سعدي يوسف في "قصائد الحديقة العامة": صور لآلام الغربة ومواويل الأحزان العراقية

تم نشره في الجمعة 20 شباط / فبراير 2009. 09:00 صباحاً

 

بيروت- مجموعة سعدي يوسف الشعرية الأخيرة التي حملت عنوان "قصائد الحديقة العامة"، جاءت في غالبها صورا نفاذة مؤثرة لموضوع يتكرر في وجوه مختلفة، لكنها كلها تنبض بآلام الغربة والوحشة.

ولعل من أكثر ما في بعض هذه القصائد إثارة للأسى ما يصور منها الانسان رهين غربتين:غربة فعلية أي البعد عن الوطن، وأخرى أشد منها مضاضة؛ أي شعوره بأنه كان مغربا في وطنه إلى درجة تحول معها إلى شبيه لتلك العصافير التي ترفض الانطلاق عائدة إلى غابتها التي تبدو لها رغم كل الذكريات ومشاعر الشوق أنها لم تترفق بها.

والحديقة العامة خاصة "اللندنية" عالم يقدم الكثير.. فسحة ومتعة ولهوا ومكانا شاعريا لمن يبحث عن ذلك وموئلا للمتوحد وبعض عزاء وبديلا أحيانا من بلده البعيد.

هل كانت كل ذلك أو بعضه أو أكثر منه بالنسبة إلى الشاعر العراقي البارز، الجواب في عدد من هذه القصائد التي تحمل أجواء الغربة إلى القارئ. ولعل من الأصح القول إنها تحمله إلى أجواء تلك الغربة إذ أنها غربة ذات سمات وصفات وألوان خاصة بها، فهي لا تبقى فى عالم عام مطلق.

اشتملت المجموعة على نحو 50 قصيدة توزعت على 94 صفحة متوسطة القطع وصدرت عن "منشورات الجمل- كولونيا (المانيا)- بغداد".

لابد من الإشارة إلى أن "المرئيات" بصريا وحتى شعورا وتصورات في قصائد سعدي يوسف هي أقرب إلى ان تكون أوروبية وأوروبية "باردة" اجمالا معظمها "لندني" حيث إقامة الشاعر، وبعض منها في أماكن أوروبية أخرى لعل من أبرزها "شعريا" ما يحمل إلينا مثلا رومانسية أجواء باريس من فيكتور هوجو، إلى جاك بريفير وإلى صوت "ايف مونتان" وقبله "نات كينج كول" واحتشاد المشاعر في أغنية "الأوراق الذابلة" أو الاوراق الميتة أو "أوراق الخريف". إلا أن قصيدة سعدي يوسف هنا لها قراءة مختلفة.

نقرأ القصيدة التي تحمل عنوان "طبيعة". يقول الشاعر "في تشرين الأول في باريس/ الاشجار تغطي الأرصفة المغبرة/ بالذهب/ الريح تخفف من وطأتها/ وتسيل مع الذهب/ الغابات رسائل/ ثم بريد جوي/ من ريف/ يعلن.. اني المنسي/ أقيم هنا .. بيتي من ذهب/ وغبار."

في القصيدة الأولى "منزه الأنهار الثلاثة" يبدو لنا ذلك الطائر القادم إلى تلك الحديقة العامة في لندن غريبا في غير مكانه. أتراه يشبه أحدا هنا.. يقول الشاعر "أشرعة بيض/ بجع أبيض/ غيمات خريف بيض...

"الشمس تسخن في المرج مراياها/ والاشجار/ كأن ضحى الجنة يفتح بوابته/ هل ادخل../ نورس بحر من عدن/ ضل../ وها هو يهبط مرتبكا/ بين البجع الابيض/ والاشرعة البيض."  قصيدة "مقام عراقي مع اغنية وبسمة" حافلة بحنين الى امس والى تراث يتجسد في تقمص الأغنية الشعبية الحزينة وكذلك العودة الى نمط القصيدة التقليدي والربع المرتحل وأجواء شعراء خاصة من بني عذرة. يقول "فلم ندر أي الجنتين نزور/ كأن بليلى من شمائل دجلة/ تقلب حال والمياه تدور/ ونضرة وجه مترف وسرور...

"وصلنا اليوم بعد الهم دجلة../ وقال الربع../ ماء الهم دجلة../ سيوف الاجنبي .. دارت عليه."

ويختم بحزن ومرارة وشك بغناء شعبي موجع "وشلون عيني وشلون/ هذا الامل ينساهم/ راحوا وما ودعونا/ يوم النصر نلقاهم/ وشلون عيني وشلون "

أما "قصيدة يائسة" فتختصر كل الحكاية، بل المأساة أو صلبها بايحاء نفاذ في هدوئه القتال. يقول "البلاد التي نحب انتهت من قبل ان تولد/ البلاد التي لم نحب استأثرت بما قد تبقى من دم في عروقنا/ نحن كنا اهلها ../ قل.. بلى../ ولكن تولانا سعير من اول الخلق/ هل كنا نياما/ ام غافلين.../ لم يبق عندي من تراب اريد ان يتلاشى/ هابطا من اصابعي ..../ البلاد التي نحب انتهت."

في قصيدة "نحتفي بالرماد" صورة أخرى للفجيعة. يقول متسائلا "لم لم يسقط الثلج../ كنا على موعد معه منذ عام.../ وكنا نقول.. لئن سقط الثلج قمنا لدفن موتى لنا/ فالجنود يكونون قد غادروا نحو ثكناتهم/ والغراب المحوم قد ضاق بالبرد والجوع/ كنا دفنا أولئك في لحمنا/ أين نذهب../ لم يسقط الثلج.../ هل ننتظر النار.. أم نحتفي بالرماد.."

في قصيدة "مقام المرء" قال الشاعر مختتما القصيدة "... يا مقيما هنا/ لا سماء يخفق فيها جناحاك."

في "ليس من تلاعب" مرارة كالنار تعلن ما تزعم أنه التخلي التام وأن الكلمة هي العزاء الأخير، بل الخلاص الوحيد المتبقي. ومما قال الشاعر فيها "لمن أكتب الآن.. لا شأن لي بالعراق ولا بالعواصم/ لا شأن لي بالصداقات فاترة/ أو بالنساء اللواتي تخلين عني/ ولا شأن لي بالبنادق والطائرات المغيرة..."لمن أكتب الآن..../ أكتب كي لا أموت وحيدا "

حياة البرد والضباب وشوقه الى الوطن تنعكس من خلال قصيدة "الشمس التي لا تأتي". يقول بما يشبه بكاء جفت فيه الدموع "في هذا الاحد المشدود الى سفح الجبل اشتقت الى بلدي/ حيث الصيف يطقطق منذ الان/ وحيث الشمس تسلط بؤرتها حتى في الظل/ النخل بغير ظلال.../ في هذا الأحد الجهم اشتقت إلى بلدي/ لكني لم أدرك إلا الساعة/ حين مررت بمقبرة القرية../ أني المسكين بلا بلد."

في قصيدة "مطعم شبه أميركي" يقول "بعد الكأس الأولى لنبيذ اسباني مجهول/ بدأت نادية العزف على وتر منفرد../ ما اجمل ان نسكن في الوطن (العائلة) الشاي صباح العيد/ الفاكهة الاحلى/ طعم الماء/ المطر المؤجل/ تلك الحشرات القاتلة.../ حقا قد عدت الى بيتي بالضاحية البيضاء/ ولكن البيت هنا لم يعد البيت../ البيت هناك حيث الاسلاف ينامون ........./ هل تعرف يا سعدي اني في لندن اختنق.."

التعليق