باحثان اسرائيليان ينتقدان أداء الجنود في حربي غزة ولبنان

تم نشره في الخميس 9 نيسان / أبريل 2009. 10:00 صباحاً
  • باحثان اسرائيليان ينتقدان أداء الجنود في حربي غزة ولبنان

هآرتس - افيشاي مرغليت ومايكل فلتسر     

لفهم سر سلوك الجيش الاسرائيلي المثير للجدل في الحملة الاخيرة في غزة ينبغي أن نقرأ مقالة آسا كيشر وعاموس يدلين من العام 2005، "القتل المتعمد والقتل الوقائي". كيشر هو بروفيسور في فلسفة الاخلاق والممارسة في جامعة تل أبيب، ومستشار اكاديمي للجيش الاسرائيلي وواضع مدونته الاخلاقية، أما اللواء عاموس يدلين فهو رئيس شعبة الاستخبارات، وقائد الكليات العسكرية سابقا. وفي مقال نشر في "هآرتس" في 6 شباط 2009 ادعى عاموس هرئيل بان التعليمات التي بلورها الرجلان هي التي وجهت خطى الجيش الاسرائيلي في الحملة في غزة.

"الحجة المهمة والحساسة" للغاية لدى كيشر ويدلين، كما يصفانها، يمكن تلخيصها بالقول بان أمن جنودنا اسبق على أمن مواطنيهم. وتبدو هذه الحجة مغلوطة وخطيرة وتقوض التمييز بين المقاتلين وغير المقاتلين، الذي يعتبر تمييزا بنيويا وتأسيسيا لنظرية الحرب العادلة، ولا سيما للسلوك المناسب في الحرب.

إن النقطة المركزية في نظرية الحرب العادلة تتعلق بتحديد قواعد لسلوك الجيش اثناء الحرب وتقييد المدى الشرعي للقتال.

ولا يجوز أن تكون الحرب شاملة بين الامم والشعوب ولا يجوز أن تكون حرب ابادة، بل يجب ان تكون محصورة بالقوات المقاتلة فقط. والامر صحيح ايضا حين لا يكون الطرف الاخر دولة، ولكنه يؤدي دوره كهيئة سياسية شبه دولة مثلما في حالتي حماس وحزب الله. كما أن الامر صحيح ايضا اذا كانت هذه الهيئات تتخذ اساليب الارهاب. المدنيون هم مدنيون – حتى وان كانوا تحت حكم ارهاب.

إن الوسيلة الحاسمة لتحديد نطاق القتال هي تحديد خط واضح بين المقاتلين وغير المقاتلين. وهذا هو التمييز الاخلاقي الوحيد الذي ينبغي لكل الاطراف أن توافق عليه. وإذا كان الارهاب، بفعل جوهره، محاولة شريرة لتشويش هذا التمييز وتحويل المدنيين إلى هدف مشروع، فإن مواجهة الإرهاب لا تعني محاكاته.

إن القدرة على المس والاضرار هي التي تجعل المقاتلين هدفا مشروعا عند الحرب؛ واولئك الذين لا يمكنهم أن يمسوا وان يضروا، أي غير المقاتلين، هم جميعا أبرياء. ويجب أن يكون المقاتلون ملزمين بالمحسابة على سلوكهم اثناء الحرب، وفقط على سلوكهم اثناء الحرب – وليس على مجرد مشاركتهم في الحرب. وذلك لان المقاتلين يعتبرون كمن يؤمنون بان دولتهم تقاتل حربا عادلة.

ويجب التمييز جيدا بين مفهومي الحرب العادلة: تلك التي يكون موضوعها العدل الذي يقبع خلف قرار شن الحرب (jus ad bellum) وتلك التي موضوعها السلوك العادل في وقت الحرب (jus in bello). وعلى رؤساء الدول ان يعطوا الرأي في العدل الذي يبرر شن الحرب، اما الجنود والضباط – فيتحملون مسؤولية السلوك العادل اثناء الحرب.

مقاتلو حماس وحزب الله يعتبرون هم ايضا، ككل المقاتلين، يؤمنون بان حربهم عادلة. ليس في ذلك بالطبع ما يعفيهم من اعطاء المحاسبة على سلوكهم في الحرب ولا سيما عندما يحولون مدنيين الى هدف اول لهجماتهم، وكذلك حين يستخدمون المدنيين كدروع بشرية. ولكن لا يمكن لأي من هذه الجرائم أن تعفي المقاتلين ضدهم من واجب الامتناع او التقليل من اصابة المدنيين.

كيف يقوم كيشر ويدلين بالتشويش على التمييز بين المقاتلين وغير المقاتلين؟ في أنهما يسمحان لمقاتلينا بالقفز الى مقدمة الطابور الاخلاقي وتقديم مدنيينا في الدفاع عن أمنهم، رغم أن اولئك المدنيين يتمتعون باعتبارهم ابرياء.

قبل حرب لبنان الثانية، في 2006، انتشرت اشاعات تقول إن حزب الله يخطط لاحتلال كيبوتس على الحدود مع لبنان: وكان كيبوتس منيرا مطروحا كهدف محتمل.

لنفترض بان حزب الله نفذ هذه الخطة ولننظر ونفكر بعدة سيناريوهات محتملة:

1.    يحتل حزب الله منيرا ويحتجز اعضاء الكيبوتس من مدنيين اسرائيليين، كرهائن. ويختلط مقاتلو حزب الله باعضاء الكيبوتس كي يحموا انفسهم من هجوم مضاد.

2.    يحتجز حزب الله المتطوعين القادمين إلى منيرا من الخارج ويستخدمهم كدروع بشرية.

3.    يحتجز حزب الله متظاهرين من الخارج، وصلوا كي يحتجوا على السياسة الاسرائيلية في لبنان، ويستخدمهم كدروع بشرية.

4.    يخلي حزب الله الكيبوتس ويجلب اليه مدنيين من جنوب لبنان، بدعوى أن الارض تابعة لهم، ويستخدمهم كدروع بشرية.

كرد، توشك اسرائيل على الخروج الى حملة عسكرية كي تحرر منيرا.

بزعمنا، من ناحية اخلاقية، على اسرائيل أن تتصرف في كل تلك الحالات من دون تمييز. وينبغي أن تكون مدونة سلوك جنودها في مثل هذه الحاة متشابهة، من دون أي صلة بمشاعرهم تجاه مجموعات المدنيين المختلفة. واذا ما حرص جنود اسرائيل على قواعد السلوك واخذوا المخاطرة الاخلاقية الالزامية، فان المسؤولية عن موت الدروع البشرية لحزب الله تقع فقط على حزب الله.

إن جنود الجيش الاسرائيلي يقاتلون الاعداء الذين يحاولون قتل مدنيين اسرائيليين ويعرضون مدنييهم للخطر في ظل استخدامهم كدروع بشرية. ورغم أن اسرائيل تندد بالممارسات غير الاخلاقية ظاهرا إلا أن تنديدها ليس صادقا. وذلك لان اسرائيل مسؤولة عمليا عن قسم اكبر بكثير من المدنيين القتلى من ذاك الذي يتحمل مسؤوليته اعداؤها. وحتى لو لم تقتلهم هي عن قصد، فانها تعلم بوضوح بان اعمالها ستؤدي الى موت مدنيين كثيرين.

كيف يمكن إذن لاسرائيل أن تثبت لنفسها وللآخرين معارضتها لممارسات اعدائها؟ وبالفعل، لا يكفي الا يكون جنودها يقصدون قتل مدنيين: عليهم أن يقصدوا الا يقتلوا مدنيين. يمكن أن تكون هذه النية صادقة فقط اذا اخذ مقاتلو اسرائيل على انفسهم مخاطر أعلى من المخاطر التي توقعها اعمالهم على المدنيين. ومن دون أخذ مخاطرات، فان التنديد الصادر عن اسرائيل ضد الارهاب هو تنديد عبثي.

ما هي المخاطرة التي يجوز تعريض الجنود الاسرائيليين إليها؟

الخط الموجه ينبغي برأينا أن يكون التالي: في محيط يوجد فيه مدنيون، عليهم ان يقاتلوا بذات درجة الحرص والمراعاة وكأن المدنيين في الجانب الاخر هم مدنيون اسرائيليون.

التعليق