"دكان شحاتة": فوضى يخلقها انهيار الحصانة الاقتصادية

تم نشره في الثلاثاء 7 تموز / يوليو 2009. 10:00 صباحاً
  • "دكان شحاتة": فوضى يخلقها انهيار الحصانة الاقتصادية

خالد يوسف يزيح ثوب الإغراء عن هيفاء وهبي ويقدمها نجمة

 

موفق ملكاوي

عمان - لا شيء يأتي مصادفة. كل حديث له إحالاته الواقعية، وكل شخصية لها جذورها الموجودة فعلا في المجتمع، إذ أن الشخصيات ما هي سوى رموز يمكن إماطة الحجاب عنها بسهولة كبيرة، وردها إلى أصولها.

ذلك ما يخبر به فيلم خالد يوسف الجديد "دكان شحاتة"، الذي راهن فيه على كل شيء؛ بدءا من نجومه الجدد وإمكانات التقديم لهم على متن الفن السابع، وليس انتهاء بالقصة نفسها، التي حملت هي الأخرى رهانا من نوع آخر: أسطرة الواقع، كما لو أنه يستمد أجواءه من روايات غابرييل غارسيا ماركيز بما تحتويه من غرائبية وعجائبية وواقعية سحرية.

منذ مشاهده الأولى، يؤكد الفيلم بأنه مختلف عن كثير من الأفلام التي لجأت إلى الواقع و"العشوائيات"، فقد بدأ بـ "رزنامة صحافية" استعرض خلالها أهم الأحداث التي جرت في مصر والعالم العربي منذ سبعينيات القرن الماضي إلى اليوم.

الفيلم يحكي قصة عائلة يلعب فيها دور الأب النجم محمود حميدة، الذي يفرح بولادة الطفل الأصغر في العائلة "شحاتة"، والذي تموت أمه بعد لحظات من ولادته، لينضاف إلى أسرة مكونة من ولدين وبنت من زواج سابق، كانت أمهم فرّت مع رجل آخر.

وتبدو ولادة "شحاتة" لحظة مصيرية في حياة الأسرة التي تتشكل فيها حالة جديدة متأسسة على الاستقطاب، ففي حين تتقبل الأخت أخاها الجديد، فإن الأخوين الآخرين يريان فيه منافسا قويا لسلطتهما الذكورية، فيرفضانه مع كل ما يمثله.

يبدأ الفيلم بإعلان نبأ اغتيال الرئيس المصري السابق محمد أنور السادات، متزامنا مع ولادة الطفل شحاتة، وهو ما قد يشي بأن ثمة انفراجا دراميا يمكن للفيلم أن يتأسس عليه، إلا أن المجريات تأتي على النقيض تماما، فالأمور سوف تزداد من سيئ إلى أسوأ كلما ركض الزمن فينا، ليصل إلى انفجار كلي لا يمكن تكهّن حجمه إن لم تتوقف "آلة الدمار" عن دورانها.

"آلة الدمار" التي يؤشر عليها الفيلم، هي بالتأكيد فقدان "الامتيازات الاشتراكية" التي عاش العالم في كنفها سنوات طويلة. وبالرغم من أن الخطاب المباشر للفيلم "المتن" يروي قصة اجتماعية تتقاطع فيها النتائج بالأسباب، إلا أن المسكوت عنه "الهامش" يروي قصة "سقوط الحضارة"، والتحول إلى عصر "رأس المال المتوحش"، الذي يؤسس مملكته الخاصة على مخلفات أحلام البشرية، بعيدا عن معطيات فلسفية معينة تحاول أن تؤطر أبعادا بين "القبيح والحسن".

الفيلم تدور أحداثه في حقبة الرئيس محمد حسني مبارك الذي يؤدي القسم واعدا بتحديد الفترة الزمنية للرئيس بولايتين لا غير، ويبدو المخرج مسكونا بفترة "المدّ الناصري" التي اجتاحت العالم العربي خلال فترة منتصف القرن الماضي، وما رافقها من إصلاحات اجتماعية، انعكست سياسيا، وصداها الإعلامي في الشارع العربي.

ولعل ثيمة الإصلاح الزراعي التي روّجت لها الثورة الناصرية، هي الثيمة الأساس التي تمحور عليها الفيلم، حين أعطى "البيه" الذي يعمل لحسابه الأب قطعة الأرض للعائلة، ما ساهم في تشكل ملكية خاصة لديها، رافعة إياها من طبقة "البروليتاريا" إلى طبقة "المُلاك"، ليتشكل بعد ذلك أول صراع حقيقي داخل العائلة الواحدة، يتأسس على كيفية السيطرة على الانتاج، وبالتالي السيطرة على رأس المال، ما يقود إلى السيطرة على السلطة والقرار.

وإذا كان خالد يوسف أراد لفيلمه أن ينحو منحى اجتماعيا في محتواه الخارجي المتأسس على الصراع الداخلي في العائلة، إلا أن الأحداث نفسها، والصور المجاورة للحدث المتسارع تخونه، وتفشي حقيقة الفيلم الذي يحكي قصة وطن عربي بأكمله يعيش حالة فراغ سيادي لا يمنحه سوى سطر فراغ واحد للتوقيع على إملاءات يجترحها الآخرون، ما يقود في النهاية إلى فوضى عارمة تؤسس لعنف مجتمعي مبني على الارتداد إلى الأصول الإثنية أو الدينية، أو حتى الطبقية.

إن تأسيس الدكان بمنحه من صاحب الفيلا هو "امتداد لمفهوم الإصلاح الزراعي الذي جاء به عبد الناصر مع ثورة يوليو"، أما بيعها بعد وفاة الأب، فهو يرمز إلى الدخول في عصر الانفتاح والخصخصة، وفقدان السيادة الوطنية.

وإذا اعتبرنا أن الشخصيات الدرامية ما هي في الحقيقة إلا رموز لشخصيات واقعية، فسوف يتضح أن الأب وصاحب الفيلا يمثلان الحقبة الناصرية، أما الابنان من الزواج الأول، فيمثلان حقبتين هما امتداد لبعضهما بعضا: حقبة محمد أنور السادات، وحقبة محمد حسني مبارك، ولعل في هذا التصنيف ما يمثل خطورة كبيرة في الإسقاط على مجريات الفيلم، فرغم أن الابن الأكبر هو الذي بدأ التمرد على سلطة الأب "الحقبة الساداتية"، إلا أنه تعامل ببعض العاطفة مع شحاتة، في حين أن الابن الثاني بما يمثله من "حقبة مبارك"، لجأ إلى قتل شحاتة، الذي يمثل الشعب الطيب والمقهور، والقضاء عليه تماما، في إشارة واضحة إلى أن الشعب قتل في الحقيقة جراء سياسات الانفتاح غير المدروسة، والتي تنفذ في الغالب لمصلحة ضغوطات خارجية، أو لأهواء شخصية.

المخرج خالد يوسف في هذا الفيلم ليس لاعبا بـ "البيضة والحجر"، على حد التعبير المصري الدارج الذي يصف الدجالين، بل هو مخرج عبقري ذو بصيرة واضحة المدخلات والمخرجات، استطاع أن يقدم واقعا عشناه على مدار زهاء ثلاثين عاما، ليعطي نتائج كارثية تتحقق خلال زمن قصير، وتؤشر على معطيات سوف نشهدها لا محالة، إن استمر الوضع على ما هو عليه.

قد يكون المخرج طوباويا في نظرته إلى الحقبة الناصرية التي ميزت فترة طويلة من الراهن العربي والمصري، ولكن هل كان كذلك طوال فترة الفيلم وهو يتناول حقبتين أخريين؟

الجواب سوف يأتي بالنفي لا محالة، فقد استطاع المخرج تشريح حقبتي السادات ومبارك؛ اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا، ووضع نتائجهما الكارثية أمام المشاهد، إضافة إلى تبيان النتائج المستقبلية التي سوف تتأتى من الانسياق وراء السياسات المعلنة لهاتين الحقبتين.

ويسجل للمخرج كذلك أنه استطاع أن يقدم لنجم يمتلك إمكانات كبيرة في الأداء، هو عمرو سعد الذي قام بدور "شحاتة"، وهو الوجه الذي لابدّ للمشاهد أن يرى فيه ملامح من النجم الراحل أحمد زكي؛ بملامحه وأدائه.

لكن الإنجاز الأهم للمخرج على هذا الصعيد، هو مقدرته على إزاحة ثوب الإغراء عن المطربة هيفاء وهبي، ليقدمها نجمة سينمائية محتملة، بعدما أمسكت بخيط دورها، وقدمته بصورة جيدة، وهي التي رمزت في دورها إلى مصر؛ الطيبة والمقهورة والمغتصبة، فأدته بعيدا عن النمطية التي شاهدناها تؤدي بها كليباتها غير المدروسة، والتي وصلت في غير واحد منها إلى حد الابتذال.

إلا أن المخرج في هذا الفيلم، أمسك بروح الأداء لدى هيفاء وهبي، واستطاع أن يحركها أمام كاميرته بالطريقة التي تخدم فكرته من الفيلم، وليقدمها بالتالي نجمة واعدة، لن تندم على أنها اتخذت قرارا بالمشاركة في هذا الفيلم.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »شكرا للأستاذ موفق ملكاوي (منى حسن والدة الصحافية غادة الشيخ)

    الأربعاء 8 تموز / يوليو 2009.
    أشكر الأستاذ الذي عبر بكتابته عما يجول في ذهني من مجموعة ردود الأفعال التي تجمعت هناك اثر مشاهدتي للفيلم الذي أنصف فيه الصحافي من خلال موضوعه قيمة قصة ذلك الفيلم الذي أتعجب حتى هذه اللحظة للهجوم الذي شن عليه، وألفت نظر الكاتب الى أنني ولو اول مرة في حياتي أشاهد نفس الفيلم ثلاثة مرات متتالية من شدة اعجابي به وبحساسية القضايا الامباشرة التي طرحها خصوصا مشهد اخفاء شرخ الجدار بواسطة صورة الزعيم العظيم الراحل جمال عبد الناصر
  • »راي (H IBA)

    الأربعاء 8 تموز / يوليو 2009.
    بصراحة لا اعتقد ان المخرج نفسه بعرف عن هذه الحقب او كان قاصد اي شيء منها و جدا جدا استغرب من رايك بانه ازاح عن هيفا ثوب الاغراء !!!!!!!!!! الا اذا كنت تعتقد بان جميع المشاهدالتي قامت بها هيف وغيرها كانت في خدمة الفلم والحقب التي تكلمت عنها.
    انا لدي راي خاص اتجاه خالد يوسف الذي لا يروج لافلامه الا عن طريق مشاهد غير لائقة وللاسف هذا هو سبب شهرته هو وافلامه
  • »شكرا للأستاذ موفق ملكاوي (منى حسن والدة الصحافية غادة الشيخ)

    الثلاثاء 7 تموز / يوليو 2009.
    أشكر الأستاذ الذي عبر بكتابته عما يجول في ذهني من مجموعة ردود الأفعال التي تجمعت هناك اثر مشاهدتي للفيلم الذي أنصف فيه الصحافي من خلال موضوعه قيمة قصة ذلك الفيلم الذي أتعجب حتى هذه اللحظة للهجوم الذي شن عليه، وألفت نظر الكاتب الى أنني ولو اول مرة في حياتي أشاهد نفس الفيلم ثلاثة مرات متتالية من شدة اعجابي به وبحساسية القضايا الامباشرة التي طرحها خصوصا مشهد اخفاء شرخ الجدار بواسطة صورة الزعيم العظيم الراحل جمال عبد الناصر
  • »استنتاجات (انجل)

    الثلاثاء 7 تموز / يوليو 2009.
    انا بصراحة ما شفت اشي من اللي حكيت عنه لا اسقاطات ولا حقبة ناصرية ولا حقبة الديناصورات ما بعرف كيف حللت بهالطريقة انا اللي بعرفه انه خالد يوسف مخرج يوظف الاغراء في كل اعماله يعني ما رح يكون عند نظرة زي اللي فهمتها انت هادا رايي
  • »راي (H IBA)

    الثلاثاء 7 تموز / يوليو 2009.
    بصراحة لا اعتقد ان المخرج نفسه بعرف عن هذه الحقب او كان قاصد اي شيء منها و جدا جدا استغرب من رايك بانه ازاح عن هيفا ثوب الاغراء !!!!!!!!!! الا اذا كنت تعتقد بان جميع المشاهدالتي قامت بها هيف وغيرها كانت في خدمة الفلم والحقب التي تكلمت عنها.
    انا لدي راي خاص اتجاه خالد يوسف الذي لا يروج لافلامه الا عن طريق مشاهد غير لائقة وللاسف هذا هو سبب شهرته هو وافلامه
  • »استنتاجات (انجل)

    الثلاثاء 7 تموز / يوليو 2009.
    انا بصراحة ما شفت اشي من اللي حكيت عنه لا اسقاطات ولا حقبة ناصرية ولا حقبة الديناصورات ما بعرف كيف حللت بهالطريقة انا اللي بعرفه انه خالد يوسف مخرج يوظف الاغراء في كل اعماله يعني ما رح يكون عند نظرة زي اللي فهمتها انت هادا رايي