أكاديميون يستعرضون جذور اللسانيات العربية الحديثة في الأدب والنقد الثقافي

تم نشره في الثلاثاء 5 أيار / مايو 2009. 09:00 صباحاً
  • أكاديميون يستعرضون جذور اللسانيات العربية الحديثة في الأدب والنقد الثقافي

عزيزة علي

عمان- تناول علماء وأدباء وأكاديميون، عرب وأردنيون، محاور جذور اللسانيات العربية والنص الأدبي واللسانيات العربية الحديثة والأدب والنقد الثقافي، في انطلاقة المؤتمر العلمي الرابع "اللسانيات والأدب" الذي ينظمه على مدى أربعة أيام قسم اللغة العربية وآدابها في الجامعة الأردنية.

وعلى مدرج سعيد المفتي بكلية الهندسة والتكنولوجيا، كان الافتتاح الذي بدأ بكلمة من رئيس اللجنة التحضيرية للمؤتمر ورئيس قسم اللغة العربية د. نهاد الموسى الذي أشار إلى أن المؤتمر يهدف إلى "دراسة الجهود اللسانية التي تناولت دراسة الأدب بأجناسه المختلفة في القديم والحديث".

وأكد أن اللسانيات "جهد علمي دائب في وصف اللغة وتفسيرها من لزوم ما لا يلزم"، معتبرا أن اللغة "أعجب ظواهر الوجود على الإطلاق".

وقال عميد كلية الآداب د. سلامة نعيمات إن المؤتمر ينظر للسانيات من خلال علاقتها بحقل مهم من حقول النشاط الإنساني وهو الأدب، فلقد قدر للسانيات أن تستأنف علاقتها الحيوية بالأدب بعد أن ظل الأدب بعيدا عن نشاط اللسانيين لرأيه أنهم كانوا يرون فيه "نشاطا لا يتيح المجال لنتائج علمية موضوعية".

ورأى نعيمات أن الحركة النشطة للسانيات جاءت من خلال مناهج متعددة انطلقت لتقرأ النص الأدبي من وجوه مختلف، مبينا أنها تصب كلها في حركة النقد الأدبي الذي يرى في اللسانيات منطلقا لحركة نقدية نشطة تغني قراءة النص الأدبي، وتمكن النقاد والقراء من تأمل العناصر الأساسية اللازمة لبناء نص متماسك قادر على انتظام المنظومات الإنسانية الخالدة.

وقامت اتجاهات نقدية، وفق نعيمات، من منطلقات لغوية وفلسفية مختلفة لقراءة النص الأدبي وتفسيره للوقوف على مفاصله ووظائفه أغنت حركة النقد الأدبي ووسعت آفاقه، وابتعدت به عن مزالق كثيرة.

وركز على أهم المناهج التي نبتت على ضفاف اللسانيات الأسلوبية والسيميائية والبنيوية والتفكيكية والظاهراتية ونقد استجابة القارئ، لافتا إلى أن تلك المناهج تقاطعت أحيانا مع النقد السياقي المستأنف بأشكاله المختلفة من مثل النقد الثقافي وما يتفاعل معه من نقد نسوي، ونقد الضعف والقوة، ونقد التاريخانية الجديدة وسواها.

وألقى كلمة المشاركين في المؤتمر د. محمد القاسمي من المغرب ذهب فيها إلى أن تنظيم المؤتمر يأتي في "سياق المشروع الفكري العام لهذه الجامعة المعاصرة عبر الاهتمام بأشكال التقاطع بين المعارف والعلوم الإنسانية".

ووقف القاسمي عند بعض المناطق المجهولة في الدرس الأدبي العربي انطلاقا مما توفره المناهج اللسانية المعاصرة وبعض المفاهيم الاتباعية المرتبطة بها من أدوات التكثيف والتحليل والتقويم، رائيا أن تعدد أشكال المقاربات للظاهرة الأدبية لا يقلل من أهمية العلاقة الجدلية بين اللسانيات والنقد الأدبي.

وتطرق المحور الأول من المؤتمر إلى "جذور اللسانيات العربية والنص الأدبي" من خلال الجلسة الأولى التي عقدت في مدرج الكندي، وترأسها د. ناصر الدين الأسد وشارك فيها د. لؤي علي خليل من سورية، د عبد السلام حامد من قطر، د. هدى سالم طه من الإمارات العربية المتحدة، د. زاهر الداودي من عُمان، د. توفيق قريرة من تونس.

خليل قدم محاور المشكلة بين مقاربة النص في الدرس اللساني العربي القديم- في وجهه البلاغي- ومقاربة بعض المناهج الحديثة له، ولا سيما المنهج الأسلوبي.

واستعرض عددا من التقنيات المنهجية المتماثلة بين المقاربتين، مؤكدا على إمكانية استثمار الجهود البلاغية وتطويرها على ضوء مستجدات المناهج النقدية الحديثة، بما يقود إلى منهج ينسجم مع طبيعة نصوص الثقافة العربية الإسلامية، بما لها من خصوصية.

حامد أشار إلى أن النحو العربي اعتنى في مجال أنواع النص بثلاثة هي "القرآن الكريم والشعر والنثر"، مبينا أن الاحتفاء كان باللغة الأدبية ممثلة بالقرآن والشعر، مؤشرا بذلك إلى كثرة كتب إعراب القرآن والاعتماد كثيرا على الشواهد الشعرية.

وأوضحت هدى طه أن نظرية النحو العربي تستند إلى أصول وضوابط بعضها ظاهر وصرح به النحاة، وبعضها الآخر كامن صدروا عنه كما يصدر أبناء اللغة عنها من دون وعي بنظامها، أو من دون التصريح بهذا الوعي.

ولفتت إلى أن سيبويه اعتمد على عدة ضوابط في رسم ملامح النظرية النحوية، مبينة أنها تفاوتت بين اللغوي والسياقي والعقلي.

واستعرض الدواوي التماسك الدلالي في الأمثال برصد المثل وكيفية بنائه، مشيرا إلى أن ثمة علاقة وثيقة يلحظها الباحث بين ترتيب الجمل في المثل وتريب الأحداث فيه ويتجاوز السياقات التركيبية إلى العلاقات بين القضايا التي يصح أن تعد من خصوصيات النص.

قريرة تطرق إلى القوافي في الشعر العربي مشيرا إلى أن كثيرا من نقاد الشعر القدامي اعتبروا أن من وجوه براعة الشاعر أن يحسن تخير قوافيه ويكون ذلك لا بالابتعاد بها عما يشينها من العيوب "الإقواء، الإيطاء، والإكفاء.." ولا بتخير أبنية لها متقاربة حسب، بل بخلق نوع من المناسبة بينها وبين سياق البيت السابق لها.

وبين أهم الأدلة التي ذكرها النقاد القدامي على هذه المناسبة وهي "قدرة المستمع لذلك الشعر على التكهن بما ستكون القافية قبل تلفظ الشاعر بها فعلا".

وعقدت جلسة موازية ترأسها د. حسين عطوان وشارك فيها من الأردن د. إبراهيم السعافين، د. نضال الشمالي، د. محمد القاسمي من المغرب، د. عثمان أبو زنيد من فلسطين.

السعافين أشار إلى إن الفنون السردية التفتت إبان نشأة الرواية والقصة القصيرة إلى العناصر البنائية، وكادت تهمل إلى حد بعيد لغة النصوص السردية، بيد أن نشأة علم اللغة الحديث والتفاته إلى النصوص الأدبية لاحقا، وتبني الأسلوبية لغة الأدب المجازية، جعل كثيرا من الدارسين يلتفتون إلى دراسة لغة النصوص الأدبية شعرا ونثرا.

واتفق السعافين على أن تفريق سوسير بين اللغة والكلام هو الدافع وراء نشوء الأسلوبية التي رأت أن الأسلوب هو الاختيار الفردي للكلام، والأسلوب لا يقف عند الفرد بمفهومه العام ولكنه يتعدى ذلك إلى التجمعات المهنية والاجتماعية والعرقية والدينية والطائفية والجنسية. 

وعاين القاسمي الدراسات النقدية التي عالجت موضوع شعرية الخطاب الأدبي، معتبرا أن مناهجه أخفقت في الوصول إلى الكشف عن القوانين الداخلية التي تحكم النصوص الأدبية، مستدركا أنه منذ القرن العشرين عرفت الدراسات الأدبية نموا متزايد منهجا وموضوعا بفعل التطورات التي عرفتها الدراسات اللغوية واللسانية من جهة، وكذلك المحاولات المرتبطة بتجديد الدرس البلاغي القديم من جهة أخرى.

الشمالي رأى في ورقته أن الرواية تعد "نصا تفاعليا يستجلب التعالق والتفاعل مع نصوص الحياة المختلفة مهما كانت طبيعتها، مضيفا أنها تندرج ضمن سياق حضاري متواصل، لا بد من تفاعلها مع مجالات التعبير الأخرى.

وقدم أبو زنيد قراءة في الظواهر التي برزت في الشعر العربي القديم، وفيها يعمد الشعر الجاهلي إلى تشبيه ناقته بصورة أخرى من واقع الحياة، فيأخذ في تفصيل هذه الصورة، وينسى أن يتناسى الناقة، فيرسم مشهدا حيا ويبث فيه فواعل نصية جديدة، ويجري عليها حيوية نشاطا.

الجلسة الثالثة أقيمت على مدرج الكندي وترأسها د. إبراهيم السعافين وشارك فيها من الأردن د. محمود مغالسة، د. وإسماعيل عمايرة د. حنان العمايرة، د. أحلام الزبن، د. سهى نعجة، ومن المغرب د. فاطمة الخلوقي.

وقال مغالسة إن النحاة القدماء قدموا "علما ساميا محكما نابعا من وعيهم لطبيعة اللغة العربية بعد أن فهموها واستوعبوا طرقها ومداخلها في الأعماق"، مؤكدا أنهم حافظوا بذلك على القرآن وسلامة اللغة عبر الأجيال المتعاقبة.

واعتبر عمايرة أن اللغة "لا تكف عن الرحلة والمسير، من طور إلى طور، ومن جيل إلى جيل، حتى إن المرء ليحار في أمرها وأطوارها، ومبتداها، ومآلها، وتشرب الأجيال منها كما تشرب مما يليها من نهر لا تعرف منبعه ولا مصبه".

وأوضحت الخلوقي أن ثمة مجموعة من الأوضاع التعليمية في الحياة ينبغي أن تلاحظ، ذاهبة إلى أن اللغة لا تعلم في المدرسة، وضمن حصص تعليم مفردات اللغة فحسب، وإنما من خلال مطالعة كتب، أو مجلات مخصصة للأطفال، أو قراءة قصة في البيت، أو في المكتبة. ورأت ضرورة تزويد كل متعلم بالوسائل التي تمكنه من القراءة والكتاب، مبينة أنه بذلك يتم تجاوز الإشكالية التقليدية للقاموس، نحو اقتراح نموذج شامل قادر على تطوير عملية اكتساب وفهم بنيات اللغة والمعجم.

تناولت د. حنان عمايرة ظاهرة لغوية من ظواهر اللغة العربية وهي: المشترك الذي يقسم إلى قسمين رئيسيين، أولهما المشترك المعنوي ويعني أن يكون للكلمة الواحدة معنيان أو أكثر، مضيفة أن النوع الثاني قوامه كلمتان أو أكثر من مصادر مختلفة تتعرض لتبدلات وتغيرات لتجتمع أخيرا في كلمة واحدة.

وقدمت الزبن توصيف الفعل الماضي الثلاثي في ضوء اللسانيات الحاسوبية، وذلك باتخاذ الفعل الماضي الثلاثي المجرد نموذجا في مسعى للتأكد من دقة التوصيف وتعديل ما يستحق التعديل في ضوء المعايير المتعارف عليها في أمات كتب النحو واللغة وعو وصف لا يفي بأغراض الحوسبة، إذ يتكئ على حدس اللغوي، ومقدرته على الاستنباط، والتخمين، خصوصا في الجانب النحوي.

بدورها نوّهات سهى نعجة إلى وجود مفارقة متفاوتة في منهجية بناء معجم اللغة العربية قديما وحديثا بين التصور النظري والتمثيل التطبيقي، ومن حيث مدى تجلية سياق استعمال الكلمات، وميز الدلالة الحقيقية من الدلالة المجازية للكلمة، وتوضيح بطاقة حياة الكلمة في العربية استعمالا أو إهمالا أو إحياء أو إماتة، مع ضرورة الخروج من قيود حدود نظرية جمهورية النحاة في الاحتجاج الزماني والمكاني.

وشارك في الجلسة الرابعة التي ترأسها د. عبد الجليل المهدي، من الأردن د. محمد صالح الشنطي، د. أمين الكخن، الطالب خلدون الجعافرة، د. صلاح مصيلحي من البحرين، د. عبد الغني بارة، الجزائر، د. مهشور الحبازي من فلسطين.

وعاين صالح الشنطي أهم المنطلقات الأسلوبية لنقد الشعر العربي الحديث في دراسات عدد من النقاد العرب المعاصرين، ومن أهمهم شكري عياد، صلاح فضل ومحمد عبد المطلب وسعد مصلوح. مناقشا الرؤية النظرية للأسلوبية كمنهج لدى كل منهم.

ورأى أن بعض النقاد عمل على استحضار بعض المرجعيات النفسية والاجتماعية كشكري عياد، بينما اهتم فريق آخر بالبعد اللغوي في مختلف تجلياته النصية مثل عبد المطلب، وأما صلاح فضل فعني بالأساليب الكلية بالتنميط الأسلوبي للشعر العربي الحديث، فتحدث عن أسلوب الخطاب الحيوي، وعن أسلوب الشعر الرؤيوي، والدراما، والأرابيسك الشعري.

واعتبر الكخن أن إثراء معالجة النصوص الأدبية المقررة يأتي في ضوء اللسانيات الحديثة المتضمنة إطارا حول مفهوم اللسانيات النظرية والتطبيقية، وفي تعدد قراءة النص الأدبي ومنها قراءة النص قراءة تستند إلى النظام النصي، وقراءته من منظور اللسانيات البنيوية، والقراءة الأسلوبية والسيميائية، وطبقا لوظائفه، ولبياناته الخطابية.

وقدم بارة قراءة تأويلية في شعر محمود درويش" مبينا أن الهم الذي لأجله تقوم هذه القراءة، هو الوقف- مساءلة وفهما- تأويلا- على "ذات الموت" بما هي البؤرة المهيمنة أو العقد الدلالي الناظم الذي تجري إليه الكتابة الشعرية الدرويشية.

وقال إن "الذات بوصفها ذات التناهي المحدودية تكتب موتها وهلاكها نصوصا تجسيدا لجدل الذات- الموضوع وفق المعطى الفينومينولوجي".

فيما تناول الحبازي "رؤية في مستقبل اللغة العربية لغة حضارة" واقع اللغة العربية في التعليم الجامعي العربي وقدرتها على أن تكون لغة التدريس الأولى والوحيدة في الجامعات العربية كلها في العلوم الإنسانية والبحتة على حد سواء، وذلك إذا ما توافر لها عنصران مركزيان هما: القرار السياسي الداعم لإقرارها لغة تدريس وحيدة في الجامعات العربية، وتوحيد الجهود اللغوية العربية في تعريب العلوم والمعارف بعامة والمصطلحات العلمية بخاصة، وتوفير الدعم المالي اللازم للعلماء الذين يتم إسناد عملية التعريب لهم.

التعليق