محمد عبد الوهاب: الهروب من المدرسة إلى المجد الفني

تم نشره في الاثنين 4 أيار / مايو 2009. 09:00 صباحاً
  • محمد عبد الوهاب: الهروب من المدرسة إلى المجد الفني

 

نادر رنتيسي

عمّان- بدأ شغف محمّد عبد الوهاب مُبكرا بالموسيقى، في السنوات العشر الأولى من عمره، تلك التي شهدت تحولات متسارعة، التحق خلالها بكُتّاب جامع سيدي الشعراني تلبية لرغبة والده لأن يلتحق تاليا بالأزهر، ويخلفه في وظيفته.

بيد أنه أهمل تعليمه، بعد أن حفظ أجزاء من القرآن، وراحت ميوله الموسيقية تتنامى، وتبدأ باستماع شغوف لشيوخ الغناء في ذلك العصر، مثل الشيخ سلامة حجازي، وعبد الحي حلمي، وصالح عبد الحي، وكان يذهب إلى الموالد والأفراح التي يغني فيها هؤلاء الشيوخ للاستماع لغنائهم وحفظ أغانيهم.

امتص عبد الوهاب المولود في العام 1901 في حي باب الشعرية بالقاهرة، غضب أسرته، وآثر التخفي خلال وقوفه الأول على المسرح مغنيا بين فصول المسرحيات التي تقدمها فرقة فوزي الجزايرلي، باسم "محمد البغدادي".

هَجَسَ بالنجومية وكان ذلك يدفعه لتكرار تجربة الهرب من أسرته التي كانت تصرُّ على عودته للدراسة، حتى إذا ما أدركت صعوبة ضبطه وتعديل مسار أحلامه، انصاعت لفكرة غنائه، ووافقت على انضمامه لفرقة عبد الرحمن رشدي مقابل ثلاثة جنيهات شهريا.

بدأت خطوط الحلم تقترب بالتحاقه بنادي الموسيقى الشرقي حيث تعلم العزف على العود على يد محمد القصبجي، حتى كانت نقطة البداية الجديدة عندما قابل سيد درويش الذى أُعجب بصوته وعرض عليه العمل مقابل 15 جنيها في الشهر في فرقته الغنائية. وبدت التجربة متعثرة، فبعد عمله في مسرحيتي "البروكة" و"شهرزاد" خفت بريق الفرقة، وكذا دخل درويش مرحلة الهرم الجسدي والفني.

لكن حفلا في أحد كازينوهات الإسكندرية أحياه عبد الوهّاب حضره الشاعر أحمد شوقي، راكم على الخطوات الأولى التي خطاها، فبعد الحفل طلب الشاعر لقاء الفنان الذي لم ينس ما فعله به شوقي حين منعه من الغناء عندما كان صغيرا، ويتم استدراك سوء الفهم سريعا، لتبدأ مرحلة السنوات السبع بين شوقي وعبد الوهاب، ويصبح الأول مثلا أعلى وأبا روحيا للفنان "الشاب"، ويمتد تأثيره إلى سلوكه الشخصي وطريقة كلامه وأكله وشربه، ويحضر له مدرِّس "إتيكيت" فرنسي يدخله الأجواء الأرستقراطية، التي طبعت سلوك عبد الوهاب منذ بزوغ نجمه وبداية تكريسه كأحد الأعلام الفنية.

راح شوقي يقدمه في كافة الحفلات التى كان يذهب إليها، ويزكيه إلى رجال الصحافة مثل طه حسين وعباس محمود العقاد والمازني وكذلك رجال السياسة مثل أحمد ماهر وسعد زغلول ومحمود فهمي النقراشي.

الرعاية لم تقتصر على الأمور الوجاهية، وإنما راحت تتوثق تعاونا فنيا في كثير من القصائد. وهو ما أثار شائعات عن علاقة غير سوية بين الشاعر الكهل وفنان شاب!

لم تشوَّش تلك الشائعة على مسيرة عبد الوهاب التي راحت تتعاظم، وهو يدخل مرحلة ويخرج منها إلى أخرى قبل أن تنتهي، وكان "لقاء السحاب" بينه وبين أم كلثوم التي راحت بدورها تشق طريقا فنيا تعدد آباؤه، وكان عبد الوهاب أبرزهم.

اللقاء الأول بينهما كان في العام 1925، وكان وديا وغنيا معا "دويتو"، بيد أن ذلك لم يستمر طويلا، فقد رفضت أم كلثوم فيما بعد غناء أغنية من ألحانه، لتكون مادة الصحافة التي راحت تصفهما بـ "العدوين".

وجرت محاولات لرتق الخلاف الذي صار يتعمق وبات بحاجة لمستوى عال يتمكن من جمعهما، فكانت احتفالات الثورة في إحدى سنوات عقد الستينيات، ليعاتبهما الرئيس جمال عبد الناصر لعدم وجود عمل فني مشترك بينهما، فيكون أول عمل بـ "قرار جمهوري" الأغنية التي ستدوي، وتربك الموسيقار وتجعله يجلس في الكواليس وأم كلثوم تؤديها على المسرح، مرتجفا يخشى الفشل. وتكون "إنت عمري" الأغنية الأولى في تعاون فني استمر لعشر سنوات وأثمر تسع أغنيات.

منجز عبد الوهاب من غنائه لم يقل عظمة، وحفرت أغنياته عميقا في ذاكرة العرب، وذهبت بعضها أمثالا مثل "بفكر في اللي ناسيني" و"حكيم عيون" وغيرهما من الأغنيات التي كان يقدمها في تجربته السينمائية التي شكلتها سبعة أفلام.

ويُحسب للموسيقار أنه، على غير عادة المحلنين المغنيين، كان يعطي أفضل ألحانه لغيره، وبسوية تفوق ألحانه لنفسه، ولعل تجربته مع المطرب عبد الحليم حافظ، التي مرت بمراحل عديدة بين الفتور والدفء، وتعقدت مرارا بسبب خلافات مالية، أقرب مثالا إلى هاجسه بتقديم أعمال خالدة حتى وإن لم تكن بصوته، فقدم مع العندليب الأغاني التي تكرّست في مكتبة الموسيقى العربية، مثل "أي دمعة حزن" و"نبتدي منين الحكاية" و"فاتت جنبنا" التي طوّعها في قالب عصري تحدى به النقاد الذين راهنوا على نضوب خياله الفني، مستكملا إياه بالأغنية "اليتمية" التي رحل حليم قبل غنائها "من غير ليه" فكانت تأكيدا للقبه المعروف بكونه "موسيقار الأجيال".

التعليق