مشاريع ثقافية متناسلة في عِقد محلي ذهبي ومختلف

تم نشره في الخميس 11 حزيران / يونيو 2009. 10:00 صباحاً
  • مشاريع ثقافية متناسلة في عِقد محلي ذهبي ومختلف

 

محمد جميل خضر

عمّان- خلال مسيرة بناء ونماء ممتدة على مساحة 63 عاماً، لم يجرِ تبني مشاريع ثقافية محلية، بالحجم والكم والنوع الذي تحقق في عشرة أعوام ماضية.

فبعد مشاريع التفرغ الإبداعي ومكتبة الأسرة والمدن الثقافية الرائدة، يجري الحديث في أروقة وزارة الثقافة حالياً عن مشاريع تحمل في طياتها معاني الجِدة والاختلاف.

ومن تلك المشاريع المنتظرة: مشروع "أقرأ وأستمتع" ومشروع "قرية وحكاية".

وتنسج عبر مشروع "حكاية قرية" أو "بلدة وحكاية"، إذ ما يزال اسم المشروع في مرحلة النقاش المفتوح، كل بلدة أردنية حكايتها، وتعيد تدوين تاريخها الشفوي، وتُعرِّف الناس بأدوات الزراعة والعمل فيها، وأساطيرها، وأزيائها التراثية، وأغنياتها، وتراثها من الزجل والسامر والهجيني، وأعلامها، وعشائرها، وقبائلها، وما إلى ذلك، وصولاً إلى تأسيس حركة متحفية وطنية شاملة.

وتهدف وزارة الثقافة، بحسب وزيرها د. صبري الربيحات في حديث مع "الغد"، من خلال مشروع "أقرأ وأستمتع"، إلى حضّ أفراد الأسرة جميعهم على الاستمتاع بالاطلاع والقراءة، وذلك عن طريق عقد سلسلة ندوات وورش عمل، تخاطب مختلف الفئات العمرية لأفراد الأسرة الأردنية، وتُعرِّفها على آليات فهم المعلومة المقروءة والاستمتاع بها، وحثّها على التفاعل مع ما تقرأ إيجابياً. وأشار الربيحات إلى أن هذا المشروع لن يتعارض مع مشروع "مكتبة الأسرة" القائم، بل سيكون "موازياً ومكمِّلاً له".

ويصل الحراك الثقافي المحلي ذروته العام الحالي، مع ثلاثة مشاريع ضخمة ومتواصلة على مدى أيام العام وأشهره: احتفالية الأردن بالقدس عاصمة للثقافة العربية، احتفالية الكرك مدينة للثقافة الأردنية ومهرجان الأردن.

"ها هي الثقافة الأردنية، والمثقفون الأردنيون، يطلون عليك وأنت على بعد قبلة من السلط، ووردة من إربد، وبحة من شيحان والشراة.. ها هي تطل عليك وهي تعلم أن لا فرق بين ثرى الأردن وحجارة فلسطين.. الأردن الذي ما كان لملوكه حلماً أكبر من أن تكون القدس عاصمة موحدة للأمة.

ها هم الأردنيون يحملون معكم هذا المشروع الثقافي ويمضون كتفا بكتف لنشر رسالة القدس بيننا، وفي جنبات العالم الأرحب، لتدرك الثقافات الإنسانية أن القدس روح، وكيان، وتاريخ، وإنسان حمل المحبة، وأضاء الشموع، واستوعب العالم ومده بالقيم، والفكر، والأمل".

بهذه الكلمات مندوبا عن رئيس الوزراء، أعلن وزير الثقافة د. صبري الربيحات في 11 نيسان (إبريل) الماضي، في مدرج الحسن بن طلال في الجامعة الأردنية، وبحضور وزيرة الثقافة الفلسطينية تهاني أبو دقة وعدد من الأعيان والنواب والوزراء والمثقفين افتتاح فعاليات القدس عاصمة للثقافة العربية 2009.

وفي الاحتفالية الأردنية الخاصة بالقدس، فعاليات كثيرة، وممتدة حتى نهاية العام، وفيها ندوات، وأمسيات، وإصدار كتب، وإنتاج أفلام وثائقية، وندوات، وأسابيع ثقافية، ونشرة دورية وفعاليات أخرى.

ملف متنوع ونوعي ومزدحم، ومستند إلى ميزانية معقولة (حوالي ثلاثة أرباع المليون دينار)، للاحتفال بالقدس والاحتفاء بها.

الملف الأردني الخاص ببيت المقدس، تحصن بجملة من الحيثيات التي تحقق خصوصية في سياق العلاقة الأردنية الفلسطينية، ومن بين تلك الحيثيات المكانة الاستثنائية للقدس، خصوصاً، ما يتعلق منها بالبلدة القديمة داخل الأسوار، عند الهاشميين، وما قدموه كابراً عن كابر لها.

وزير الثقافة أورد في هذا السياق أن الشريف الحسين بن علي مدفون فيها، وابنه الملك عبد الله الأول ابن الحسين استشهد أثناء خروجه من المسجد الأقصى بعد تأديته الصلاة فيه.

وتحدث في سياق متواصل عن أواصر قربى لا شبيه لها بين الشعبين الأردني والفلسطيني، وتذكر بسالة الجنود الأردنيين في الذود عنها وحماية مقدساتها، وكيف اختلط دمهم مع حجارة أسوارها.

وعليه، يتميّز الملف الأردني عن سواه من الملفات العربية المعنية بالقدس في عامها العربي، بالتنوع، وبالمساعي الجادة للتواصل خلاله مع الأشقاء الفلسطينيين في مناطق السلطة في رام الله وبيت لحم ونابلس حتى أقرب نقطة تحت أسوار المدينة المحاصرة بالجدار العازل، والجند المدججين بالسلاح والأوامر الصارمة.

ومن بين الفعاليات التي أوردها وزير الثقافة أسبوع أردني فلسطيني، يقام على وجبتين، واحدة هنا في عمّان، وأخرى في فلسطين، إذ تجري الاتصالات، وتتواصل المساعي الحثيثة أن يتسنى للمشاركين من الأردن في الأسبوع في شقّه الفلسطيني أن يدخلوا القدس، عبر ترتيبات ربما ثلاثية أو ثنائية.

وفي أجندة عام القدس أربعة مؤتمرات يعقد أولها في تشرين الأول (أكتوبر) المقبل: مؤتمر "القدس تراث حضاري"، ملتقى "الأردن والقدس"، ملتقى "القدس في عيون الرحالة العرب والأجانب" ومؤتمر القدس الدولي. وتسع ندوات: جهود الدولة الأردنية في الحفاظ على المقدسات، الحياة العلمية والثقافية في القدس قديماً وحديثاً، العمارة المقدسية وجماليات قبة الصخرة، الدور الشعبي ودور مؤسسات المجتمع المدني في دعم عروبة القدس، الاستيطان في القدس، القدس عبر التاريخ، المؤامرات على القدس- الحركة الصهيونية، المزاعم اليهودية التوراتية حول القدس وأهمية سجلات المحاكم الشرعية والوثائق العثمانية في إثبات ملكية الفلسطينيين لأراضي القدس. وخمس ورش عمل: ملامح الحياة الراهنة لأهالي القدس (الطفولة، التعليم، المرأة، البطالة)، القدس والمنظمات الإقليمية والدولية، نحو إنشاء صندوق عربي للقدس، واجبنا نحو القدس والقدس في الآداب والفنون قديما وحديثا: الشعر، الرواية، المسرح، القصة القصيرة والفن التشكيلي. و16 أمسية شعرية، وأقل منها بواحدة أمسيات فنية موسيقية غنائية تراثية، ويقام في سياق متواصل مِهرجانان، واحد منهما مِهرجان المسرح الأردني الذي يحمل هذا العام اسم دورة القدس.

وهناك معارض كتب وأخرى تشكيلية وثالثة فوتوغرافية، ومسابقات في 20 حقلاً منوعاً.

ومن الأنشطة التي تحمل صفة البقاء: دعم اللجنة الأردنية العليا للقدس عاصمة للثقافة العربية 2009، إصدار كتب متعلقة بمدينة السلام وعاصمة الخلود، وكذلك إنتاج أفلام وثائقية حول الموضوع نفسه، وبموازنات معقولة ومؤهلة لإنتاج هكذا أفلام تكون كلف إنتاجها (عادة) عالية.

كما صدرت نشرة شهرية عن القدس، وإنشاء موقع إلكتروني خاص باحتفالية الأردن بالقدس، هو من الأهداف التي تسعى المشاركة الأردنية بالمناسبة إلى تحقيقها.

وتتعاون وزارة الثقافة، بحسب وزيرها مع مؤسسة الإذاعة والتلفزيون، والإذاعات والمحطات الفضائية الأخرى لتنظيم فعاليات خاصة بهذه المناسبة.

الملف الأردني المعني بالمناسبة، يسعى أثناء حراكه إلى تحقيق أهداف بعينها، والتركيز على ستة أبعاد: دينية وقومية ووطنية وتاريخية حضارية وسياسية إضافة إلى البعد الاقتصادي والاجتماعي.

ومن الأهداف التي أوردها الوزير، وتسعى احتفالية القدس إلى تحقيقها:

"حماية التراث الثقافي والديني الإسلامي والمسيحي لمدينة القدس، ترسيخ عروبة القدس، التصدي لمحاولات إسرائيل تهويد القدس وتشويه تاريخها وتهجير أبنائها، إبراز دور الأردن في الحفاظ على هوية القدس والدفاع عنها وإبقاء قضية القدس حية في ضمير أبناء أمتينا العربية والإسلامية، والتعريف بها في المحافل الإقليمية والدولية".

وعلى صعيد احتفالية الكرك مدينة للثقافة الأردنية، فإن من الملامح الرئيسية لتلك المناسبة، تركيزها على تأسيس بنية تحتية، كبديل عن المظاهر الاحتفالية التي تنتهي بانتهاء المناسبة، خلق حالة تفاعل جماهيري حقيقية مع فكرة المدن الثقافية، جعل الاحتفالية فرصة لكي تعيد كل مدينة أردنية قراءة منجزها، والالتفات إلى مبدعيها في الحقول جميعها.

وتبقى التوأمة التي تحققت خلال احتفالية الكرك مع القدس، المنجز الأكثر دلالة وبلاغة وأثراً باقياً.

وفي مسعى جاد، لتكوين صورة جديدة ومغايرة للصورة التي ظهرت بها الدورة الأولى لمهرجان الأردن، تعمل وزارة الثقافة والجهات المعنية على مدار الساعة لكي تعكس دورة هذا العام التي تنطلق في السابع من الشهر المقبل وتتواصل حتى الثامن من شهر آب (أغسطس) المقبل، الصورة الحقيقية للعمل الثقافي الوطني بأبعاده جميعها؛ من الإيمان بالقدرات المحلية والطاقات الشبابية، مروراً بالعمل وفق منطق الترشيد المنتج، ومن خلال الشراكة البناءة والتنوع المدهش، وصولاً إلى مهرجان يشمل جهات الوطن جميعها من شماله إلى جنوبه ومن شرقه إلى غربه. ويكون للسامر والتعليلة والهجيني ومختلف حقول التراث مكان فيه.

التعليق