إبراهيم نصر الله في "زمن الخيول البيضاء": التاريخ حالة وجدانية بأبعاد أسطورية

تم نشره في الخميس 12 شباط / فبراير 2009. 10:00 صباحاً
  • إبراهيم نصر الله في "زمن الخيول البيضاء": التاريخ حالة وجدانية بأبعاد أسطورية

 

بيروت- يتميز عمل إبراهيم نصر الله الشاعر "زمن الخيول البيضاء" بأنه يروي المادة التاريخية الموضوعية والموثقة لكنه يبعد عنها جمودها التقريري ويحولها الى حالات تبدو احيانا شبه وجدانية وملحمية ذات نكهة أسطورية.

وقد وصفت الرواية على غلافها بأنها عمل توج به نصر الله "مشروعه الروائي الكبير.. الملهاة الفلسطينية الذي بدأ العمل عليه منذ العام 1958 والذي صدر منه ست روايات لكل رواية أجواؤها الخاصة بها وشخوصها وبناؤها الفني واستقلالها عن الروايات الأخرى. يتأمل نصرالله في هذا المشروع 125 عاما من تاريخ الشعب الفلسطيني...".

الرواية، التي جاءت في نحو 510 صفحات متوسطة القطع وبلوحة غلاف ورسوم داخلية للفنان البحريني أحمد باقر، صدرت عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر. أحداث هذا العمل الفني الممتع في شعريته وسرديته العاليتين اندرجت في ثلاثة ابواب أو كتب كما سماها المؤلف هي الريح - التراب - البشر.

نصر الله وفي مقدمة حملت عنوان "مراجعات" قال "أنجزت العمل على جمع الشهادات الشفوية الطويلة التي أفادت منها زمن الخيول البيضاء في شكل خاص بين عامي 1985 و1986 حيث قدم عدد من الشهود الذين اقتلعوا من وطنهم وعاشوا في المنافي شهاداتهم الحية عن تفاصيل حياتهم التي عاشوها في فلسطين ومن المحزن أن هؤلاء الشهود قد رحلوا جميعا عن عالمنا قبل أن تتحقق أمنيتهم الكبرى بالعودة إلى وطنهم. شهود من أربع قرى فلسطينية حملوا الحلم ذاته وماتوا الميتة ذاتها غرباء".

تحت العنوان الداخلي للرواية أدرج نصر الله قولا عربيا يستند إلى عنصرين من العناصر الأربعة التي ذكرها فلاسفة قدامى. والقول هو "لقد خلق الله الحصان من الريح.. والانسان من التراب". واتبعه بما أسماه "إضافة" هي "..والبيوت من البشر".

يروي نصر الله ما يبدو للقارىء أحيانا صفحات متعددة من الحياة، خصوصا في قرية "الهادية" كما يورد اشخاصا هم أقرب إلى نماذج بشرية حية نابضة ومؤثرة من أهالي القرية في شكل خاص. ومن خلال ذلك كله يروي مأساة شعب وإن يكن قد وصفها بأنها "ملهاة". القرية هنا تتحول الى جزيئة صغيرة أو "ميكروكوزم" يمثل الأصل الكبير "الماكروكوزم" أي فلسطين.

يستحضر نصر الله بمهارة حياة القرية بدفئها وهمومها ومشاغلها، كما يستحضر بشكل أخاذ أجواء ملحمية أسطورية، تعيد إحياء ما يسكن الذاكرة من القراءات والمشاهد المختلفة عن هذه الأجواء.

ونصر الله في هذا العمل هو من مبدعين قد يكونون قلائل يصح تشبيههم بما وصف به طير النعام من أنه ذو معدة تهضم الحديد فتذيبه، أو فلنقل تحوله الى طعام مستساغ. هكذا يفعل ابراهم نصر الله بالمادة التاريخية فتصبح مادة سردية شعرية حية معدية بما ينبعث منها من دفء وان اشتد احيانا فكاد يحرق.

تبدأ الرواية بعنوان "وصول الحمامة". والحمامة هنا هي فرس رائعة ساحرة.

ينقل إلينا نبض الحياة في القرية ومشهدا كأنه من عالم الحلم أو الأساطير. يقول "معجزة كاملة تجسدت..أمام المضافة.. تحت شجرة التوت.. كان الحاج محمود يجلس بجانب ولده خالد مع عدد من رجال القرية. رأوا في البعيد غبارا قادما. داهمه حس غريب. ومع مرور اللحظات كان الغبار يتلاشى ويحتل مكانه بياض لم يروه من قبل. ظل توهجه يزداد شيئا فشيئا حتى بان كله. لم يكن هناك ما يفتنهم اكثر من جمال مهرة أو حصان."قال الحاج محمود ذاهلا أترون ما أراه.. لم يسمع جوابا. التفت اليهم فوجد أن المفاجأة قد أخذتهم عاقدة ألسنتهم. عم صمت طويل لم يكن يقطعه سوى ذلك العدو المجنون للكائن الذي بدا وكأنه خرج من حلم... تطلعت كتلة الضوء إلى الأعلى وراحت تطلق صهيلها المجروح... توقفت الفرس أمامهم أشبه بصخرة، كما لو أنها قد قررت أن تموت على أن تخطو خطوة أخرى."

في ما يشبه تبادل الأدوار وحالات تشبه "التقمص" في الذهن على الأقل تصبح تلك المهرة كأنها المرأة التي أحبها أحد أبطال الرواية (خالد) وتزوجها ثم خطفها منه الموت".

وتتوالى الحياة في وجوهها المختلفة. قصص الحب والزواج والولادة والموت. الدفء والطيبة والجيرة والمحبة. الكل واحد مع اختلاف الدين والمشارب الأخرى.

تقطع هذه الحياة مرحلة جديدة تضاف إلى المراحل الماضية، من الخطر القادم من أرجاء مختلفة من الأرض باسم الحركة الصهيونية وتقسيم فلسطين وقيام الدولة اليهودية. الآلام الكبيرة وانتهاء عهد صفو الحياة وهدأته.

وتستمر دورة الألم والقتل والاقتلاع والتشرد. نقرأ عن دور الانتداب البريطاني في ضرب الفلسطينيين وإضعافهم وتقوية الجماعات الصهيونية. يروي نصر الله قصص عذاب الفلسطينيين الذين لم يتلكأوا في الدفاع عن أرضهم بقدر ما توفر لهم من قدرات متواضعة أمام قوة أعدائهم. الضربة القاضية جاءتهم من الدول العربية التي قالت لهم أنها أرسلت جيوشها لإنقاذهم، فلم تقاتل ولم تساعدهم ولم تسمح لهم بالقتال فتركوا وسط حريق هائل.

سقطت القرية وسعى المراقبون الدوليون إلى إجلاء الأحياء من أهلها.

الصورة الختامية للرحيل في عربات هيئة الامم جاءت محزنة جارحة ورمزية من ناحية.. خاصة التهام النيران لطيور الحمام رمز السلام والتهاب الجهات الأربع.

نقرأ "انحدرت شلالات الدمع على وجه منيرة وأحفادها وعفاف وأولادها... دوت عدة انفجارت... حدقت العزيزة التي كانت تبكي بصمت... كانت إحدى القنابل قد سقطت في بيت أبيها. اندلعت النار فيه وسقطت قنبلة أخرى فاشتعل برج الحمام. راحت العزيزة تراقب النار التي تتصاعد ملتهمة البرج وما فيه... كان الحمام يطير محترقا قاطعا مسافات، لم تفكر يوما أن حماما بأجنحة مشعلة يمكن أن يبلغ نهاياتها، وحيثما راح يسقط في البساتين والكروم والسهول المحيطة. كانت نار جديدة تشتعل، وحينما وصلت العربات إلى تلك النقطة العالية التي تتيح للناس مشاهدة الهادية للمرة الأخيرة كانت السنة الحرائق تلتهم الجهات الأربع."

بهذا أنهى إبراهيم نصر الله الرواية، لكنه لم ينه الكلام، وإن جاء اقتباسا من أحد كبار مؤسسي دولة اسرائيل. الكلام هو تعليق لديفيد بن جوريون نقله عنه ناحوم جولدمان الرئيس الأسبق للمؤتمر الصهيوني العالمي في كتابه "المفارقة اليهودية".

قال بن جوريون "لو كنت قائدا عربيا لما وافقت على أي اتفاق مع اسرائيل فهذا أمر طبيعي. فنحن أخذنا بلادهم. نعم إن الله وعدنا بهذه الأرض ولكن هذا أمر لا يهمهم... فالهنا ليس الههم... وهذا حصل منذ ألفي عام فما الذي يدعوهم لأن يعيروه اهتماما.. وكانت هنالك اللاسامية ومن ثم النازيون وهتلر واشوتس (المحرقة). فهل كان ذلك ذنبهم.. إنهم يرون شيئا واحدا فقط إننا جئنا وسرقنا بلادهم.. فلماذا عليهم أن يقبلوا بهذا.."

التعليق