قاسم حداد: ورشة أمل لم تقترن بالرداءة ولم تتجمل بالخرائب والنصوص المتحفية

تم نشره في الجمعة 29 أيار / مايو 2009. 10:00 صباحاً
  • قاسم حداد: ورشة أمل لم تقترن بالرداءة ولم تتجمل بالخرائب والنصوص المتحفية

زياد العناني

عمّان- ينظر في المرآة ثم يتساءل: من يكون هذا الشخص؟ ويحملق أكثر كي يصف هذا الذي يتعدد أمامه ثم يقول: إنه قاسم حداد .. تقريبا.

وبين هذا الوصف أو الشخص المشبه بالقرين تتجمهر الكتابة معلنة أنه في جحيمها، وأنها بالنسبة إليه قد تسمى: "التمرين الأخير على موت في حياة لا تحتمل".

فلا غرو أن يجد قاسم نفسه أو يجد قرينه في كل يوم أمام أية تجربة جديدة يشتغل عليها كمن يبني جسده وروحه بالكلمات، لأن هذا المتفق على شعريته الفذة من قبل النقاد والشعراء قدم اقتراحا جماليا لعلاج المسافة بين الأشياء، وصار مولعا بالمنتحرين والمجانين إلى الحد الذي يثير الريبة، ويحسن التماهي في الكائنات الأخرى، خصوصا حين يقول:

"كلما انتحرنا

بوهم الباب لكي نصدق أنه موصد مثل جدار

نعود فنتذكر بأن ثمة أشياء جميلة تغري بمغامرة أخرى

كان علينا أن ننجزها قبل ذلك

فينتابنا بعض الندم ونحاول أن نتراجع متداركين أمراً يكاد يكون تداركه مستحيلاً

وحالما نعود عن انتحارنا ويحدث هذا مرات كثيرة في الحياة لكي ننجز ذلك نكتشف أن أحداً غيرنا قد بادر في تولي ذلك عنا

عندها لا يعود لوجودنا مثل انتحارنا معنى

كلما انتحرنا

في محاولة لإقناع امرأة بأن الحب هو أيضاً سبب للموت

نكتشف أن تلك المرأة يمكن أن تجد مجداً في اقتران اسمها بشخصٍ غائب

أكثر من اقترانها به موجوداً

مما يجعل شعورنا بفداحة الخسارة مضاعفاً خصوصاً إذا كنا نرى إليها من هناك وهي تستدير بكعب الفولاذ يكزّ على عظمة القلب نحو أول شخص

لتبدأ في التغرير به وإقناعه بالانتحار لأجل إقناعها بأن الحب هو أيضاً سبب جدير بالموت

فنكفّ عن المبالغة في الانتحار ونستدير عائدين

ويحدث ذلك على الأرجح في حياة لا تحتمل

لكي نحذّر شخصاً من مصير وشيك غير أننا نكون قد تأخرنا عن ذلك حيث يصادفنا شخص في منتصف المصير على شفير النهايات غِوايات محلهاّ القلبْ".

كما أنه صار مولعا أيضا بتوصيف الشعر، مثلما يحب أن يكون، حيث يقول: "إنه مثل الأفق.. لا تستطيع ان تفعل شيئا سوى أن تذهب إليه"، رائيا أن الطريق الى الشعر مثل الطريق إلى الحب.. أجمل من الشعر ومن الحب.

بيد أن هذا الشاعر الذي أطلق بيانه "موت الكورس" مع الكاتب أمين صالح وراح يشهق في بهاء الكون، لم يزل قادرا على ابتكار الحلم والحب وإضاءة ورشة الأمل بكتابة تمنحنا لذة الاكتشاف ورجفة العناصر عند الاتصال، إضافة إلى إبداعه لعوالم تنأى بعيدا عن القداسات والخرائب؛ فالحلم عنده يتحقق والنص ليس متحفا، بل متاهة هائلة كالحرية.

يقول الناقد كمال أبو ديب إن جملة قاسم حداد تخلق وهم وجود علاقات وجودية، علاقات ذات معنى، بين أشياء العالم عن طريق استخدام بنية "الفعل (الفاعل المفعول به) لكنها في الواقع تفرغ هذه البنية من علاقاتها الحميمة، وتخلق خيوطاً متقطعة مفتتة من العلاقات المستحيلة أو شبه المستحيلة، أو من وهم العلاقات".

ويضيف أبو ديب أن صاحب مجموعة "قبر قاسم "يجسد في كبسولة شعرية رائعة الغني والدلالة والشراسة، جوهر العالم الذي نموت -أقصد نعيش- فيه إذا كان لي الحق في أن أستخدم كلمة (جوهر) لإلصاقها بهذا العالم، ذلك أنه عالم لا جوهر له. عالم فارغ من الداخل، متشظ، متفتت، مقهور، متناثر، مسحوق مليء بالانشراخات والشقوق والصدوع العميقة من الداخل والخارج معا.

ويزيد أبو ديب اننا امام شعر فجائي، لا علاقي، شرس في كشفه للتفتت والتشظي اللذين يمزقان برماحهما الطويلة جسد العالم. وانه لشعر حاضرنا وشعر مستقبلنا القريب على الأقل.

وقاسم حداد ولد في البحرين عام 1948. تلقى تعليمه بمدارس البحرين حتى السنة الثانية ثانوي. التحق بالعمل في المكتبة العامة منذ العام 1968 حتى العام 1975 ثم عمل في إدارة الثقافة والفنون بوزارة الإعلام. شارك في تأسيس (أسرة الأدباء والكتاب في البحرين) في العام 1969. تولى رئاسة تحرير مجلة "كلمات "التي صدرت في العام 1987 عضو مؤسس في فرقة (مسرح أوال) العام 1970. أطلق (منذ العام 1994) موقعاً في شبكة الإنترنت عن الشعر العربي باسم (جهة الشعر): يكتب مقالاً أسبوعياً منذ بداية الثمانينيات بعنوان (وقت للكتابة) ينشر في عدد من الصحف العربية.

كتب عن تجربته الشعرية عدد من الأطروحات في الجامعات العربية والأجنبية، والدراسات النقدية بالصحف والدوريات العربية والأجنبية. ترجمت أشعاره إلى عدد من اللغات الأجنبية، حصل على إجازة التفرغ للعمل الأدبي من طرف وزارة الإعلام نهاية العام 1997.

التعليق