فانوس: الثقافة العربية انتقلت من القدرة على المناقشة إلى القبول والاستسلام

تم نشره في الجمعة 29 أيار / مايو 2009. 10:00 صباحاً
  • فانوس: الثقافة العربية انتقلت من القدرة على المناقشة إلى القبول والاستسلام

أكاديمي لبناني يطالب بتخليص "القديم" من سطوة "المقدس" والتفريق بينهما

 

حاوره: زياد العناني

عمان- يرى د. وجيه فانوس أن الدراسات المتعلقة بالنقد الثقافي ماتزال قليلة في العالم العربي.

ويشير فانوس إلى أن هذا النقد كان موجودا في حياتنا الثقافية العربية والإسلامية منذ آماد بعيدة وقد تجلى في ثلاثة كتب هي: "تهافت الفلاسفة" و"تهافت التهافت" و" حكاية حي بن يقظان".

ويؤكد وجوب ممارسة النقد الثقافي خصوصا بعد أن فقدت الثقافة العربية مساحة كبرى من حسها النقدي في القرون الخمسة الماضية وانتقلت من القدرة على المناقشة إلى القابلية المرعبة للقبول والاستسلام.

يذكر أن فانوس يعمل أستاذا للنقد الأدبي والأدب المقارن في قسم الدراسات العليا كلية الآداب والعلوم - الجامعة الإسلامية بلبنان، ويحمل دكتوراة في النقد الأدبي من جامعة اكسفورد.

صدر له مجموعة من الكتب من أبرزها كتاب" مخاطبات- من الضفة الأخرى للنقد الأدبي" وله عدة أبحاث في النقد الأدبي ودراسات لافتة في "ارهاصات النهضة في الشعر العربي في القرن التاسع عشر".

وفي حواره مع "الغد" يتحدث فانوس عن قيمة النقد الثقافي وكيف يتجدد ويتطور إلى أن تخضع له كل النصوص ويقف قويا في وجه أدوات المنع التي تستثمر المقدس ضده وتحيط به من كل الجوانب.

* لك دراسات وأبحاث لافتة في مجال النقد الثقافي، هل لك أن تحدثنا عن مفهوم النقد الثقافي وأهميته؟

- مثل أي انتاج إنساني آخر لا بد للفعل الثقافي من أن يخضع لعملية نقد فإذا ما غاب عن هذا "الخضوع" فإنه لن يستطيع التقدم أو التطور أو الإضافة, فالنقد بشكل عام عملية خص بها الإنسان ربما لتشكل أبرز حوافز تصوره وتكيفه مع التغيرات، ومن هنا تأتي أهمية النقد الثقافي خاصة إذا ما اعتبرنا الثقافة زبدة النتاج الحضاري الإنساني وبذرة مستقبل تطور هذه الحضارة.

لقد عرف العالم العربي عدداً كبيراً من محاولات النقد الثقافي في مرحلة ما بعد الكولونيالية، وكان لبعض تلك المحاولات أن انطلق من خلفيات معرفية وثقافية هي ابنة مرحلة الكولونيالية, كما كان للبعض الآخر من تلك المحاولات أن انطلق من خلفيات معرفية وثقافية هي وليدة الفعل، أو رد الفعل في مرحلة العلمنة بالذات، ولعل العامل المؤثر في هذه المنطلقات, على اختلافها وتنوعها يتشكل بصورة أساسية من المرحلة الزمنية التي بنى فيها هذا الناقد الثقافي أو ذاك مقومات ثقافته النقدية.

* ماذا تقول في مسألة تطبيق النقد الثقافي في ظل كثرة المدارس النقدية وتزاحمها؟

- حتى الآن قد تبدو الدراسات المتعلقة بالنقد الثقافي قليلة في عالمنا العربي، علما أن هذا النقد موجود في حياتنا الثقافية العربية والإسلامية من آماد بعيدة، فكتابات مفكري الفلسفة الإسلامية والعربية إنما تصب في نهاية المطاف عبر بعض جوانبها في خانة النقد الثقافي، وعلى سبيل المثال نذكر "تهافت الفلاسفة "وتهافت التهافت"، إضافة إلى نقد النقد الثقافي الرائع الذي قدمه محمد بن طفيل عبر سرد قصصي تمثل في حكاية "حي بن يقظان".

 إن ما ينقص الثقافة العربية في هذا المجال هو التعمق في مناهج النقد، خصوصا بعدما أن فقدت الثقافة العربية مساحة كبرى من حسها النقدي في القرون الأربعة أو الخمسة الماضية، وذلك حين انتقلت من القدرة على المناقشة إلى القابلية المرعبة للقبول والاستسلام.

* برأيك كيف للنقد الثقافي أن يفكك البنى القديمة ضمن مسلمات التفكير الفلسفي الإسلامي التي تحيط به؟

- دعنا نفرق هنا بين ما هو بنى وفية للقديم والجديد وبين ما هو مقدس، إذ أن كثيرين يخلطون بين "القديم" و"المقدس"، فينظرون إلى القديم على أنه مقدس لا يمكن مناقشته أو نقده أو المساس به ويدخلونه في لجج بحر المسلمات. طبعا هذا خطأ، لأن البنى الفكرية القديمة كما هي الجديدة مجرد أبنية ناتجة عن فكر ونظر في الممارسة، وهذا الفكر لأنه فكر إنساني قابل للمناقشة والمراجعة، بل إنه يفرض علينا إخضاعه للنقد، وهنا لا بد من تخليص (القديم) من سطوة المقدس والتفريق بينهما. فالمقدس واضح لانبثاقه من الإلهي بشكل خاص والإلهي محفوظ بوضوح في الكتب المقدسة. ليس كل ما في الطقس الديني أو الفكري السلفي ينتمي إلى المقدس، ولا بد أن يخضع للنقد حتى يتطور ويتجدد ويتناغم مع تغيرات الزمان والمكان والعصر. وكل ما ينقصنا في هذا المجال يكمن في الجراءة والثقة في التفريق بين القديم والمقدس.

 * ولكن كيف نتخلص من أدوات المنع التي تستثمر المقدس وتهاجم الابداع، أو كل جديد يظهر من غير أن يتفق معها ؟

- سنأخذ الأنموذج الإسلامي مثالا على هذا. في الاسلام نلاحظ أن المقدس فيه ما هو ثابت أو متحول أو متكيف فوحدانية الله مقدس ثابت لا يتغير أو يتحول أو يتكيف . أما الصلاة فهي مقدس لكنها مقدس قابل للتكيف والتحول وفقا لظروف من يتعامل معها، وهذا لا يخرج عن إطار المقدس، ولكن يبقيه ضمن الإطار في دائرة القابلية للاجتهاد فيه ومن هنا نلاحظ انفتاحية التعامل الموضوعي العميق مع المقدس، فليس المقدس صخرا يعيق مسار الحق بقدر ما هو إطار مرجعي تأسيسي وأساسي يعمل باتجاه تناغم الحياة الايجابي مع تطوراتها والمتغيرات المتوافقة مع هذا المقدس والمراعية له.

* التفريق الذي تحدثت عنه بين الثابت والمتحول موجود ضمن دراسات كثيرة، ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو كيف نستثمر وجوده في فتح باب الاجتهاد المغلق منذ قرون؟

- نحن نتحدث في مجال النقد الثقافي وهذا يعني أن للإنسان حرية التعامل مع موضوعات ثقافية أو أي ثقافة ولكن لا بد من "اخضاع" هذا التعامل لقاعدة النقد. والنقد هنا يعني تبصرا ضمن فلسفة ورؤية معينة ومنهج عمل لغاية ما على أساسها تتحد كل تلك الأمور، وإذا ما كانت الغاية الحفظ الحقيقي للمقدس وهو حفظ يعني تفعيل المقدس باتجاه عصرنة الحياة وتناغمه معها ضمن أسسه الثابتة فالقضية باتت الآن قضية علم حقيقي ومنهج موضوعي ورؤية هادئة ولا يعود هناك من إشكال. أما اللجوء إلى القمع والترهيب، فهذا لا يتوافق مع أصول النقد الثقافي، وهنا لا بد من القول إن المستغل سوف ينكشف وينفضح أمره.

* في أبحاثك تتحدث كثيرا عن المتغيرات، وتدعو المثقف العربي إلى الحركة وعدم الثبات. ماذا تقصد بالحركة، وما هو المقصود بالثبات؟

- كيفما دار الأمر، فإن المتغيرات في الزمن الراهن أصبحت أقوى من كل مظهر للثبات، حتى لكأن العالم المعاصر ما عاد يعرف حقيقة وجهه، أو لعله أيقن أن لا حقيقة ثابتة لما كان يعتبره وجهاً له ومقياساً لوجوده. ولا بد للجميع، والحال كذلك من الوقوف أمام تحدي هذا الواقع والنظر فيه والسعي إلى مناهج للتعامل معه، إما لمصلحة لهم في استمراره وانتعاش آفاقه، أو رغبة منهم في القضاء عليه وتبديد قواه.

لكن ما من عمل إلا ويتطلب تحديد منهج له، والمنهج في هذا المفهوم يتحمل قسطاً كبيراً من نجاح العمل أو فشله أو حتى تعثره. لذلك فالأهمية الكبرى التي يواجهها النقد الثقافي، في هذه المرحلة، لا تكمن فقط في مجرد تحديد موقف يراه الناقد الثقافي من العولمة وسواها من قضايا العصر وتحدياته، بل تقع في صلب عملية تحديد المنهج الذي يكفل نجاح ما يريد الناقد الثقافي عمله وتحقيقه.

* برأيك ما هو المنهج المطلوب؟

- العمل من أبرز صفات المنهج المطلوب لهذه المرحلة من المتغيرات غير المحدودة أن يكون قادراً على مواجهة المتغيرات، وهي متغيرات غير عادية الإيقاع على الإطلاق. إنها متغيرات سريعة سرعة وسائل التواصل المعاصرة، وعنيفة عنف ما بات العلم يحققه بين ثانية وأخرى من أمور لا يكاد يفرغ المرء من الاندهاش بأحدها حتى تأتي دهشته بما يليه أشد صعقاً وإذهالاً.

ومن هنا فإن المتغيرات المعاصرة تفرض اعتماد منهج فكري قادر على فهم حركيتها، ويقوم على الاسترشاد بالماضي وما قام عليه من أسس الثبات، ولما لهذا الماضي من ارتباط عضوي بمفاهيم الانتماء والهوية والوجود، ولكن من غير أن يبنى على ثباتية صيرورة الماضي بالذات، لما لهذه الثباتية الماضوية من إعاقة لحركية المعاصرة.

 * هل ثمة نماذج للنقد الثقافي يمكن أن تكون مكرسة وفاعلة ويقتدى بها كمرجعية في هذا المجال؟

ثمة نماذج مهمة كما هو الحال عند مالك بن نبي. لقد لاحظ مالك بن نبي, في أواسط القرن العشرين, أزمة الحضارة الغربية, ووصولها الى الطريق المسدود, وفقدانها مبررات وجودها, مثلما لاحظ حاجة هذه الحضارة, برأيه إلى الإسلام لتقويم مسارها. غير أنه رأى أن المسلم المعاصر لا يمكنه أن يرفد الحضارة الغربية بشيء، لأن الماء المنخفض لا يستطيع أن يسقي الأرض العطشى إن هو لم يرتفع إلى أعلى من مستواها، فتلخصت أزمة المسلم عنده في أنها أزمة حضارته, ورسم له دوره المنتظر في الثلث الاخير من القرن العشرين, محذراً من أن رياح الحضارة ستتحول عنه إذا لم يستدرك نقصه.

ثم إن ما يلفت الانتباه في أفكار بن نبي قوله إن سبب الانحطاط في العالم الإسلامي لا يعود إلى الاستعمار، بل إلى القابلية للاستعمار، وركز بن نبي على هذا الجانب في أغلب مؤلفاته، وظل يؤكد هذه القاعدة حتى وصل إلى نتيجة في أواخر حياته مفادها أن السبب في تأخر نهضة العالم الاسلامي يقع ضمن تخلف حضاري يتشكل عبر عاملين يسميهما عامل "الاستعمار" وعامل "قابلية الاستعمار"، ووزع، بن نبي المسؤولية على هذين العاملين توزيعاً منصفاً، إذ قال إن الدهاء والمكر والخداع والنهم والشراسة من نصيب الاستعمار، وإن الدناءة والسفالة والنجاسة والخبث والخيانة من نصيب القابلية للاستعمار.

* نحن نعيش في أزمة حضارية والغرب يعيش هو الآخر في أزمة. هل لك أن تفسر لنا أسرار الأزمتين كما هي مطروحة في النقد الثقافي؟

- يرى المفكر أنور عبدالملك أن أزمة العالم المعاصر ليست مجرد أزمة اقتصادية أو سياسية، بل أزمة حضارية. ويفسر هذه الأزمة بأنها أزمة النمط الحضاري المهيمن منذ القرن الخامس عشر.

ويلفت إلى أن هذا النمط الحضاري يسعى إلى توحيد العالم في إطار دائرته وحصاره المفروض. ويخلص إلى إن الحل الحقيقي لهذه الأزمة لا يكون إلا بالحوار الحضاري. والحوار الحضاري عند عبدالملك هو بالاعتراف بالآخر وامتداداته الوجودية.

وفي ما يخص دائرة الحضارة العربية، يؤكد عبدالملك على وجوب تعبئة الطاقة، وتوحيد الصفوف على تباين العناصر التكوينية للأمة العربية واختلافها، وذلك لأن هذه التعبئة تتم في إطار استراتيجية حضارية تسعى إلى تحريك نهضة الشرق الحضاري في اتجاه استقلالي وإنساني يسعى إلى العدالة والمساواة وبعث المعاني الروحية الكبرى. أما ادوارد سعيد فقد فرق في نقده الثقافي في العقود الأخيرة من القرن الماضي بين ثلاثة موضوعات في المقاومة الثقافية ضد الاستعمار: الأول هو أن ينظر إلى تاريخ المجتمعات باعتبارها كلاً متكاملاً فيما بينه، وليست أجزاء يقف كل جزء منها مستقلاً عن الآخر. الثاني هو أن المقاومة تتجاوز مجرد كونها رد فعل سلبي ضد الإمبريالية لتشكل مسعى إلى تدمير العوائق بين مختلف الثقافات. ويكمن الثالث في أن السعي إلى التخلص من روابط الانعزالية القومية يشكل تحقيقاً لنظرة تؤكد شمولية انتماء الإنسان للانسانية قاطبة وسعيه الدائم إلى تحريرها من معوقات وجودها.

وهكذا يتضح كيف أن سعيد رأى في الواقع الانساني يُبنى ويُقوض على نحو متواصل، وكيف أن الماهية الثابتة والوطنية والقومية العدائية والشوفينية ظواهر تمثل خطراً على الماهية ذاتها. ومن هذا المنطلق المنهجي، لم يأت رد سعيد على الاستشراق من جنس الاستشراق نفسه، بل كانت شمولية سعيد الانسانية آلية رده في تجريد الاستشراق من عمليته تجريداً مفارقاً، ولعل ذلك يتمثل في قول سعيد إن الاستغراب لا يمكن أن يكون الرد على الاستشراق!

التعليق