ميشيل بيسنييه يتساءل في كتابه الجديد عن حاجة المستقبل للبشرية

تم نشره في الأربعاء 15 نيسان / أبريل 2009. 09:00 صباحاً

 

ترجمة: مدني قصري

عمان- رحلةٌ غريبة ومثيرة، تلك التي يأخذنا إليها جون ميشيل بيسنييه. هذا الفيلسوف، يضع خطاه في خطى علماء المستقبل، الباحثين في مجال العلوم المجهرية، أو اللاشرطية، للبيوتكنولوجيات التي تقرّ بالتطور اللامتوقع للعلوم التقنية، وتعلن عن غرق الطبيعة البشرية، وتنبئ باستبدالها القريب بـ"ما بعد الإنسانية" التي يرسم هؤلاء العلماء والباحثون، خطوطها العريضة.

في العام 1977، في كتابه "الرجل المحسَّن شكله"، يقترح عالم الاجتماع "فانس باكار" إحلال محل السؤال "من هو الإنسان؟" -الذي رأى فيه الفيلسوف كانط سؤالا جوهرياً- سؤالا آخر "أي نمط من الإنسان سوف نبنيه مستقبلا؟". والحال، أن جون ميشيل بيسنييه اليوم، يرى أن وهْمَ الإنسان المحسَّن الشكل، ينتمي، أكثر من أي وقت مضى، لمخيلتنا المشتركة. ومن هنا، هل أصبح وجه "سيبورغ" (عصر ما بعد المعلوماتية) شعاراً لحلم الإنسان بشكل حياتي جديد، خليق بأن يخلف الإنسان الحالي؟ "سيبورغ" يشير إلى الكائن الهجين لذي يجمع بين الجهاز العضوي والبدائل الاصطناعية الإلكترونية، أي "مزاوجة الكائنات البشرية- المقلّصة إلى الدماغ وحده، بماكنات من كافة الأنواع وكافة الأبعاد".

إنه لعالم مميز... فمن خلال لمسات متتالية، يعرض الكاتب بورتريها مُخيفاً. أعمالٌ باهرة تكشف لنا عن حجم الانقلاب الجاري. أوسكار بيستوريوس، الذي وُلد من دون "ظنبوب (عظمة طويلة تقع في الجزء الداخلي من الساق)، والحاصل على الميدالية الذهبية في رياضة الـ200 متر، خلال الألعاب شبة الأولمبية في أثينا عام 2004، دليل على الآثار المثيرة التي تحدثها الأجهزة البشرية الاصطناعية. ماكناتٌ تحاكي ميكانيزماتنا العصبونية (أي الخلايا العصبية)، وقادرة على التعلم. مما يعني أن آفاق مشاهدة "ميلاد" خلية مُوَلِّدة (مستنسِخة)، تتمُّ تربيتُها في حاضنةٍ ميكانيكية، باتت أمراً وشيكا.. لقد أصبحت الأبحاث التي تجري في مجالات العلوم المجهرية، والبيوتكنولوجيات، والعلوم المعرفية، تبلبل الهويات، وتجعل الحدود ما بين الإنسان والماكنة، حدوداً هشة. وقد باتت أحلام أصحاب الرؤى التنبئية، تلازم هؤلاء، مثل الظل تماماً.

تُرى، أي قانون يمكن منحه لهذه العلوم؟ يكاد الموضوع يثير السخرية، وقد صارت التقييمات صارمة للغاية. فعلى غرار كافة الأوهام (الطوباوية)، فإن الأوهام الطوباوية ما بعد البشرية باتت تُبنى ابتداء من سياقٍ تاريخي ترفضه هذه الأوهام رفضاً منهجياً. فهي تبتعد من واقع لم تعد تطيقه. واقعُ "تناهينا" أوّلا. فبفضل الأعضاء الاصطناعية الإلكترونية، وبفضل علم مُخفضات الحرارة، صارت ساعة الإفلات من الميلاد، ومن المرض، ومن الموت، وشيكة! كان الفيلسوف أفلاطون يصف الجسم البشري بأنه قبر الإنسان، وسجنه. ومنذ الآن فصاعدا، سوف يؤدي تحميلُ الوعي على مواد لا تقبل التلف، إلى تحرير الروح من الجسد، بأقل التكاليف الممكنة. إن هذا الإنجاز الخيالي لطموحات ميتافيزيقية قديمة، يأتي في أوانه، هكذا يضيف الفيلسوف بيسنييه، في الوقت الذي صار فيه المجتمع يشترط من كل فردٍ، حركية دائمة ما فتئت تثير ذلك "التعب من الذات"، الذي يلاحظه عالم الاجتماع ألانْ ايرينبيرغ.

ومن هنا يأتي ما بعد البشر في نظر البوذيين، والربط الكوكبي لأجهزة الكمبيوتر، لتعلب لعبة إذابة الأنا في الوحدة الكونية. فعندما نقرأ الطوباوية ما بعد البشرية على هذا النحو، نراها تكتسي طابع الطوباوية المضادة، لنكتشف بذلك الأخطار التي تحدق بالإنسان، عندما "يَتَمَكْنَن" (أي عندما يصبح آلة ميكانيكية). فحتى نُلطف الانتشاء التكنولوجي، نرى انه لا بد من التذكير بأن الإنسان يظل هو المخترع للماكنات. لكنّ هذا الاستنتاج الهادئ لا يقنع ميشيل بيسنييه. فهو أقرب في هذا الشأن، إلى "بيتر سلورتيرجيك" منه إلى "جورجين هابيرماس"، وأكثر حرصاً على معارضة الإنسانية التقليدية، من حرصه على الانكباب على الدفاع عن نوع بشري مهدد من قبل التكنولوجيات العلمية، يرفض الكاتب كافة أشكال الطبيعية، ويذكر بأنه يتعين على الإنسان أن يتجاوز الطبيعة، ولا يتقهقر أمام الأفق الخلاقي الذي يدرج علاقة البشر والماكنات، في خانة واحدة وفريدة، ألا وهي خانة "الإنسان".

جون ميشيل بيسنييه، بيقظته وولعه بالتقنيات العلمية، يبني، عن علمٍ ومعرفة، نصَّ مشكلةٍ غير محلولة، من دون أنْ يقرّر إنْ كانت وجوه ما بعد البشرية ستنشأ عن شطط وهوسٍ، أم عن التساؤل الأخلاقي الأكثر إلحاحاً.

مصطلحُ "سيبورغ" (ينطق بالانجليزية "سايبورغ")، اشتقه العام 1960، عالمان من علماء الفضاء الأميركان، "مانفريد كلاينز"، و"ناثان كلاين"، من الكلمتين Cybernetic Organism، ويعني حرفياً كائناً مُهجناً من الآلة والأعضاء الحية. ويدخل المصطلح في سياق علم السيبرنتيكا Cybernetics، أي علم دراسة الاتصالات والتحكم الآلي في الأنظمة العصبية للكائنات الحية، ومحاكاة الآلات لها. ويهتم هذا العلم أيضاً بتطوير الأنظمة البيولوجية البشرية، من خلال توصيلها بأعضاء صناعية، فضلا عن اهتمامه بتطوير آلات أفضل، من خلال فهم مبادئ التصميم البيولوجي عند الإنسان، والعمل على محاكاتها في الآلات الصناعية.

التعليق