سليمان يقدم في "الزمن الباقي" صمود فلسطينيي 48

تم نشره في الأحد 24 أيار / مايو 2009. 09:00 صباحاً
  • سليمان يقدم في "الزمن الباقي" صمود فلسطينيي 48

 

كان (فرنسا)- يشهد المخرج الفلسطيني ايليا سليمان في فيلمه الروائي الثالث "الزمن الباقي" على يوميات مواطن فلسطيني ما يزال يعيش في فلسطين 1948 بكل ما يحمله ذلك من عنف نفسي وإحباطات.

ويحافظ ايليا سليمان في "الزمن الباقي" على مفردات أعماله السينمائية السابقة، حيث تطل ملامح من تلك الأعمال لتبرز هوية فنية أكيدة للمخرج.

لكن المخرج الفلسطيني الأكثر شهرة عالميا يذهب هذه المرة أعمق في الجذور ويهدي شريطه لروح أبويه الراحلين اللذين ربطته بهما علاقة خاصة، ليؤكد بلغة سينمائية أكثر ثقة ونضجا الهوية الفلسطينية لسكان مدينته الناصرة، وعبرهم كل الفلسطينيين الذين يعيشون الوضع نفسه، الذين فرضت عليهم الجنسية الاسرائيلية وبات يطلق عليهم اسم "الأقلية العربية" في اسرائيل.

وعلى عادته، يقدم سليمان في الشريط الذي يشارك في المسابقة الرسمية لمهرجان كان السينمائي في دورته الـ62 صيغة شبه شخصية عن واقعه، لكن عملية السرد تأتي مؤثرة من دون أن تسقط في افخاخ الميلودراما، بل تسير بروية وتتمهل في التقاطها للحميمي والداخلي.

ويمد الشريط الذي عرض أول من أمس الجمعة المشاهد بأحداث واقعية تستعيد مذكرات الوالد وحكاياته وتتبناها، قبل أن تمتد إلى حياة الابن طفلا وشابا ورجلا لتصيغ من كل ذلك سيرة فريدة متأملة حزينة، ولكن حافلة بالسخرية ومشادة من لمسات صغيرة ناعمة توصل في النهاية الى حقيقة سينمائية راسخة حول تلك الاسرة وواقعها.

وتنهض تلك الحقيقة وهي تنطق بهوية الفرد الفلسطيني القابع تحت "احتلال من نوع آخر في أراضي العام 1948، وهو احتلال نفسي وعنصري يفرض نفسه بقوة" على الفلسطينيين، كما أوضح سليمان خلال مؤتمر صحافي أول من أمس.

وهي المرة الأولى التي ينفذ فيها المخرج رحلة سينمائية لم يعش بنفسه جزءا منها، بل استند فيها إلى ذاكرة والده واستكملها بذكرياته الشخصية.

ويقول المخرج "أحكي قصتي الشخصية لأنني أريد أن أعبر عن نفسي بطريقة شاعرية، وكل ما أريده أن أخلق لحظة حقيقة. كان عليّ أن أتملك هذه الحكايات وهذه الذكريات التي لوالدي وأبحث وأتعلم".

وردا على سؤال حول معاني الصمت في شريطه، إذ يظهر المخرج-الممثل صامتا دائما ليشهد لكل الوقائع العبثية التي تحيط به، يقول "الصمت لحظة حقيقة ولحظة مقاومة ولحظة ميلوديا ولحظة تأمل ولحظة ديموقراطية ولحظة تضع فيها نفسك في خطر وتذهب نحو الامكنة غير المحسوبة. الصمت هو الذي يصنع الموسيقى وأنت تدخل عبره في امتحان خطر".

تنطلق لحظة الفيلم في العام 1948 وتمر بدخول الاب في المقاومة الفلسطينية ورسائل الوالد الى افراد العائلة الذين هجروا إلى بلدان مجاورة، وخصوصا الأردن.

وترصد عبر يوميات العائلة يوميات الفلسطينيين الذين بقوا في فلسطين التاريخية كما كانت قبل العام 1948.

ويقول سليمان ردا على سؤال حول التحديات التي يعيشها وهو ينتج سينما فلسطينية "ان تكون فلسطينيا فهذا في ذاته تحدّ. فيلمي ليس دراسة انتروبولوجية أو سياسية عن شعب منسي، بل هو تحويل السياسي إلى موضوع شاعري وجعله يخاطب العالم بلغة فنية يحسها".

أما عن العراقيل التي يواجهها في صناعة هذه السينما وما يعانيه السينمائيون الفلسطينيون عموما، فقال "الوضع الذي يخضع له الفلسطينيون ساخن مثل الساونا، لكننا نخرج منه بصحة أفضل ونبرز لياقة أكبر".

وردا على سؤال حول عنوان الفيلم "الزمن الباقي"، قال سليمان إن "العنوان نابع من قصة الفيلم وليس فيه أمل كثير، لكن العراقيل هي التي تدفعك للخلق وكلما كان الشعب في خطر، أحس بأن عليه أن يقاوم".

وتضفي الأغنية على "الزمن الباقي" شاعرية كبيرة وتضيف إلى الصمت بعدا آخر، وقد قصد المخرج عدم ترجمة كلمات الاغاني لأنه يعتبر الموسيقى والاغنية لغة عالمية ومن غير الضروري ان يعرف المشاهد الغربي المعاني القاموسية للاغنية وعليه ان يحسها.

ويقول "لو كنت ترجمت الاغاني لكان ذلك خطأ كبيرا لأن المشاهد سيبحث حينها في الفيلم عن معنى محدد، وهذا ما لا اريده، اريد للمعنى ان يكون مفتوحا".

ويعتبر ايليا سليمان ان الغربة محرض على فعل الحرية، "ان تكون غريبا يعني ان تكون حرا. إن وضع الغريب هو الذي يجعلك قادرا على فهم الآخر والشعور به بطريقة شاعرية، حقيقية وصريحة".

هذه الحقيقة تجعله يقفز فوق جدار الفصل ما استدعى تصفيق الجمهور، وهي صورة تكمل تلك الصورة التي جعلت الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات يطير فوق القدس محمولا على بالون في فيلمه السابق "يد الهية" ليهيمن على المكان الممنوع عليه في الواقع.

التعليق