لغتنا الأم وغربتنا الحضارية

تم نشره في السبت 21 شباط / فبراير 2009. 09:00 صباحاً

د.عيسى برهومة*

أدركت اليونسكو حين أطلقت الحادي والعشرين من شباط يوماً وطنياً للغات الأم أهمية التعددية اللغوية والخصوصيات الثقافية للأمم والشعوب في زمن يدهمها تيار العولمة ويطمس خصوصياتها الوطنية. فأولت المنظمات الحقوقية في العالم الحديث اللغات القومية اهتماماً كبيراً؛ نظراً لما لها من أهمية في تماسك المجتمع وقوته وتثبيت وحدته، فكان اعتمادها أساساً في تربية أبنائها على هذه اللغة، فالدول التي كانت تعاني من التشتت اللغوي بذلت من الجهود ما هو كفيل بإيجاد لغة قومية لاعتمادها في التعليم، هذا بالإضافة إلى الدول التي كانت تعاني من الاستعمار وما فرضه عليها من وجوب استعمال لغته، فقد عمدت هذه الدول بعد تحررها من الاستعمار إلى العودة إلى لغتها الأم، في إشارة سديدة إلى أن ثمة تلازماً بين اللغة القومية والاستقلال.

ومما يجدر ذكره أن هناك دولاً كثيرة صغيرة في العالم، لغاتها محلية ولا تقارن من قريب أو بعيد بأصالة اللغة العربية أو انتشارها، يتم التدريس في جامعاتها وكلياتها العلمية بلغتها المحلية، ومثال ذلك الكثير من الدول الأوروبية نذكر منها رومانيا وهنغاريا وبولونيا وفنلنذا.. الخ، وأقرب مثال هو إسرائيل التي يجري التدريس فيها باللغة العبرية في مختلف كلياتها الجامعية. وفرضوا العبرية الميتة لغةً رسميةً في جميع مراحل التعليم ومراكز البحث العلمي من أول يوم، فهي لغة التدريس في الجامعة العبرية سنة 1918، وتأسست بعد ذلك جامعات حيفا، وتل أبيب، والنقب، وإيلات، وعدد كبير من مراكز الأبحاث العلمية، وكلها تدرِّس باللغة العبرية للطلاب اليهود والطلاب العرب الذين يدرسون فيها، وجعلت العبرية لغة الأبحاث الذرية في معهد وايزمان. ولما كانت العبرية لغة ضعيفة بالمقارنة مع العربية، وليس لها تراث حضاري تستفيد من ذخائره، ولا لها سعة تعبيرية، فقد استفادت من الصلة الاشتقاقية بينها وبين العربية، فاستعملت الجذور العربية بإضافات عبرية للتعبير عن المصطلحات العلمية الجديدة.

كما أن هذه اللغات المحلية لا يتكلمها سوى عدد محدود من السكان، ولم ترتبط بكتاب مقدَّس كالعربية، ولا تملك من مقومات البقاء والاتساع كالذي تستبطنه العربية، ولكن أبناء تلك الأمم يدركون أن توظيف لغاتهم في مناحي الحياة ومحافلها من شأنه أن يعلو بلغاتهم في معارج التقدم ومواكبة الجديد في شعاب المعرفة. ولقد أدركت منظمة اليونسكو ذات الصبغة الثقافية العالمية ميزةَ التعليم باللغات القومية حين أوصت بأن تكون اللغة القومية لكل بلد هي لغة التعليم في جميع مراحله.

وانطلاقاً من أهمّية اللغة في الحفاظ على هوية الأمة بوصفها مكوناً أساسياً لوجود هذه الأمة أمسى الحفاظ على اللغة أكثر ضرورة عندما تهدد هوية الأمة المخاطر، فهيمنة الحضارة الغربية على العرب تستمد قوتها من جبروت الاقتصاد والعلم والتقنية والقوة العسكرية ووسائل الإعلام التي يمتلكها الغرب.

فاللغة العربية قد مرت بالكثير من المعوقات، فتعرضت للاستعمار، وعملت الدول المستعمِرة على اقتلاع لغات الشعوب التي تستعمرها، مما أدى إلى تعطيل السمات الحضارية والثقافية، وحال دون وحدة الشعوب، وأفقد اللغة قوتها وتأثيرها حتى في نفوس أبنائها. ومن المفارقات العجيبة أن الفترات الاستعمارية المتعاقبة على البلاد العربية: بما عرفت من فرض لغة المحتل موقفاً موحَداً يشد من أزر اللغة الوطنية، فإنها جعلت الموقف موقفين في بدايات الاستقلال وذيول الاحتلال، موقف على اللغة العربية، وآخر لها، فكأن بذور الاحتلال لم تزهر إلاّ في تربة الاستقلال، فكان مكتوباً على اللغة العربية أن تعاني من أبنائها انحطاطاً وتبعية، فهي رمز المقاومة أيام المحنة، وعنوان التخلُّف في وقت الرخاء، وضحية اللغات الدخيلة في عهد المدافعة، وربيبتها في عهد البناء. فدعاة التعريب في عهد السيادة هم ورثة الغاصب في عهد الاحتلال يبررون بالمسخ ما دحضه الآباء بالروح.

وفي كثير من بلداننا العربية يتعلم الناس العِلم الغربي باللغات الأجنبية مما لا يتيح للغاتهم أن تتطور في مجتمعاتهم لسد احتياجاتهم. هذا بالإضافة إلى اعتمادنا على الدول الأجنبية في سد حاجاتنا من بعض السلع مما يفرض علينا تعلم لغاتهم. وكثيراً ما يرتبط الرقي الفكري باللغة القومية، ويتضح هذا الارتباط في تاريخ الحضارة الأوروبية. فقد استعملت اللغات القومية بدلاً من اللغة اللاتينية التي كانت لمدة طويلة لغة فئة معينة من الناس احتكرت لنفسها لعدة قرون ما كان من ثقافة أوروبية في العصور الوسطى. أما عن الحضارة العربية فكان العرب شديدي الاهتمام بلغتهم وتمثل هذا الاهتمام بالأسواق الأدبية والمساجلات الشعرية والخطب والحكم. ثم جاءت رسالة الإسلام فعملت مع الوحدة اللغوية بين قبائل العرب على إيجاد نهضة ورقي فكري. فاللغة تجعل من المعارف والأفكار اجتماعية؛ بسبب استخدام المجتمع للغة مشتركة للدلالة على أفكاره، وتجاربه، فتحتفظ اللغة بالتراث الثقافي والتقاليد الاجتماعية للأمة جيلاً بعد جيل، وهي تعُين الفرد على تكثيف سلوكه وضبطه حتى يلائم سلوك المجتمع وتقاليده.

إن الاعتماد على لغات أجنبية في نقل المعرفة العلمية لناشئتنا، وتدريس العلوم والتقنيات في أغلب الجامعات العربية بلغات أجنبية، يعني عزل اللغة القومية والثقافة العربية عن كل مضمون علمي خاصة، وأن التجارب قد أكدت أن لا سبيل إلى تحقيق تقدم جدي في شتى مجالات المعرفة خارج اللغة القومية.

علاوة على ما تضمره عملية عزل اللغات الأم عن الحضور في المشهد الحيوي للأفراد من استلاب نفسي نحو ثقافة الآخر (القوي والمتقدم تقنيا). مما يكرِّس لديهم رغبة في التماهي مع الآخر (المتقدِّم)، ويرتبط هذا الدافع بمضمون مُضْمَر في اللاشعور المشحون بطاقة تبحث لها عن متنفَّس مباشر أو محوَّل؛ في محاولة لامتلاك ذات أخرى نقيضة. وهو ما يطلق عليه علماء النفس بالمرجع الاستلابي، فيحاول المرء أن يلتقط أي فرصة لإثبات انفصاله عن وضعه الدوني وتقليد النموذج المتحضِّر.

فكثير من مستخدمي الأجنبية لا ينبعث موقفهم هذا من اعتقادهم بعجزهم في العربية، أو عجز العربية عن الأداء، بقدْر ما هو إعجاب يصل إلى حد الاستسلام للحضارة الغربية التي توفِّر لهم -في الغالب- تعويضاً لنقص يهجسون به، فالقوي يعمل على إنتاج المعنى واحتكاره. واللغة كأي منشط في الحياة تقوى بقوة أبنائها، وتضعف بضعفهم.

ليست المشكلة في التعليم باستخدام الأجنبية بحد ذاته، بل في توجهاتها التي ترسخها في أبناء العربية، فالمسمَّى الأجنبي يعمل على بناء تصوُّر عن العالم ونمط من الوجود تقوم مرجعتيه الأساسية وأحكام قيمته على التماهي مع حضارة الآخر، دون النظر إلى ما يستبطنه هذا النهج من ويلات على اللغة والثقافة العربيتين.

يرى العالِم البلجيكي مارك ريشال: "أنَّ في الاصطدام الثقافي سقماً حقيقياً ينتاب الثقافة المصدومة". وهو يعني بذلك "أنَّ الثقافة المصدومة تصبح ثقافة هزيلة، وبالفعل أصبحت ثقافتنا هزيلة مذ اصطدمت بثقافة الغرب، إذ لم يكن التقاء الثقافتين لقاء ود وحوار، بل كان لقاء غلبة واستيلاء، فحصل ما يحصل في مثل هذه الحالات: قيام ازدواجية ثقافية ولغوية، أساسها الصراع بين ثقافتين تحاول إحداهما الاستيلاء على الأخرى...".

ويذكر هيردر الألماني في معرض تقديره للغة القومية: في اللغة القومية تكمن أفكار الأمة وتقاليدها وتاريخها ودينها وأسس حياتها.

وتقول مدام دي ستايل في لغتها الفرنسية: إنها ليست كما هي عند غيرنا، مجرد وسيلة لتوصيل أفكار الناطقين بها وإحساساتهم وشؤونهم، ولكنها آلة يحب الإنسان أن يلعب بها، هي تحرك النفوس كالموسيقى عند أقوام وكالخمور القوية عند آخرين.

فنحن لا ندعو إلى عدم تعلم اللغات الأجنبية، لكن يجب أن يكون تعلم اللغة القومية وإتقانها سابقاً على تعلم اللغات الأجنبية لما لهذا الأمر من أثر في تنشئة أبنائنا ومستقبل لغتنا ومجتمعنا العربي. أما إهمال اللغة الأم وتغليب اللغات الأجنبية في محاولة للقضاء عليها تحت ستار ثنائية اللسان فإن ذلك من دواعي تفكك الشخصية القومية وتبددها. وذلك لأن الانقطاع عن اللغة الأم هو انقطاع عن الجذور التاريخية وتنكُّر لنظم المجتمع وهروب من الهوية الوطنية. فالأمم إنما تغتني بالانسجام المتحقِّق بين معارفها ولغتها، فتنهض حين تلغي هذا الفصام النكد من مقومات حضارتها. إنَّ آخر الفكرة أول العمل، فهل نخرج من مركَّب النقص إزاء ثقافة الآخر، ونعكف على خدمة لغتنا الأم رمز الوحدة والتنمية في فضائنا العربي؟

*مساعد عميد كلية الآداب- الجامعة الهاشمية

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »0000000000 (أروى أبو فخيدة)

    الأحد 22 شباط / فبراير 2009.
    أتعلم ياأستاذي ماذا حصل للغراب؟
    كان يمشي مشيته المعتادة إلى أنه فكر يوما في أن يقلد مشية الحمامة ومنذ ذلك اليوم لم يعد يذكر مشيته الأولى وانقلب عليه الحال وأصبح يقفز بالطريقة التي تراها وهذا ما أصابنا فكلماتنا كالطعام تماما إما أن نحولها إلى سموم تضرنا أو نحولها إلى عمل وعبادة وانتماء تنفعنا فليس هناك من معنى يجعلنا منفتحين دون أن نفهم شيئا.
  • »0000000000 (أروى أبو فخيدة)

    الأحد 22 شباط / فبراير 2009.
    أتعلم ياأستاذي ماذا حصل للغراب؟
    كان يمشي مشيته المعتادة إلى أنه فكر يوما في أن يقلد مشية الحمامة ومنذ ذلك اليوم لم يعد يذكر مشيته الأولى وانقلب عليه الحال وأصبح يقفز بالطريقة التي تراها وهذا ما أصابنا فكلماتنا كالطعام تماما إما أن نحولها إلى سموم تضرنا أو نحولها إلى عمل وعبادة وانتماء تنفعنا فليس هناك من معنى يجعلنا منفتحين دون أن نفهم شيئا.
  • »لغتنا الأم...إلى أين؟! (إيمان عبد المنان)

    السبت 21 شباط / فبراير 2009.
    بكل أسف أصبحنا نرى لغتنا العربية تتهاوى يوماً بعد يوم في زوايا من التهميش والعزلة.
    وما ذلك إلا بسبب الهيمنة والتقدم للغات الأخرى على حساب لغتن.
    فإن كانت اللغة العربية قد مرت بالكثير من المعوقات، كتعرضهاللاستعمار، وما كان له من تبعات سلبية،الا أن ذلك كله لا يعفينا من المسؤولية تجاه ما قدمناه نحن لهذه اللغة
    فعلى سبيل المثال كثر هم العرب الذين يتجهون للدراسة في بعض الدول التي تُدرس بلغتها الأم (كالأوكرانية أو الروسية أو الرومانية....)وهي لغات لا تكاد ترتقي إلى المستوى العالمي كالإنجليزية مثلا، ومع ذلك نجد إقبالاً ملحوظاًعلى الدراسة بتلك اللغات دون سماع أي سلبيات تذكر
    وفي نفس الوقت نسمع كثيرا من الانتقاد والحط من قدرالتعليم في بعض الدول التي تدرس تخصصاتها الجامعية باللغة العربية كالجامعات السورية مثلا..
    إذن.. فالإشكالية لم تزل قائمة في المفاضلة بين اللغات، والآراء في تفاوت مستمر لكن هذا كله
    يدفعنالنتحد ولو لمرة واحدة لنحرر عقولنا من سذاجة تقبل كل ما هو مختلف وغريب دون تفكير أو نقاش..
    آن لناأن نفخر بعروبتنا وثقافتنا،لا بما صنعه الآخرون
    وأن لنا أن نقاوم كل ما من شأنه أن يحط من قيمة هذه اللغة وأهلها..
  • »لغتنا الأم...إلى أين؟! (إيمان عبد المنان)

    السبت 21 شباط / فبراير 2009.
    بكل أسف أصبحنا نرى لغتنا العربية تتهاوى يوماً بعد يوم في زوايا من التهميش والعزلة.
    وما ذلك إلا بسبب الهيمنة والتقدم للغات الأخرى على حساب لغتن.
    فإن كانت اللغة العربية قد مرت بالكثير من المعوقات، كتعرضهاللاستعمار، وما كان له من تبعات سلبية،الا أن ذلك كله لا يعفينا من المسؤولية تجاه ما قدمناه نحن لهذه اللغة
    فعلى سبيل المثال كثر هم العرب الذين يتجهون للدراسة في بعض الدول التي تُدرس بلغتها الأم (كالأوكرانية أو الروسية أو الرومانية....)وهي لغات لا تكاد ترتقي إلى المستوى العالمي كالإنجليزية مثلا، ومع ذلك نجد إقبالاً ملحوظاًعلى الدراسة بتلك اللغات دون سماع أي سلبيات تذكر
    وفي نفس الوقت نسمع كثيرا من الانتقاد والحط من قدرالتعليم في بعض الدول التي تدرس تخصصاتها الجامعية باللغة العربية كالجامعات السورية مثلا..
    إذن.. فالإشكالية لم تزل قائمة في المفاضلة بين اللغات، والآراء في تفاوت مستمر لكن هذا كله
    يدفعنالنتحد ولو لمرة واحدة لنحرر عقولنا من سذاجة تقبل كل ما هو مختلف وغريب دون تفكير أو نقاش..
    آن لناأن نفخر بعروبتنا وثقافتنا،لا بما صنعه الآخرون
    وأن لنا أن نقاوم كل ما من شأنه أن يحط من قيمة هذه اللغة وأهلها..