البصري والجراح ومحمد يطلقون العنان لـ"شعر في مسرح" ويموسقون الكلام

تم نشره في الخميس 2 نيسان / أبريل 2009. 09:00 صباحاً
  • البصري والجراح ومحمد يطلقون العنان لـ"شعر في مسرح" ويموسقون الكلام

 

مدني قصري

عمان- المسرح الدائري في المركز الثقافي الملكي، كان على موعد مساء أول من أمس مع ثلاثة شعراء عرب، جاؤوا ليشاركوا بإبداعاتهم، احتفالات مئوية عمّان، في أيامها المسرحية الخامسة عشرة.

على خلفية من الموسيقى الهادئة، أدتها على آلة البيانو، الفنانة الشابة زينة أزوقة، وديكور بسيط مُعبّر، وإضاءة خافتة توحي بالشاعرية والرومانسية، قرأت الشاعرة المغربية عائشة البصري قصيدة طويلة وصفت فيها أشجانها وانفعالاتها، وذكرياتها عن مدينة الأنوار، باريس:

"إلى إديت بياف: لم يتبق من باريسك غير حنين الغنيات/ في الصباح يلفظني السريرُ/ ألملمُ ذاكرة المس، كم نفقًا اخترقته، كم عينًا حزينة رأيت بها حزني؟/ كم يداً صغيرة لامست كبدي؟/ كم عاشقاً على نهر "السين" التقيت؟/ هل بكيت أمس في حديقة اللوكسمبروغ، حين تحسست على الجبين تشقق الزمن؟/ أكلما أمطرت سماء باريس بكيت؟".

"باريس نفسُها طويل. عادة أكتب القصائد القصيرة. لكن هذه القصيدة كتبتُها على مراحل. أحسستُ أنّ باريس يمكن أن تعطي نوعاً من مسرحة الشعر. كتبتُها لمناسبة خاصة في نفسي". أنا لم أُقِمْ فيها، لكنني زرتها زيارة خاصة في نفسي. القصيدة تصوّر جوّ باريس البارد، ليس برودة الطقس، بل برودة العلاقات الاجتماعية "الحديد يقبل الحديد". باريسُ، بقدر ما هي جميلةٌ بقدر ما هو صعب أن نحتويها. فهي تكشف لنا دائماً عن أسرار وخفايا جديدة. إنها مثل المرأة لا تعطي نفسها دفعة واحدة. إنها في كل مرة تفاجئك بالجديد من أسرارها، وخباياها. لهذا اخترتُ باريس وكل القصيدة عن باريس.

هذا ما قالته الشاعرة عائشة البصري، وهذا ما باحت به في حديث سريع مع "الغد"، حول خصوصية علاقتها بعاصمة النور باريس.

الشاعر السوري نوري الجراح قرأ مجموعة من القصائد، منها قصيدة "أريج أسود"، و"بالون أسود" وفي الأخيرة يتأمل الجراح بعض علاقته بلندن وشوارعها وجسرها وفندقها الرخيص:

"بالون أسود: هل يكفي أسبوع في مدينة/ للقول، مراراً، بعد ذلك/ كنتُ في لندن/ أو: عندما كنتُ في لندن/ أو: ياه/ كم كانت جميلة/ ثم بنزق: / لباردةُ القبيحةُ/ وفي الخلاصة: الوقتُ يمرُّ مريضاً على الجسر/ هل يكفي أسبوع لشخص مثلي/ لعبور هذيان ما بعد الظهر، اختبار مدينة/ للالتفاف على شوارع سيامية/ وقراءة صفحات /من جورج أرويل/ في فنذق رخيص في بادينغتون/ برد محترم ينزهني في الغرف/  ولا بد من إرجاء أمر،/ سأطلب تبديل الغرفة بأخرى تطلّ على القناة./ لندن هذه، ام مقبرة في البحر.

بعد الظهر، أيضاً، لأن ليس هناك/ ما هو أميزُ من ذلك./ عربات الأجرة سوداء مقطبة/ وأبطال العلمين، بياقات فاخرة، إلى حفل راقص./ وعلى الطريق، في خضرة رمادية/ السكرتيرة الفاتنة تدفع في الأرجوحة / مديرها الجديد؛/ أوداجه حمراء/ كما لو كانت دم جميع الهنود!/ وفي يده البضة خيطٌ يمرحُ ببالون أسود/".

ولد الشاعر نوري الجراح في دمشق عام 1956 وانتقل إلى بيروت وعمل في الصحافة الأدبية منذ مطلع الثمانينيات، وأدار تحرير مجلة الفكر، وساهم وشارك في تأسيس عدة مجلات أدبية. صدرت له تسعة أعمال شعرية، بالإضافة إلى كتابه "الفردوس الدامي"، "ثلاثة عشر يوماً في الجزائر" وكتابه الحواري "بيت بين النهر والبحر" الذي حاور فيه كبار الشخصيات السياسية والأدبية على الساحة الفلسطينية. المحاور: سؤالنا الاول سيكون بالطبع عن مشروع الرحلات الأدبية، لو تحدثنا قليلاً عن كيفية بداية الفكرة.

مسك الختام كان الشاعر الفلسطيني زكريا محمد الذي يكتب بالطريقة التي يرتاح إليها كما يقول، وكانت العتمة فيما مضى ضرورية له لكي يكتب الشعر كما يواصل توضيحه.

حتى إن الشعر كان يأتيه أحياناً، في عتمة قاعة السينما، فكان يذهب إليها دوماً لكي يلتقي بالشعر. وفي الأمسية ألقى محمد عدداً من قصائده، ونوّع في خياراته، ليكون الشعر بعض واحة من نغم، وتجلياً من تجليات موسيقى بيانو منسابة في خفايا الروح.

ولد زكريا محمد العام 1951 في قرية الزاوية الواقعة قرب مدينة نابلس. درس الأدب العربي في جامعة بغداد. صدرت مجموعته الشعرية الأولى "قصائد أخيرة" في بيروت عام 1981 ولكنها ضاعت خلال الاجتياح الإسرائيلي لبيروت في صيف 1982. أصدر زكريا محمد "قصائد أخيرة"، و"أشغال يدوية" (1990)، و"الجواد يجتاز اسكدار" (1994)، و"ضربة شمس" (2002).

المعروف أن زكريا محمد يكتب الشعر كما يتحدث، فهو يحب أحيانًا أن يحكي للقارئ. وهو يلعب أحيانا ضد اللغة. وقد يرغب في إذلالها أحيانًا، أي بجعلها غير بليغة. وهو أحيانًا أيضاً يحس أن البلاغة سمّ اللغة. لكن الشعر عنده، في النهاية، ذوق. ولذلك فهو يكتب الحياة كما هي. لذلك أحسسنا ونحن نستمع إلى قصائده البليغة، وكأنه يروي لنا قصة.

كان عدد من حضروا هذه الأمسية الشعرية قليلاً نسبياً، لكن القصائد لقيت إعجاب من جاؤوا واستمعوا إليها وانفعلوا معها.

التعليق