أطفال وشباب قرى "أس أو أس" يطالبون بتمكينهم من ممارسة حياتهم الطبيعية

تم نشره في الثلاثاء 23 حزيران / يونيو 2009. 09:00 صباحاً
  • أطفال وشباب قرى "أس أو أس" يطالبون بتمكينهم من ممارسة حياتهم الطبيعية

 دراسة تستطلع نظرة المجتمع الخارجي بشأن القرى

عمان - "كثيرا ما لاحظت أفرادا من المجتمع المحلي ينظرون من دون أن يروا، ويسمعون من دون أن يستمعوا. وبفضلهم ألهمني الله أن أصبح صلة الوصل بين "نحن وهم" ليكون ممكنا رفع الوعي العام وسد الفجوة بين الجانبين".

هذه بعض من أسطر تضمنتها دراسة بعنوان "الفلسفة بين الجانبين: نحن وهم"، قدمها جمال عزالدين موسى وعمره 15 عاما من قرية الأطفال "أس أو أس" (SOS) في عمان، آملا في تحقيق تغيير في نظرة المجتمع التي تحمل الكثير من السلبية تجاه أطفال وشباب هذه القرى.

"جاءت الدراسة محاكاة لما كنت أعانيه في المدرسة ونتاج تجارب عايشتها سابقا"، يقول جمال، مؤكدا أنه صدم بشدة لتعرضه لمواقف أثرت في حياته ونفسيته.

ويروي جمال الذي التحق بقرية الأطفال في طبربور وعمره لم يتجاوز الثمانية أشهر "في أحد الأيام كانت المعلمة تسأل الطلبة عن وظائف آبائهم، فأتى دوري وسألتني ماذا يعمل والدك؟ فتأملت بعمق وقلت لنفسي ماذا أقول لها؟! هل أكذب عليها لأحفظ ماء وجهي أمام طلبة الصف؟ أم أقول لها الحقيقة؟ ودخلت صراعا عميقا مع نفسي، وقررت أن أقول لها في النهاية أنّ والدي متوفيان".

ويتابع "قالت المعلمة يعني أنك يتيم. وتعالت صيحات الطلبة وهم يسألون ويشيرون إليّ: هل أنت يتيم؟ أين أبوك وأين أمك؟ وكيف ماتوا؟ كم من المضايقات أتتني من زملائي في الصف، فمنهم من أتاني بتبرعات وكنت أرفضها وأقول لهم: لست بحاجة إلى تبرعاتكم وأنا أشبهكم ومثلكم. ولكنهم كانوا لا يصدقون ويكثرون التحدث عني، وعندما كنت أقترب من أحد يبتعد عني".

ويضيف "حاولت أن أكوّن صداقات عديدة، لكنها كانت سطحية ومعظمها يفشل. وكانوا يقولون لي: "نحن لا نصاحب أيتاما". وبعض الأهالي كانوا يأتون إلى المدرسة ويحتجون قائلين: لا نريد أن يجلس طفلنا بجانب طفل يتيم بالصف".

ماجدة المومني (أم جمال) تؤكد أن الكآبة والحزن بديا واضحين على وجه جمال مع بداية دخوله المدرسة في الصف الأول، لافتة إلى أنه كثيرا ما كان يلجأ إلى البكاء في غرفته. وأنها بالتعاون مع المرشدة النفسية في القرية كانت تحاول التخفيف عنه قدر الإمكان.

وتنوه أم جمال التي ترعى حاليا في بيتها في القرية ثمانية أطفال أكبرهم جمال، إلى أن العديد من أطفال قرى "أس أو أس" يتراجعون في دراستهم أو يكرهون الذهاب إلى المدرسة، خاصة في المرحلة الابتدائية، كردود فعل لما يعانونه داخل مدارسهم نتيجة بعض الممارسات الخاطئة والسلبية تجاههم.

مديرة جمعية قرى الأطفال "أس أو أس" الأردنية لينا مولا التي تركز على أهمية الدمج المجتمعي، تشير إلى أن ثقافة عدد كبير من أفراد مجتمعنا لا تتقبل الفئات الأقل حظا ومجهولي النسب، وإن صعوبات أكبر تواجه شباب القرى بعد تخرجهم من بيوتها وانخراطهم في المجتمع الخارجي.

وتدعو مولا إلى الأخذ بيد أطفال وشباب القرى لتمكينهم من ممارسة حياتهم الطبيعية، وبناء مستقبل مناسب يضمن لهم حياة كريمة؛ مؤكدة أنه من غير المنطقي معاقبة أطفال على ذنب لم يرتكبوه.

ويلفت جمال إلى أن معاناته في المدرسة لم يكن مصدرها، فقط، زملاءه أو ذويهم، بل شملت بعض المدرسين ومديري مدارس حكومية وخاصة.

ويوضح أن دراسته "الفلسفة بين الجانبين: نحن وهم" شملت أربع مراحل، مبينا أن مجموعة من أطفال قريته أجابوا عن أسئلة تضمنها استبيان في المرحلة الأولى حول نظرة أفراد المجتمع الخارجي إليهم والشعور نحوهم. وفي المرحلة الثانية أجابت مجموعة من طلبة إحدى المدارس عن أسئلة الاستبيان الثاني التي تضمنت نظرتهم لأطفال القرى.

وفي المرحلة الثالثة زار القرية أكثر من مئة طالب من المدرسة ذاتها بعد دعوة وجهت إلى إدارة المدرسة من قبل القرى.

جمال الذي يشير إلى أن الدراسة حققت نتائج ايجابية جدا، يبين أن الطلبة الذين زاروا القرى اجابوا عن أسئلة الاستبيان الثالث في المرحلة الرابعة من الدراسة التي شملت آراءهم وانطباعاتهم حول القرى بعد زيارتهم الميدانية.

"ساعدت الزيارة في إحداث تغيير كبير في مفاهيم الطلبة ومواقفهم من أطفال القرية"، بحسب جمال، لافتا إلى أن الطلبة قبل الزيارة كانوا لا يدركون أن أطفال القرى ينشأون وسط عائلة، ويتلقون رعاية خاصة من أمهاتهم، ويشعرون بالانتماء الأسري الحقيقي، وأن العديد من مداخلات الطلبة عبرت عن الإعجاب الكبير بالقرى من حيث التنظيم والبناء وتوفر الملاعب وغيرها.

ويدعو جمال في ختام دراسته إلى تنظيم حملات إعلامية موسعة لرفع الوعي العام، ترافقها زيارات ميدانية لمشاريع قرى الأطفال للاطلاع عن كثب على واقع هذه التجربة ومضمونها، والتعايش مع هوية القرى والتعامل معها كجزء طبيعي من حياة الأطفال.

ويعتقد جمال أن الحياة دائمة التغيير، متمنيا أن تصل دراسته إلى كل مدرسة في المملكة وأن يتخصص في العلوم السياسية والعلاقات الدولية في المستقبل، وأن يبقى على علاقة مستمرة مع عائلته الكبيرة في القرية مؤكدا ارتباطه القوي بأمه ماجدة.

وتبين مديرة الجمعية توفر نظام التكفّل في القرى، والذي يتيح للأفراد والمؤسسات كفالة طفل أو طفلة أو شاب أو شابة أو بيت عائلي من بيوت القرى لقاء مبلغ رمزي نصف سنوي أو سنوي، معبرة عن شكرها العميق لكل من يسهم في دعم أطفال قرى "أس أو أس" الأردنية.

يشار إلى أنه تخرج من بيوت قرى الأطفال الأردنية منذ العام 1996 وحتى الآن 162 شابا وشابة، منهم من تزوج وعمل في مهن مختلفة مثل الفندقة والسياحة والصيدلة والتمريض والسكرتارية وغيرها. ويوجد في الأردن ثلاثة قرى للأطفال في عمان والعقبة وإربد.

التعليق