رزوقة: لا يهمني النقد سواء اشتبك مع قصائدي بالأسلحة الفتاكة أو لجأ إلى حرير القول

تم نشره في الخميس 28 أيار / مايو 2009. 10:00 صباحاً
  • رزوقة: لا يهمني النقد سواء اشتبك مع قصائدي بالأسلحة الفتاكة أو لجأ إلى حرير القول

شاعر تونسي يرفض أن يطمئن إلى جنس إبداعي بعينه

حاوره : زياد العناني

عمان- يتنقل الشاعر التونسي يوسف رزوقة بين الاجناس الابداعية من غير أن يعبأ بضرورة الاخلاص لجنس بعينه.

ويرى رزوقة أن ابتعاده عن القصيدة يمكن أن يجعله يراها بعين أخرى إذا ما عاد اليها بعد رواية موجهة للبالغين أو الأطفال, أو بعد كتابة نص مفتوح, ويمكن له ايضا أن يفتح جملة من الآفاق التي تستهويه للمغامرة في لعبة جديدة يكون المستهدف فيها هو الجمهور.

ويبين رزوقة أن على المبدع أن لا يطمئن إلى نمط كتابي معين, وأن يضع السعي الى افساد القارئ المتخيل -بمعنى- تغييره من حال الى حال في كل كتابة جديدة لا تقبل المساومة. 

درس رزوقة في كلية الآداب والعلوم الانسانية بتونس ومعهد الصحافة وعلوم الاخبار وكلية الحقوق والعلوم السياسية والمعهد العالي للفنون الجميلة وحصل على الأستاذية في الصحافة وعلوم الاخبار (اختصاص: علوم سياسية) كما حصل على ماجستير في الاعلام والاتصال.

ويشغل رزوقة الآن منصب رئيس تحرير جريدة "الصحافة" (يومية تونسية) منذ العام 1989,

صدر له: "أمتاز عليك بأحزاني", "لغة الاغصان المختلفة", "برنامج الوردة" و"اسطرلاب يوسف المسافر" إضافة الى "الذئب في العبارة" و"بلاد ما بين اليدين" ومجموعات شعرية أخرى.

* ما هو جديدك الآن؟

- أنا الآن بصدد الاشتغال على عملين سرديين؛ الأول رواية للأطفال واليافعين في خمسة وعشرين فصلا تدور أحداثها في 22 دولة عربية وتروي في شتى محطاتها الجانب الحضاري والتاريخي والثقافي لكل أرض ينزل بها بطلا الرواية وهما "فراشة" و"طفل" في رحلة بحث عن خاتم، وما هنا ليس الخاتم إلا خاتم الأجداد ذلك الذي ضاع ذات سهو أو ذات لهو في بئر "ارسي", ومن ثم فإن هذه الرواية أردتها أن تكون ذات أبعاد بحيث راوحت فيها بين القصة القصيرة والمتن السردي والهامش الشعري عبر النشيد غير الرسمي لكل بلاد, وستصدر هذا الصيف محلاة برسومات الفنانة عايدة ايمارت. أما السردي الثاني فهي رواية من الخيال العلمي بعنوان "نيوتن في قرية زها حديد" وفيها استدعاء لعباقرة العلم وكذلك اختراعات المخترعين من نيوتن الى انشتاين ومن لف لفيفهم كي يعيشوا في قرية قادمة فيها مهندسة معمارية عالمية اسمها زها حديد عراقية الأصل وكل هندساتها ومؤسساتها وبناياتها مستمدة من النظرية التفكيكية لجاك دريدا من دون اغفال استيحاء النمط المعماري من استاذها باهاوس, حيث ان ما تراه هو هندسة ذات انسيابات في المطلق وخروج عن المألوف في عالم المعمار العالمي, ومن هنا عنت لي فكرة أن تقوم هي ببناء هذه القرية وفق تطلع مستقبلي يخدم التواشج بين الانسان وأخيه, بحيث تتكون هذه القرية في شكل رحم يتسع السكان جميعا حيث تتلاحم فيه الذوات وتتطلع من خلال أفق مفتوح الى زمن أمثل في خضم هذه القرية الكونية الشرسة.

* لماذا لجأت الى الكتابة السردية؟

- هي محطة اخرى لأنأى قليلا عن القصيدة حتى اراها بعين أخرى ثم هو ضرب من تداخل الفنون أقوم به بين الرغبة والأخرى لتبليغ رسالة مشفرة عبر السرد والرسم في آن, ذلك أن الجمهور المستهدف من القراء متعدد الاذواق والاهتمامات وعلينا أن نتعاطى معه بأدوات مختلفة.

* يقال إنك كثير التجريب! لماذا تنزح الى تعدد الاشكال والصيغ وما هي الدوافع من وراء كل النقلات الإبداعية؟

- قانون اللعبة لدي أن ألعب وان أحلق في أكثر من فضاء بأجنحة شتى, فإلى جانب كتاباتي بلغة الأم حاولت منذ سنوات كتابة شعري بالفرنسية والاسبانية والبرتغالية والايطالية ولي صداقات لا تحصى بفضل هذه التجارب الشعرية في لغات أخرى ما كانت لتتحقق لي لولا هذه المغامرة والتواجد في فضاءات الآخر وبلغته, الى جانب انني لا اطمئن الى نمط كتابي بعينه على خلفية أن لي حنينا جازما الى الكتابة السردية بعين شاعر يحاول أن يكتب غير ما يكتبه السارد بعينه السردية وكل هذا يتطلب بعض الجنون الذي قد يفضي إلى أفق ما وقد لا يفضي إلى شيء.

* ما هو الأفق الذي تحلم به؟

- هو إفساد القارئ المتخيل أي -بمعنى-  تغييره من حال الى حال ذلك أن المقصود بلفظة الافساد هو التحول في ذائقة التقبل من حال السكون الى حال الجريان والحراك الدائم, وبالتالي فإن ما اسعى الى كتابته محاولة لاقتراح قرية قادمة بحجم تطلعات شاعر "الهنا" و"الآن" بأشكال جديدة وبمضامين تتقاطع مع التخلف ونحوه في محاولة واعية لفضح الذات من الداخل وكتابة ما يمور في الأعماق من حرائق وحدائق وكبت ورغبات وأشياء أخرى قد نستعيد منها إنسان هذه المرحلة عبر ما أكتبه أنا, وكل ذلك تنتظمه رسالة مشفرة تحاول في سعيها الوصول الى تأسيس إنسان جديد وتمكينه في مرتبته عبر قيم شتى, واقتراح بدائل تتناغم وايقاع العصر المتسارع, وعليه فإن ما أكتبه في أوعية شتى وبلغات سبع, يلزمني في العمق الى حد لا يلزمني وحدي. وبمعنى آخر, يلزمني زمن لأرى ما أكتبه في أزمنة أخرى, وفي أمكنة أخرى, ومع أجيال أخرى.

* وماذا عن النقاد .. هل ساهموا في إلقاء الضوء على ما تجترح من كتابة جديدة؟

 - لا يلزمني رأي النقاد, اذا وجدوا. فأنا اتقصد في ما اكتبه عدم التعويل على النقاد, وإن ابدوا من حسن النية ما ابدوا وان اشتبكوا, من حيث رأوا مع اشعاري بالأسلحة الفتاكة او بحرير القول, فذلك لا يعنيني شخصيا بل يعني شخصا آخر غيري يكتب شيئا قد يعني النقاد, اذا وجدوا. هذا لا يعني أن أناي من الاغماض بحيث أنا نفسي لا افهمها. هي ان شئت تبدو شيئا من صنع يدي. وأنا, من حيث أنا نص واع بفداحة ما يجري في الشرق الاوسط أو في العالم, اكتب ما لا ينشده النقاد, اذا وجدوا. اتقصد في ما أكتبه عدم التلويح لأي غد لا يقنعني بيد ليست لي. ما اكتبه, لا اكتبه وحدي, فلأجدادي ضلع ولأحفادي, ايضا, ضلع. لكني, مضطرا, اتحمل وحدي مسؤولية ما يجري في الشرق الاوسط أو في مقبرة أخرى. فأنا من ضيع, قبل قرون راكدة, في بئر اريس الخاتم ثم أنا من أوقع في الاحبولة اجيالا متعاقبة فإذا بالجنة محض جحيم لي وإذا بالعالم, يضحك ملء سعادته مما افعله وعلى ذقني وإذا بيدي تغتال غدي .. وحدي ارث التاريخ وما أخفى. وحدي اتحمل هذا الارث سعيدا, حد التخمة, بالفردوس وما اخفى, وبصداقة امي للوحش وبامرأتي تتوقعني بطلا وأنا مفعول بي.

* كأنك تقول إن ما تكتبه حرث في البحر؟

- نعم, ما اكتبه هو حرث في البحر, محاولة للقفز بمنطاد الخفاش الى لب الموضوع, مباشرة: ما جدوى الشعر. سؤال يطرحه النقاد, اذا وجدوا والناس جميعا والحيوان.

واسأل: ما جدوى العيش بلا شعر؟ بل ما جدوى قلب لا ينبض؟ أو رأس لا يحمل مشروعا لحياة من نوع خاص؟

ان نسمو بالإنسان الى وضع الحيوان هو الهدف الاسمى: اعلى ما يبلغه الإنسان, هنا والآن, على خلفية أن الحالة ليست آلة ما يبدو. هي في محلول الصودا صابون الذات الأمارة بالإفلات, من الإنموذج نحو طبيعتها الاولى حيث الينبوع يقول الغابة والحيوان بأعلى ما في الغابة من عذريات وصهيل. تلك مفاتيحي ومفاتيحي ألقيت بها في البئر على مرأى من أعدائي الهرمين وهم كثر. ما أكتبه, أفعى برؤوس سبعى. سبعى رؤوس تكفي, في نص, لمحاصرة القرد المتأرجح في كينونته بين المعنى واللامعنى, يحكي ويحاكي الجد الاول في سيرك التهريج. لذلك, اوتي لي هذا السم المتعدد عبر رؤوس سبعة. أولاها: المتنبي, حيث الضاد فضاء تملؤه بنقيق اللحظة ضفدعة مثلي. حيث الانشوطة في عنق الجمل المستنوق. حيث أنا نفسي لا أعرف نفسي تحديدا. ثانيها: رامبو, حيث أنا اتقمص دور العاشق تحت البرج وانتظر امرأة تأتي متأخرة عن موعدها بثوان. ثالثها: إليوت, حيث النافورة تستدعي العشاق والكون ضباب.

رابعها: لوركا, حيث الاجداد وقد عادوا في اندلس لا تأتي. خامسها: فرناندو بسوا, حيث السامبا والدعوة صالحة لاثنين فقط من مجمل سكان الكرة الارضية. سادسها: دانتي, حيث المتوسط يفضي عبر ازقته الزرقاء الى روما.

سابعها: بوشكين, حيث السنجاب ينط الى حضني فيحدثني عن غربة غورباتشوف وناقوس الفقراء لدى تولستوي.

من هذا الجو, تجيء كتاباتي فأروح عن نفسي واحسسها بأنوثة هذا العالم, حيث الفحل طغى برداءته القصوى, وسرى في الامكنة الموبوءة, في الكلمات وفي الاشياء.

* ألم تزل تحاول أن تكوّن لغة خاصة ومختلفة؟

- لدى هيدجر: "اللغة بيت الكينونة" وهي لدي, فضاء الطائرة العملاقة ترضع في الجو ابنتها وتواصل رحلتها نحو الآفاق الأرحب, حيث الله سماء أخرى, والإنسان ضمير مستتر يعني الحيوان.

لقد اخفى الإنسان سياسته الرعناء بدانتيلا بيجامته واحتال على المضمون فاخفى في الدهليز تحاليل امرأة حبلى بغد لا يأتي اطلاقاً. أما الحيوان, وقد ظلموه على مر الازمان, فلا يخفي شيئاً يأتيه على الاطلاق فخلف كل ثقافته, في قلب الغابة.

التعليق