غورباتشوف في القدس

تم نشره في السبت 11 تموز / يوليو 2009. 10:00 صباحاً
  • غورباتشوف في القدس

10-7

الوف بن

هآرتس

أحد الامور الجديدة التي ادخلها ارييل شارون الى عمل رئيس الوزراء كان التصريح لوسائل الاعلام في بداية الجلسة الاسبوعية: دقيقتان من الزمن الاعلامي النوعي وحيدا امام الكاميرات والميكروفونات من دون مراسلين يثقلون عليه بالاسئلة ومحللين يهزأون به، فقط كلام الزعيم الى الامة، فيما يجلس حوله الوزراء صامتون كأنهم في فيلم، يخشون ان تلتقطهم الكاميرا من زاوية غير لطيفة.

خلفاء شارون تبنوا هذه العادة بحماس، فمن هو السياسي الذي سيتخلى عن الحق في أن يسمع نفسه فقط؟!

يوم الاحد الماضي استغل بنيامين نتنياهو هذه المنصة، كي يطلق تصريحه الاكثر أثرا حتى اليوم: "حققنا اجماعا وطنيا على مفهوم الدولتين للشعبين". وفي خطابه بجامعة بار ايلان، قبل ثلاثة اسابيع من ذلك، وافق نتنياهو على دولة فلسطينية، لكنه كان حذرا في صياغاته وتحدث بانعدام حماسة ظاهر، لكن هذا الاسبوع بدا مغايرا تماما حين تبنى شعار اليسار القديم، بل ووصفه أيضا بانه الانجاز الاهم لحكومته في المائة يوم الاولى.

هذا ليس كل شيء، فسياسيو الليكود غابوا عن خطاب بار ايلان، لكن في جلسة الحكومة انصتوا لنتنياهو وصمتوا باجماع. بيني بيغن، موشيه يعلون، اسرائيل كاتس، ليمور لفنان... لم يسارع أي منهم الى الميكروفون صارخا، كما لم يتفوهوا (بكلمة) ضد نتنياهو بعد الجلسة.

أيضا، دعّم نتنياهو الشعار بخطوات على الارض، بتعاون وزير الدفاع ايهود باراك. إذ رُفع العديد من الحواجز، وبات سفر الفلسطينيين عبر طرقات الضفة الغربية اكثر سهولة. التعاون الامني بين اسرائيل والسلطة الفلسطينية فاق الذرى التي كان وصلها منذ عهد اوسلو، حسب شهادة مسؤولين فلسطينيين كبار. وإذا كان لكلا الطرفين مصلحة في ذلك، كل لأسبابه السياسية، إلا أنه ينبغي القول إن نتنياهو ينفذ على الارض ما وعد به قبل الانتخابات.

كل هذا يثير سؤال: هل يختبئ في مقر الحكومة غورباتشوف الجديد؟ هل يكون نتنياهو، الذي بنى حياته السياسية على معارضته لاتفاقات اوسلو، الدافن الاكبر لمشروع الاستيطان، والمحقق لمشروع التقسيم؟ حتى غورباتشوف لم يفكر في ان اصلاحاته ستدفع الاتحاد السوفييتي الى الانهيار، وأمل فقط في تعزيز شعبية ونجاعة النظام الشيوعي، ولكن ما إن ظهر الشرخ في السور، حتى انتهت القصة.

خصوم نتنياهو، وعلى رأسهم زعيمة المعارضة تسيبي ليفني، مقتنعون بأن رئيس الوزراء "ليس هناك بعد"، وانه يقول بـ"الدولتين" ولكنه لا يقصد ذلك.

ليفني ترى في الدولة الفلسطينية مصلحة اسرائيلية، فيما يحاول نتنياهو، برأيها، التملص من القرار الحاسم فقط. مع ذلك، لا يمكن وصف تصريحات نتنياهو بأنها "عابثة". إذ لا يمكنه التراجع عن (مفهوم) "دولتين لشعبين"، كما أن له مصلحة سياسية واضحة في السير بهذا المسار الذي يضعه في موقع الزعيم الوطني ذي المواقف المجمع عليها.

هاكم تلميحا آخر على أن نتنياهو يستعد لمسيرة سياسية عميقة الاثر: في خطاب بار ايلان تحدث عن الضمانات الامنية التي سيطلبها من الاسرة الدولية، وعلى رأسها الولايات المتحدة، ما يعني تبنيه "وثيقة النقاط الثماني" التي طرحها سلفه ايهود اولمرت على ادارة بوش.

النقاط بحد ذاتها تافهة جدا: تجريد الدولة الفلسطينية بشكل مطلق (من السلاح)، مراقبون اجانب على الحدود مع الاردن، إشراف أوروبي على معبر رفح، سيطرة اسرائيلية على المجال الجوي وفي تخصيص موجات البث.

وقد طرح إيهود باراك مطالب مشابهة في كامب ديفيد قبل تسع سنوات، أعاد اولمرت صياغتها. وحسب شهادة رجال الأخير، نال عليها موافقة أميركية. ويريد نتنياهو أن يتلقى من اوباما هذه الضمانات خطيا كي يضمن تمتع اسرائيل بشرعية دولية لمخاوفها الامنية من اقامة الدولة الفلسطينية.

أعظم من بن غوريون

اذا تبنى نتنياهو البنود الامنية في التسوية الدائمة التي خطط لها باراك واولمرت في كامب ديفيد وفي انابوليس، فلا يمكنه التنكر لبنود اخرى فيها، وعلى رأسها الانسحاب من الجزء الأعظم من الضفة الغربية، و(بالتالي) اخلاء أكثرية المستوطنات. وليس هناك من يعرف أكثر من نتنياهو أنه في الحياة السياسية لا توجد وجبات بالمجان، فهو الذي صاغ شعار "اذا اعطوا سيأخذون". ومن ثم، فإن من يريد أن يتلقى ضمانات امنية ينبغي عليه أن يعطي مناطق... الكثير من المناطق.

من وجهة نظر نتنياهو، فإن تبني فكرة الدولتين أنهى مغزى وجود كديما في المعارضة. والجهد الاساس له في المائة يوم التالية سيكون تحطيم حزب ليفني، وسحب شاؤول موفاز ومؤيديه منه. واذا ما أطلقنا العنان لخيالنا، فيمكننا تصور خطوة اكثر جرأة، وهي "الانفجار المعاكس"، أي اعادة توحيد كديما والليكود، مضافا اليهما بضع نواب من "اسرائيل بيتنا" مشكوك في مستقبله. وهكذا، يمكن خلق حزب اغلبية من 62 – 63 نائبا، وبضرية واحدة حل مشاكل "الحكم" والظهور بمظهر اعظم من بن غوريون.

وفي اللحظة التي يؤيد فيها الليكود دولة فلسطينية، فإنه لا يوجد سبب ايديولوجي حقيقي يمنع مثل هذا الاتحاد، فقط السبب شخصي. وفي محيط نتنياهو يقولون انه لا توجد لديه خطط كهذه.

افيغدور ليبرمان ألمح هذا الاسبوع إلى ان ايامه في وزارة الخارجية معدودة، مبيناً في مؤتمر صحافي انه بصفته مستوطنا لا يمكنه الإنخراط في مفاوضات على المستوطنات بسبب "تضارب المصالح". إذن، من اجل ماذا يجلس هناك؟

الاغلب ان ليبرمان فهم بان نتنياهو وجه له ركلة عندما اعطى اسنادا هادئا لانتقاد الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي لليبرمان، وحين اطلق الى المهمات السياسية المهمة كلا من باراك وشمعون بيرس. وامكانية تقديم لائحة اتهام ضد ليبرمان وحزبه قريبا يخرج في اعقابها من الحكومة، زادت التخمينات بشأن أن ليفني وكديما في طريقهما للحلول محله.

ليفني تصر على أنه ليس هناك شيء كهذا ولا سبب له، كونها لا تؤمن بجدية نتنياهو. وهي تؤمن فقط أنه بسبب إصرارها على البقاء خارج الحكومة، اضطر نتنياهو إلى قبول مبدأ الدولتين بدل أن يختبىء وراءها. ولكن يمكن التقدير بانه اذا ما خرج "اسرائيل بيتنا" من الائتلاف، فان ليفني ايضا ستعيد النظر في معارضتها.

على "نتنياهو الجديد" أن يزيد قلقه من وسائل الاعلام. إذ من الصعب التصديق، لكن الزعيم الشجاع الذي يرى نفسه مثل تشرتشل، يفقد ما تبقى له من ثقة بالنفس حين يكتب احد ما ضده في صحيفة، تماما مثل اولمرت الذين هاجم "زرازير القلم" في خطابه الوداعي.

تصريحه في مجلس الوزراء هذا الاسبوع بدأه نتنياهو بالشكوى من وسائل الاعلام التي لا تثني عليه، وبلغ الأمر ذروته في استعراض لمساعديه الذين اطلقوا على عجل لصد انتقادات كديما وعرض "انجازات المائة يوم الاولى". وقد نجحوا في أن يظهروا فقط التشوش، والحرج والنزاعات في مكتب رئيس الوزراء.

ينبغي القول لنتنياهو: اهدأ... اذكر الدرس الاول في التسويق... لا تتهم المشترين الذين لا يحبون المنتج، بل حسن المنتج. إذ لا يمكن الدفاع في وسائل الاعلام عن سلوك متناثر وعديم الادارة. أيضا، محظور اخفاء المعلومات عن المساعدين والناطقين وزرع الشقاق بينهم. واذا قمت بخطوات كبيرة، سيدعمونك، (أما) اذا انشغلت بالهراء، فستتلقى النقد.

كان لدى اولمرت المكتب الاكثر تنظيما وولاء، قدوة في السلوك الطيب، وهذا لم يساعده في أن يكون شعبيا، او ان يجلب السلام.

التعليق