اللغة العربية: أزمة تعليم وثقافة ومجتمع

تم نشره في الأربعاء 26 آب / أغسطس 2009. 09:00 صباحاً

منى شكري


عمّان - يتفق متخصصون أن اللغة العربية تعاني من أزمة بل أزمات معاصرة طال أمدها، تعكس، وهي وعاء الفكر، مشكلات أكبر ترزح تحت وطأتها الأمة العربية بدءا من الثقافة وأنظمة التعليم ومناهجه وليس انتهاء بتفشي العامية والإنجليزية في المحافل الثقافية والعلمية والإعلامية.

حول أزمة تعليم اللغة العربية في المدارس، يرى أستاذ اللغة العربية في الجامعة الأردنية وعضو مجمع اللغة العربية الأردني الدكتور إسماعيل عمايرة أن كتب تعليم العربية لمرحلة التعليم العام أساس ينبغي أن تراجع أركانه، "لترسخ وتدعم بما يؤهلها لتحمل ما عسى أن يضاف إليها، مما تتطلبه حياة أصبحت تموج بألوان المعرفة، وتذرو قممها رياح التغيير".

ويوضح عمايرة أن العملية التعليمية عملية معقدة، وعناصرها كثيرة، منها الطالب والمنهاج وعدد الساعات المخصصة للتدريس وضغط المقررات الأخرى والكتاب والمدرس وطريقة التدريس والنشاط المنهجي، وغير المنهجي، فضلا عن جو المدرسة والبيت والعلاقة بينهما والوسط الاجتماعي العام.. وغير ذلك من العناصر "المتواشجة"، التي يؤثر بعضها في بعض، وتتفاعل تفاعلات شتى، فتسفر عن نتائج معقدة، تحتاج في قياسها وتقويمها إلى تخصصات كثيرة، ودراسات متعددة، يشترك فيها المتخصصون في اللغة والتربية وعلمي النفس والاجتماع.

ويظهر الخلل في تراجع اللغة العربية، وفق عمايرة، في التلميذ الغضّ واعتياده على التحدث بالعامية، وفي الطالب الجامعي الذي يلحن ليتخرج ويصبح مدرسا، ومنها ما هو عائد إلى المنهاج المدرسي. وهو ما تتفق معه المعلمة رغدة التي تعزو تراجع اللغة العربية لدى الطالب إلى انتقال الطفل المفاجئ من الحديث بالعامية التي اعتاد عليها بالأسرة ويتلقاها من خلال برامج التلفاز إلى الفصحى التي يتعلم بها في المدرسة، ما يشعره ذلك بثقلها.

وتضيف "هناك قصور في المناهج التي تعتمد التكرار، كما أن أساليب التدريس الجامعية لا تؤهل الخريج أن يكون مدرسا محترفا يتقن التعليم ويملك المهارة".

مشرف اللغة العربية في مدارس الكلية العلمية الإسلامية إبراهيم الدعاس يضيف إلى أسباب ضعف اللغة العربية وتعبيرها لدى الطلبة تدني روح التديّن، بالرغم من ارتباط العربية بالقرآن الكريم، منبها على الهجمة الشرسة التي تواجه الأمة العربية ولغتها.

ويتابع الدعاس أن من أسباب ما يواجه العربية مزاحمة اللغات الأجنبية للعربية وازدواجية التعليم في سن مبكرة وانتشار اللهجات وتعددها، ويظهر ذلك من قبل لغة الإعلانات وإرشادات التوعية في الشوارع.

وحول هذا المظهر السلبي، يرى أستاذ اللسانيات الحديثة المساعد في قسم اللغة العربية بالجامعة الهاشمية الدكتور عيسى برهومة أن من أهم التحديات التي تواجه العربية، الازدواجية في الانتقال بين العامية والفصحى عند الطفل، فضلا عن اعتماد التلقين أسلوباً أساسياً في التدريس؛ إذ يلجأ إليه المعلم ويفضله الطالب، ويصفه برهومة بـ"السيئ والحسن" في آن "فالطالب يحصل على المعلومة ويتلقاها من دون مساءلة أو نقاش والمعلم يقدم المعلومة بسهولة وسرعة".

وينبه برهومة إلى ضرورة اتباع المدارس والمدرسين الأساليب الحديثة في تعليم اللغة التي تعتمد على "الوظيفية"، إذ يتم تجاوز النصوص القديمة التي لا روح فيها ولا إبداع واعتماد النصوص المشرقة، فضلا عن أهمية ابتعاد المنهج عن تكرار الشواهد القديمة التي هي "منتج بشري نحاكمه ونلغيه ونجدده فهو لا يملك صفة القدسيّة"، مشددا على ضرورة تنوع أساليب التدريس واعتمادها الحوار لتنمية ملكة التعبير لدى الطلاب.

ويشدد برهومة على ضرورة وجود دراسات تقيّم مدى صلاحية المنهج لكل مرحلة عمرية وكم يكتسب الطالب حصيلة لغوية وقواعدية.

ويؤكد برهومة أهمية ما قاله ابن خلدون في أن "الاستماع أم المهارات وأم الملكات"، موضحا بصورة ناقدة غرابة أو ندرة رؤية أستاذ اللغة العربية يصطحب معه مسجّلاً للفصل، في حين هو مشهد مألوف بالنسبة لأستاذ اللغة الانجليزية.

بدوره، أستاذ علم النفس والمدرب الدولي في مجال الموارد البشرية باسل الحمد، يعتبر اللغة مكوناً أساسياً من مكونات تكون الطفل المعرفية والعقلية، "فمن خلال اللغة، يستطيع الطفل إدراك العالم والتواصل مع الأفراد الآخرين المكونين لعالمه الاجتماعي"، مضيفا أنه بواسطتها يستطيع "التفكير داخل عقله"، كما يقول تشومسكي.

ويبين الحمد "إننا نفكر من خلال اللغة وبها نوصل أفكارنا للآخرين على اختلاف أنواعها سواء أكانت فطرية مثل؛ لغة الجسد أو مكتسبة مثل؛ اللغة المنطوقة".

ويرجع الحمد أسباب تدني مستوى التعبير باللغة العربية لدى المجتمع العربي عموما والطلاب خصوصا إلى أسباب حضارية لها متخصصوها ومشخصوها، وأخرى لها علاقة بالتطور النفسي الذي لم يجار التطور التقني الموجود في العالم من حولنا فلجأنا إلى "تمسيخ" اللغة استجابة فطرية لحاجة نفسية عميقة بالرد على ما في هذا العالم من تعقيد؛ موضحا "أننا لم نسلك الإطار الصحيح للتطور اللغوي، فهو انعكاس لانحدارنا العام وتبعيتنا النفسية لتفكير آخر وبالتالي للغة أخرى".

وحول تعليم العلوم بغير العربية، يرى برهومة أن ذلك أثّر في "إفقار اللغة ونأْيها عن المعاصرة والحداثة"، مضيفا أن جُلّ العلوم البحثية والأبحاث التي يتم إنتاجها تكتب بلغات أجنبية، وهذا بدوره يثري تلك اللغات من جهة ويضعف العربية من جهة أخرى.

ويؤكد برهومة أن "اللغة تقوى بالاستعمال وتضعف بالإهمال"، فهي قوة مجردة تبث فيها الحياة من خلال استعمالها، مدللا على رأيه بأن "لغة كالعبرية الميتة منذ 2500 عام أصبحت حية تدرس بها العلوم وتكتب بها الأبحاث في الوقت الراهن".

وهذا ما يتفق معه أستاذ الجيولوجيا في الجامعة الأردنية وعضو مجمع اللغة العربية الأردني الدكتور عبدالقادر عابد، إذ ينفي "المقولة المغرضة" التي تذهب إلى "أن اللغة العربية صالحة فقط للعلوم التراثية والإنسانية، أما تعليم العلوم الطبيعية والطبية والهندسية، فهو أجدى باللغات الأجنبية"، مؤكدا أن اللغة العربية "حية وواسعة واشتقاقية وهي ليست لغة أدب وشعر فحسب، بل استطاعت أن تجاري العلوم الأخرى".

ويعزز عابد ما يذهب إليه بترجمة مختلف الكتب وبشتى الموضوعات بدءا من العصر العباسي ومن لغات متعددة منها الفارسية واليونانية والسريالية، حيث نشطت حركة التعريب لـ"تكنولوجيا" ذلك العصر ولم تمض أكثر من خمسين عاما حتى بدأت حركة التأليف "فكتاب ابن سينا "المعادن والآثار العلوية" غني بالمصطلحات في الأرصاد الجوية وعلوم المياه والأمطار وحتى العواصف الرعدية وعلم الرسوبيات وغيرها التي تستخدم حتى اليوم، ومؤلفات أطباء الأندلس تحوي العديد من المسميات الحية للأدوات الطبية".

ويتفق عابد مع برهومة في أن  أزمة اللغة العربية عموما ترجع إلى أنها ما تزال بعيدة عن إنتاج المعرفة وهذا بأثر أبنائها، مبينا أن حل هذه المعضلة يكمن في التوجه نحو "إنتاج مجتمع معرفة"، فهي، بحسبه، لغة إنتاج وليست دائما مستهلكة.

إلى ذلك، يؤكد عابد أنه ألفت وترجمت في العصر الحديث كتب علمية عديدة وحول تجربته الشخصية في ذلك من خلال تعريبه لكتاب الجيولوجيا العامة لفوستر أكد أنه لم يواجه صعوبة تذكر في ذلك في ظل "مطواعية" اللغة العربية التي تتيح النحت وقولبة المصطلحات العلمية الأجنبية بجَرْس عربي، مضيفا أنه يستخدم اللغة العربية الخالصة في مادتين يدرّسهما مع لجوئه أحيانا إلى استخدام الانجليزية في غيرهما لضرورات تقتضيها طبيعتها. مؤكدا أن استيعاب الطلبة بالعربية أفضل.

وحول ما يثار من صعوبة التواصل العلمي للدارسين باللغة العربية في الدراسات العليا في الدول الغربية، صرح عابد "هذه مجرد أوهام، فأنا درست البكالوريوس في جامعة دمشق باللغة العربية وأكملت دراستي في بريطانيا ولم يحتج الأمر مني أكثر من 3 أشهر لاستيعاب اللغة الجديدة علميا واجتماعيا".

من ناحيته، يرى برهومة أن "ثمة تلازما بين اللغة والهوية"، مبينا أن موجة العولمة التي تتجلى في استخدام وسائل الاتصالات المختلفة والانترنت والتي امتدت يدها إلى اللغة العربية بدأت تطمس هويتها، فضلا عن طغيان الإنجليزية والعامية عليها.

ويعرب برهومة عن ألمه لوجود لافتات إعلانية مكتوبة بلغات أجنبية في مجتمع عربي، مبينا أنها تأخذ "شكلا من أشكال التناوب أو الإحلال، فضلا عن اعتبارها موضة"، في حين أنه لم يجد أثناء رحلة قام بها إلى مدريد لافتة واحدة مكتوبة بغير الإسبانية بالرغم من أن 500 مليون سائح من مختلف الجنسيات يزورونها سنويا.

من جهته، يرد الحمد اللجوء إلى كتابة الإعلانات أو اليافطات بغير العربية إلى "ثقافة نفسية تدلل على تدني تقدير الذات من منظور معاكس لها ورغبة في تقمص أنا الآخر والتماهي مع ذاتيته المتفوقة"، مبينا أن العرب "متخلفون" لا لضعف لغتهم، بل "لتخلفهم الحضاري والنفسي"، وبالتالي فهم، كما يقول، منقسمون في لهجاتهم ولم تشكل هذه اللهجات رافعة للغة كما هو مطلوب منها، "فضلا عن أنهم منغرسون في ثقافة الآخر إما تقمصاً غبياً واستعراضياً وإما خوفاً طفولياً جاهلاً بمعنى لغة الآخر كوسيلة للتواصل ليس إلا".

ويعزو برهومة هذا الاهتمام باللغات الأجنبية في مجتمعاتنا إلى الأزمة النفسية التي تتجلى في قضية "الاستلاب"، والتي كتب فيها ابن خلدون وتتجلى في أن "المستلب بحاجة ليخرج من عقدة النقص لتعويضها من خلال التجرد من هويته وثقافته ولغته".

وفي السياق ذاته، دلّل عابد على ذلك بـ"التقصير الواضح في تعريب العلوم من الدول العربية التي لا توجد منها من تزعم أنها حامية للغة العربية، ففرنسا هي حامية الفرنسية كما بريطانيا وأميركا حاميتا الإنجليزية، وكل ما يقال بين الفينة والأخرى حول حماية العربية لا يعدو في كثير منه دغدغة للعواطف بصورة هبات لا تحدث أثراً حقيقياً".

من ناحيته، يشدد أستاذ اللسانيات في جامعة الشرق الأوسط  الدكتور سمير استيتية على ضرورة العمل على وضع "تخطيط لغوي قومي" لنعيد الأمة إلى لسانها العربي، مبينا أن "اللغة العربية جزء من الأمن القومي وأي ثغرة فيها تعد اختراقا لأمنها"، ويدلل على ذلك بتجربة تعليم الفرنسية خارج فرنسا التي ينفق عليها نصف ما ينفق على أمنها القومي.

ويعزو استيتية تراجع مكانة اللغة العربية إلى الترويج للعامية حتى في الأدب والشعر بحجة تقوية الأدب الشعبي، مبينا خطورة ذلك على ضعف اللغة العربية، وأن "اللهجات هي فواصل بين الدول العربية" والترويج لها يضعف اللغة.

ويحمّل استيتية كل فرد مسؤولية ضياع هويته اللغوية، ولحل ما يواجه العربية من تحديات وشدائد يرى أنه مطلوب من وسائل الإعلام على اختلافها الاهتمام باللغة العربية من خلال ما تقدمه من برامج تعزز اللسان العربي ليكون التواصل بلسان فصيح.

ويضيف "على معلم العربية أن يتحدث الفصحى في الفصل وتكون لغة الضاد السليمة  هي اللغة السائدة حوارا وكتابة وتعبيرا، ولا يقف الأمر عند معلم العربية، بل يتعداه ليصل إلى كل معلم بجميع التخصصات لنعيد إلى العربية "عزها الغابر الحاضر"".

من جهته، يشدد برهومة على أهمية تحقيق "الأمن اللغوي" الذي يحفظ للعربية كرامتها، من دون "التخندق" لنحافظ على جذورنا اللغوية والثقافية وننميها، وهذا ما يسمى بـ"التلاقح الثقافي" والذي بدا جليا في التعايش والتواصل والاقتراض اللغوي من خلال المعجم اللغوي الذي يعد "حافظ ذاكرة لأية أمة".

ويوضح برهومة أن للأسرة دورا كبيرا في تعزيز القراءة والمطالعة لدى أبنائها من خلال مكافأتهم على أي تفوق أو نجاح على أي صعيد كان بشراء مختلف الكتب لتشجيعهم على القراءة وأن يكونوا قدوة لهم في ذلك "لأن العزوف عن المطالعة وهجر الكتب من التحديات التي تزيد الفجوة بين العربي ولغته".

[email protected]

التعليق