أغنيات حوّلت شعر نزار إلى نشيد عشق يومي

تم نشره في الخميس 30 نيسان / أبريل 2009. 09:00 صباحاً
  • أغنيات حوّلت شعر نزار إلى نشيد عشق يومي

 

نادر رنتيسي

عمّان- كثيرا ما دار الجدل عند استعراض التجارب الغنائية التي استفادت من أشعار الراحل نزار قباني، عمّن اتكأ إلى الآخر في سبيل تحقيق المجد.

في البداية تصدّى لقصائد نزار مطربون كانت تجربتهم الفنية وصلت إلى ذروة صعودها، فغنت نجاة في أوج نجوميتها، وعلى مراحل متقاربة، أربع قصائد بتوقيع موسيقار الأجيال محمد عبد الوهّاب هي: أيظن، ماذا أقول له، كم أهواك، أسألك الرحيلا.

عمالقة الغناء العربي وعناوينه البارزة ذهبوا إلى تجربة نزار منذ أواسط عقد الستينيات، وصار شعره أحد ملامح التنافس التي أعادت إحياء وهج القصيدة العربية، ووجدت في كلمات صاحب "الرسم بالكلمات" فرصة لتقديم "الفصيحة العربية" بتجديد وصيغ موسيقية تريحها لغة قباني المتخففة من "الفخامة" القريبة إلى الكلام السائد، وإن بأسلوب سهل ممتنع.

أم كلثوم غنّت، في أوج تكريسها كوكبا للشرق، قصيدتين، جاءت الثانية في سياق المد الثوري في الستينيات، فغنت في خضم حرب الاستنزاف "أصبح عندي الآن بندقية"، بينما كانت الأولى في الاتجاه العاطفي بعنوان "رسالة عاجلة إليك".

بيد أن تجربة أم كلثوم في الغناء من أشعار نزار لم تترك بصمة واضحة في مسيرتها الفنية، فالأغنية الوطنية لم تذَع إلا مرات قليلة عبر الإذاعة ولم تغنها على المسرح، ولم تجد "العاطفية" مكانا في ذاكرة جمهور "الست" بين روائعها التي باتت من كلاسيكيات الغناء العربي.

تأثير نزار بدا أكثر وضوحا في تجربة الفنان عبد الحليم حافظ الذي غنى له في السنوات الأخيرة من مسيرته أغنيتين، الأولى "رسالة من تحت الماء" في العام 1973، إلا أن العلامة الأبرز كانت في قصيدة "قارئة الفنجان" التي أضافت "خاتمة سينمائية" على رحيل العندليب الأسمر، فكانت آخر أغنياته مجسدة معاناته وبحثه العبثي عن المحبوب الذي مات دونه في لندن العام 1977.

"قارئة الفنجان" التي تصبح لاحقا القصيدة الخالدة والأكثر قوة بين قصائد نزار المغناة، فمن المعروف أن العندليب الأسمر أصرّ على غناء القصيدة التي لمس فيها محاكاة لحياته، ودفعه هوسه بإنجازها في ذروة مرضه، حد أن قام بـ"حبس" الموجي في فندق حتى يتم لحنها.

بيد أن تلحين الأغنية استغرق وقتا أطول جراء "مكالمات ماراثونية" بين حليم ونزار، حيث كان الأخير يطالب بتعديل أساسي يطال المقطع الشهير من الجزء الأول من القصيدة، من "يا ولدي قد مات شهيدا من مات على دين المحبوب" إلى "فداء للمحبوب".

تبرير المطرب الراحل كان أنه قد يفهم الناس أنه إذا أحب امرأة يهودية فإنه سيموت على دينها، ولم تجد محاولات قباني لإقناع حليم المنهك بأعراض البلهارسيا في مراحلها الأخيرة، أن الدين هنا مجاز لهوى المحبوب وطقوسه.

لم تذهب فاتورة هاتف حليم البالغة نحو ألفي جنيه مصري سدى، هي محصلة المكالمات التي هاتف بها قباني طالبا التعديل أو الحذف، إلى جانب لقاء مباشر ضمهما وتم تصويره. أثمرت تلك "المفاوضات" عن حذف المقطع الثاني:

"فنجانك دنيا مرعبة وحياتك أسفار وحروب

ستحب كثيرا يا ولدي

وتموت كثيرا يا ولدي

وستعشق كل نساء الأرض وترجع كالملك المغلوب".

المطربة اللبنانية ماجدة الرومي تعد من أبرز من اصطبغت ملامح تجربتهم الفنية بـ"صوت نزار الشعري"، فغنت له خمس قصائد كانت أكثرها شهرة وانتشارا "كلمات" التي لحنها الموسيقار اللبناني إحسان المنذر، وفي أوج حرب لبنان الأهلية دوّت صرختها "يا ست الدنيا يا بيروت" بألحان الموسيقار المصري د. جمال سلامة.

إلا أن دهشة "مع الجريدة" بدت خافتة، لتستعيد الكثير منها مع المطرب العراقي كاظم الساهر في "طوق الياسمين" التي حققت نجاحا كبيرا رغم عدم تصويرها بنظام الفيديو كليب.

والساهر ارتبط منذ العام 1994 ارتباطا وثيقا بتجربة نزار الشعرية، عندما غنى له "إني خيرتك فاختاري"، وحققت نجاحا مدويا حتى اعتبرت وفق استفتاء مجلة الوسط "أغنية العرب الأولى" في ذلك العام.

كان ذلك قبل أن يتلقي كاظم بقباني في لندن العام 1995، ويتفق معه على غناء قصيدتين "جسمك خارطتي" و"قصيدة الحزن" ويصبحان فيما بعد "زيديني عشقا" و"في مدرسة الحب"، ويعتبرا بعد 15 عاما علامتان فارقتان في مسيرة الساهر الذي سيسهب في الغناء والتلحين، ويندمج في معارك قباني والشاعر العراقي عبد الوهاب البياتي الذي يجد أن الساهر "حوّل المعدن الخسيس إلى ذهب".

بيد أن كاظم استثمر "منجم الذهب" في نحو 20 قصيدة غناها، وأهدى بعضها إلى مطربين آخرين مثل لطيفة التونسية في "تومني الدنيا" و"أسئلة إلى الله" وغادة رجب في "لماذا".

مطربون حاولوا الدخول إلى عالم نزار الشعري، وارتدوا سريعا بعد غناء قصيدة لم تحملهم، ولم تضف الكثير إلى إرث غنائي حول العشق إلى نشيد يومي.

التعليق