثلا إذا مرضت الزوجة أو الأبناء، فيجب على الزوج والأب أن يداويهم، والفقراء يجب أن تهيئ لهم الدولة التداوي، وهذا ما تقوم عليه وزارات الصحة في العالم كله، ويقوم عليه التأمين الصحي، الذي أصبح أمرًا عامًا؛ لأن توفير الصحة للناس وتهيئة أسباب العافية أمر مهم، والنبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ كان من أعظم ما يدعو الله به "العفو والعافية" والعافية معناها السلامة من الأمراض والآفات، فهذه نعمة عظيمة يجب أن يسعى إليها كل مؤمن ومؤمنة.

* ما حكم مداواة الرجل لامرأته، بمعنى هل يجب على الرجل أن يداوي امرأته إذا مرضت؟ أي أن يذهب بها إلى الطبيب أم أنه يتركها تصبر ويأمرها بالصبر، وهذا مذهب الإمام أحمد رحمة الله عليه.

أنا مع الرأي الذي يقول إن على الرجل أن يداوي امرأته، بمعنى أن ينفق عليها حتى تتداوى، وأن يذهب إلى الطبيب المختص في هذا المرض حتى يعالجها وهذا ما نص عليه بعض الفقهاء، من أن على الزوج ثمن الدواء وأجرة الطبيب، وأن ذلك يدخل في نفقة المرأة على زوجها، وهم فرقوا بين أمرين: مداواة المرء لنفسه حيث يدخل في المباحات، إنما مداواته للآخرين فهذا حق لهم، يجب أن يراعى.

** لكن كيف يجب عليه شيء لغيره هو ليس واجبًا عليه؟

إذا هو أخذ هذا المذهب لنفسه، فلا ينبغي أن يفرضه على الآخرين، فالآخرون لهم حقوق يجب أن تراعى في هذه الناحية.

أمراض النساء

* هل يجوز للرجل أن يتخصص في أمراض النساء والولادة، خصوصًا أنه سيتكشف على العورات؟ أم ينصح بأن تكون مقصورة على النساء فقط.

بالنسبة لتخصص الرجال في أمراض النساء، هذا لا يستغنى عنه؛ لأن عدد النساء المتخصصات في هذا الأمر لا يكفي إطلاقًا، بسبب الأعداد الكبيرة من النساء التي تمرض بأمراض النساء، وتحتاج إلى رعاية في فترة الحمل والولادة وما بعد الولادة، فتظل هناك حاجة إلى عدد من الرجال يتخصصون في هذا المجال.

وعادة الرجال أكثر مهارة من النساء حتى في أمراض النساء، فكما يقولون الرجل إذا اشتغل طباخًا يكون أفضل من المرأة التي تطبخ طول حياتها، والترزي للنساء يفوق النساء اللواتى يعملن بالخياطة للنساء طول حياتها، وهذه أمور معروفة.

* وتخصص المرأة في أمراض العقم والذكورة، هل يجوز؟

هذا هو الذي ينبغي التوقف فيه، خصوصًا أن أمراض العقم والذكورة ليست كأمراض النساء والولادة.

* ماذا تقصد فضيلتكم بالتوقف؟

* التوقف، يعني أنني لا أبيح هذا الأمر بإطلاق، بحيث إنه يمكن عند اللزوم أن تتخصص المرأة، إنما في الغالب أرى أن التخصص في هذه الأمراض ليس مناسبًا للمرأة، بمعنى أنه يجوز لكن اعتاد الناس من قديم على أن المرأة للحاجة وللضرورة تعالج عند الطبيب، ولكن لم يعرف الناس أن الرجل يعالج عند امرأة خصوصًا في الأمور المتعلقة بالأعضاء التناسلية والعورات، ولهذا لا أنصح المرأة بالتخصص في أمراض الذكورة والعقم، فهي ليست أمراضًا أساسية.

* لكنها تتعلق بحفظ النسل، وهو من مقاصد الشريعة؟

نعم لكن هذا يختلف عن شخص يريد إجراء عملية في الكلى، فإذا لم يتم عملها، سيصاب بمصيبة كبيرة، أو واحدة تريد  إجراء عملية في الرحم أو المبيض، فهذه أشياء خطيرة، أما أمراض الذكورة والعقم فهي ليست خطيرة، فأرى أنه لا ينبغي للمرأة أن تتخصص في هذا إلا في حدود معينة، لكن لو لم يوجد رجال في هذا الوقت، فهي التي تسد هذا المسد، وتبقى هذه ضرورة تقدر بقدرها.

ضوابط ومعايير

* ذكرت أن العلماء في القديم أباحوا للمرأة أن تتطبب عند الأطباء الرجال، ولكن هل هذا بالإطلاق؟ أم أن هناك ضوابط معينة، ولو وجد هناك طبيب وطبيبة لمن تذهب المرأة؟

ضابط ذلك هو ألا يوجد من يغني من النساء عن هذا الطبيب، ومعنى لا يغني، أنه إذ وجدت مريضة في أسيوط (جنوب القاهرة بـ350 كم) وطبيبة في القاهرة، فهل نلزمها أن تذهب من أسيوط إلى القاهرة لتطبب عند المرأة، وهنا يشترط أن تكون الطبيبة في مكان قريب، كما أن التكلفة توضع في الاعتبار، فإذا فرضنا أن المرأة تأخذ مبلغًا كبيرًا، والرجل يأخذ مبلغًا بسيطًا، والأسرة حالتها بسيطة فإن الطبيب في هذا الحالة هو الأنسب.

كذلك من ناحية المهارة، فالمرأة قد تكون متخرجة من فترة بسيطة، وليست مشهورة في الأمور المعضلة، لكن الطبيب معروف بأنه تلجأ إليه النساء في المعضلات الطبية. ومن ضمن الأشياء التي تؤخذ في الاعتبار أيضا القدرة على المجيء، فمثلاً واحدة جاءتها آلام الولادة فجأة في وقت متأخر من الليل، فإدخال الرجل في هذه القضية أمر له قيمته أيضًا.

* هل للرجل أيضًا أن يذهب ليتطبب عند امرأة، بأي مرض من الأمراض بعيدًا عن العقم أو الذكورة أو ما شابه ذلك؟

أيضًا تنطبق عليه هذه الضوابط، وإن كان الأمر بالنسبة لتداوي الرجال عند النساء يختلف عن تداوي النساء عند الرجال، لأن الرجال متوفرون، والمرأة إذا كفت النساء فهذا جيد، ولا ضرورة لتطبيب الرجال.

* في ظل هذه الإباحة التي ذكرتموها، ما  الضوابط التي ينبغي أن تراعى في ذهاب المرأة إلى الطبيب؟

أول شيء هو وجوب اختيار الطبيب الثقة، الذي علم من تاريخه حسن السمعة والاستقامة، ولم يظهر عنه أي كلمة سوء، فاختيار الطبيب هذا شيء مهم، وفي بعض الأحيان يلزم أن يكون مع المرأة محرم أو امرأة أخرى، وأحيانًا يغني عن هذا أن الطبيب معروف أنه لا يختلي بامرأة، إنما يكون معه ممرض أو ممرضة، فإذا كان هناك من يمنع الخلوة فهذا يغني، ولا بد من رعاية هذه الظروف كلها.

* في حالة عدم مراعاة الطبيب لهذه الضوابط، فما حكم التكسب من هذا العمل؟

إذا لم يراع الضوابط الشرعية فهذا المال لا نقول إنه محرم تمامًا، ولكن دخلت فيه شوائب الشبهة، فينبغي أن يخرج بعضه صدقة تطهرًا.

*هل هذه الصدقة تحدد بقدر معين ؟

 لا نستطيع أن نضبطها، نتركها لضمير الشخص وتقديره ودينه.

سلم الأولويات

* فضيلتكم تجيز للمرأة أن تتطبب عند الطبيب المسلم، فهل يجوز لها أن تتطبب عند طبيب غير مسلم؟

هناك سلم للترتيب في هذه الأمور، أول ما يطلب من المسلمة التي تريد أن تعالج نفسها، أن تبحث عن طبيبة مسلمة، وليس مجرد مسلمة، إنما مسلمة مؤتمنة مستقيمة، حسنة السمعة والسلوك، فإذا لم تجد ذلك، تذهب إلى طبيبة غير مسلمة.

*قبل الطبيب المسلم؟

نعم قبل الطبيب المسلم، العلماء قالوا إن مداواة الجنس أخف مكانًا، بمعنى أن امرأة مع امرأة أخف من رجل ولو كان مسلمًا، وبعدما تبحث عن طبيبة غير مسلمة، ولا تجد تذهب إلى طبيب مسلم، فإذا لم تجد الطبيب المسلم، فالمرتبة الرابعة تبحث عن طبيب غير مسلم.

** إذن هذا في آخر السلم؟

* هذا في آخر السلم، وهو حسب الضرورات والحاجات.

* نبقى مع نفس القضية، هل يجوز للرجل أن يتطبب عند طبيبة غير مسلمة؟

كما قلنا بالنسبة للطبيبة المسلمة، فلا ينبغي أن يذهب الرجل إلى طبيبة إلا عند ضرورة معينة، حتى ولو كانت طبيبة مسلمة، وإذا وجد الرجال الذين يقومون بهذا الأمر فلا داعي لأن يذهب إلى الطبيبة، خصوصًا إذا كان في الأمور التي من شأنها كشف العورات، فلأ ن يكشف الرجل عورته لرجل أهون من أن يكشف عورته لامرأة، لكن الضرورات لها حكمها.

* أليس هنا قصور بالنسبة لنا نحن كأمة مسلمة عندما يذهب الرجل إلى طبيبة غير مسلمة، لعدم وجود طبيب مسلم أو حتى طبيبة مسلمة؟

نعم هنا قصور، وهو يتعلق بفروض الكفاية في الأمة، فمن المفروض أن الأمة تكتفي اكتفاءً ذاتيًا في كل الأمور، بحيث تسد كل الثغرات بخبراء ومختصين، في الطب، وفي الهندسة، وفي العلوم، وفي الصناعات، وفي التكنولوجيا، وكل هذه الأشياء.

وهذا ما يعتبره العلماء  فرض كفاية، إذا قام به عدد كافٍ يلبي الحاجة ويغطي المطلوب، سلمت الأمة من الإثم والحرج، وإذا لم يقم به هذا العدد وأصبح هناك قصور أو خلل، أثمت الأمة عامة وأولو الأمر فيها خاصة، حيث إنهم الذين ينبغي أن ينظموا هذه الأمور، ويضعوا لكل شيء عدته، ويضعوه في موضعه، فهذا هو الواجب.

* هل في مثل هذه الحالة يجوز للمرأة المسلمة، الطبيبة المسلمة أن تتخصص في هذا الجانب؟

نعم، في هذه الحالة تتخصص في هذا الجانب، إذا لم يوجد عدد من الرجال يكفي، تسد هذه الثغرة.

تأنيب وإثم

* بعض النساء في حالة الولادة لدى طبيب، مع ما في عملية الولادة من كشف للعورات يشعرن بنوع من أنواع التأنيب، فماذا تقولون لهؤلاء؟

نحن نقول إنها إذا لجأت إلى هذا من باب الضرورة وبالضوابط التي ذكرناها من قبل، فلا ينبغي لها أن تتأثم؛ لأن ذهابها إلى الطبيب في هذه الحالة مشروع، والمشروع لا ينبغي أن يتأثم المرء منه، إنما تتأثم إذا لم تراع هذه الضوابط، وكانت فقط تريد أن تذهب إلى الطبيب الأشهر، أو الذي تذهب إليه الأرستقراطيات، إنما من ذهبت لحاجة وراعت الأشياء التي ذكرناها قبل هذا فلا حرج عليها إن شاء الله (فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ).

* بالنسبة للطبيب ما  الحدود التي ينبغي أن يراعيها في النظر للمرأة الأجنبية؟

الأصل في هذا ألا ينظر إلى المرأة نظرة التلذذ والتشهي، ومن هنا جاء التحذير من اتباع النظرة النظرة، قال الرسول صلى الله عليه وسلم: يا علي لا تتبع النظرة النظرة، فإن لك الأولى وليست لك الآخرة، بمعنى أن النظر يكون بقدر الحاجة.

* هل النظرة لها حدود؛ لأن البعض أحيانًا يود أن يطيل النظرة طالما النظرة الأولى له؟

هذا أمر راجع إلى ضميره، ولن يحاسبه أحد إلا الله سبحانه وتعالى، وهو أدرى بنفسه، فمثلا إذ كان هناك مدرس وأمامه فصل من البنات، فهو ينظر أحيانًا نظرة عادية، يريد أن يكون بينه وبينهم صلة، يريد أن يوصل المفاهيم والمعاني إليهن ولا يخطر في باله تلذذ، وأحيانًا يركز نظره على واحدة منهن بالذات، ويحدق فيها أكثر. هذا بالنسبة للمعلم، أما بالنسبة للطبيب فإنه من كثرة النظر إلى الجسم وأمراضه، لا ينظر إلى المرأة كما ينظر إليها الشخص العادي، وأعرف بعض الأساتذة الكبار، مثل أخينا الدكتور حسان حتحوت، رحمه الله، وهو أستاذ أمراض النساء، وعاش حياته في هذا الأمر، وما كان ينظر إلى أي امرأة نظرة فيها أي ريبة، وكأن كل واحدة منهن بنته أو أخته، أو زوجته، وهذا يرجع إلى تكوين الشخص الديني، والأخلاقي، والمهني، فإذا كان ذا مهنية عالية، فإنه ينظر إلى الأمر نظرة مهنية خالصة ولا تدخل الشهوة في هذا الأمر.

مسؤولية الطبيب

* بعض الأطباء لا يعتقدون بجواز تطبيب الرجل للمرأة، فلو افترضنا أن هناك إصابة شديدة وليس هناك إلا هذا الطبيب وجيء إليه بهذه المرأة، فما حكمه لو امتنع عن مداواتها حتى هلكت أو ماتت؟

قطعًا يكون مسؤولا عن هذا الأمر، حيث ينبغي لأي شخص بلغ مرتبة مثل مرتبة الأستاذ في الطب، أن يعلم أن الضرورات لها أحكامها، ولو بعض الناس كان مضطرًا لأكل الميتة ولم يأكلها حتى مات، فهو يأثم؛ لأنه أهلك نفسه بدون داعٍ، والله أباح له بنص القرآن في حالة الضرورة أكل الميتة، والدم، ولحم الخنزير، وما أهل لغير الله به.

* هل هذا الطبيب يتحمل دية هذه المرأة لو أنها هلكت وماتت؟

لا، لكن ربما يمكن حسب فقه ابن حزم أن يحمله ذلك

لكن ليس علية اي عقوبة معينة حتى يكون عبرة لغيرة من الناس؟

لا، ربما يوبخ، ربما ترسل له نقابة الأطباء كتابًا تقول له إنك أخطأت في حق المهنة، وأخطأت في كذا، وربما يعذر، وهذا يرجع إلى القوانين واللوائح التي تحكم سلوك الأطباء في هذه الأشياء، وهل هذا أمر مجرم قانونًا أم غير مجرم، وإذا كان مجرمًا يمكن أن يعاقب بحبس أو غرامة، أو بأي شيء يقرره القانون.

* بالنسبة لقضية ختان الطفل، هل يجوز لطبيب أن يختن طفلة وكذلك لطبيبة أن تختن طفلا، لأن في ذلك تكشف على العورات؟

إن كان في حالة الطفولة، فأنا لا أرى حرجًا، فكثير من الأطفال يختنون في الأسبوع الأول، ولا يشتهي وليس فيه أدنى شيء محظور في هذه الحالة.

التعليق